عاهدت نفسي الا أنزل مجددا إلى مستوى من يطلق عليهم جزافا صفة إعلاميين لكثرتهم في أيامنا هذه، مع انتشار ظاهرة الدكاكين أو «الرداحات» التي تسمى تجاوزا قنوات فضائية، التي تكاثرت وأصبح بمقدور من يملك رأس المال، أيا كان مصدره، وهم كثر، فتح دكان يخصصه للشتم والردح ضد الخصوم.
ولكن ما توجب الرد عليه هو، آخر الاكاذيب والتضليل والخداع الذي طلعت به إحدى هذه «الرداحات»، حول ملابسات اختطاف 4 فلسطينيين، زعمت هذه القناة أنهم من حركة حماس، كانوا في طريقهم من معبر رفح المصري إلى مطار القاهرة، للسفر إلى الخارج، قبل حوالي عشرة أيام. لا يعنيني كثيرا أن تهاجم هذه القناة أو غيرها من هذه القنوات المشبوهة حماس، أو غيرها، ولكن أن تحرف الحقائق وتزيفها فهذا هو غير مقبول.
من بين هذه «الرداحات» «صدى البلد» لصحابها المليونير أو الملياردير لا فرق، محمد أبو العينين. وقامت بالردح «اللي على أصوله» مقدمة برنامج «صباح البلد»، الإعلامية الفذة دينا رامز، ولُفت انتباهي إلى حلقة من حلقات هذا البرنامج مخصصة للحديث عن عملية الاختطاف وحماس.. كنت اعتقد خطأ أن «البرامج الردحية» لتوفيق عكاشة «في قناة الفراعين»، كانت قمة الانحطاط الإعلامي. ولكن ما سمعته من دينا رامز كان دليلا قاطعا على ألا حدود ولا قمم للانحطاط.
لقد تفوقت دينا رامز في مستواها «المتدني» على نفسها وكبار «الرادحين» من أمثال احمد موسى (المخبر الكبير) وعكاشة بهلوان الإعلام المصري، وأماني الخياط (أون تي في).
وقبل أن ندخل في تفاصيل «إطلالة دينا رامز» الأخيرة في برنامج «صباح البلد» نتوقف قليلا عند صاحب ومالك «صدى البلد». إنه محمد ابو العينين رجل أعمال عصامي، صعد سلم الثراء «درجة درجة وبعرق جبينه».. انضم إلى الحزب الوطني الحاكم في عهد حسني مبارك وهو صاحب محل سيراميك صغير في حي الدقي بالقاهرة، ليصبح بقدرة قادر صاحب أكبر مصنع سيراميك في الشرق الأوسط، والابن المدلل للرئيس المخلوع. ويقال إنه كان صاحب دعوة التوريث لجمال مبارك… يقولون عنه أيضا إنه ممن كانوا يسمون بعيد ثورة 25 يناير في مصر بالفلول، وهو مصطلح كان يوصف به اتباع النظام البائد.. ولكن زميلا مصريا وصفه بأبو الفلول. وقل استعمال هذا المصطلح في الآونة الأخيرة إن لم يكن قد توقف بالكامل. وفهمكم كاف.
وطبعا كغيرها ممن سبقها وجدت دينا رامز في «الإعلام الردحي» ضالتها والوسيلة الأنجع والأسرع إلى عالم الشهرة الرخيصة.. التي لا تراعى فيهما مهنية. وكما هي عادة الجبناء يختارون دوما الحلقات الأضعف لبث سمومهم. فاختارت دينا رامز كغيرها لحلقة برنامجها حركة حماس واختطاف الفلسطينيين الأربعة..
ما سمعته في حلقة حماس، كان جرعة كافية ودليلا قاطعا على الانحطاط المهني والاخلاقي والمعلوماتي، الذي وصلت اليه والتفسير الساذج لمجريات الأحداث والاستنتاجات الأكثر سذاجة والمصطلحات السوقية التي كانت تتخلل كلامها وأدائها، والجهل المطبق لما كانت تقرأه على «الاوتو – كيو».
وأبت دينا رامز إلا أن تكون كغيرها من هذه الجوقة الحاقدة من أشباه الاعلاميين والمرتزقة الساقطين والمنبوذين في أوساط شرفاء وعمالقة الإعلام في «المحروسة»، التي تختص في تفريغ أحقادها في الفلسطينيين.. كما ابت دينا رامز إلا أن تبقي على مستواها الإعلامى دون مستوى «شباشبها وصراصيرها»..
هكذا بدأت دينا رامز برنامجها بتساؤل: «هو سؤال هل حد فيكم سمع عن صراصير تهدد أسود.. والا نملة تهدد فيل.. الصراصير دول نحتسبهم حركة حماس اللي طلعت علينا مبارح.. وبتهدد.. قال أيه مصر، (كلام شوارع) بعد اختفاء أربعة من عناصرها في سيناء..». واستطردت «في الأول خلينا نسأل سؤالا بسيطا لا يدل على ذكاء (تلوح يديها بحركات تدل على أنها في غاية السعادة. بسؤالها الذي لا يدل فعلا على ذكاء كما قالت.. وهي العبارة الوحيدة الصادقة في برنامجها) نوجهه إلى هذه الصراصير.. هم الأربعة عناصر بتعهم دول.. كانوا بيعملوا أيه في سينا.. إذا كان المستمع عاقل يعني (تقولها وهي مبتسمة) مش أنتم اللي صدعتونا بالنفي المستمر والدائم إنّو حماس ليس لها أي تواجد في سيناء.. الأربعة دول طلعونا من فين.. طلعونا بالمقدر من فين. قبل أربعة أيام أعلنت حماس عن اختفاء أربعة من عناصرها في سيناء.. أيه اللي جابهم عندنا. الحركة قالت كمان إنه عندها قال أيه معلومات أمنية خاصة حول عملية الاختطاف وملابساتها».
السيدة دينا رامز تجهل او تتجاهل، كما يبدو، أن الأربعة كانوا موجودين ضمن قائمة المسافرين المسموح لهم بالسفر عبر مصر. وبالمناسبة منعت مصر في الأيام الأربعة التي فتحت فيها المعبر أكثر من 150 فلسطينيا من السفر وأعادتهم إلى القطاع. وتجهل دينا رامز أيضا أن الأربعة كانوا عند اختطافهم موجودين على متن حافلة فيها عشرات الركاب.. وتجهل أيضا أن الحافلة التي كانوا على متنها تعرف بحافلات «الترحيلات»، أي الحافلات التى تنقل المسافرين من معبر رفح المصري إلى مطار القاهرة تحت رقابة أمنية مشددة ومحاطة بسيارتي شرطة، إحداهما في المقدمة والثانية في المؤخرة، مع وجود رجال مخابرات على متن الحافلة.. ولا يسمح للركاب بمغادرتها إطلاقا إلا في مطار القاهرة.
واستطردت بتحليل أعمق الكيفية التي اختطف فيها الشباب الأربعة، وأعطتنا لمحة عن ماهية عمليات الاختطاف المعروفة «يعني مثلا معلش خلينا نوقف هنا ثانية.. اللي بيتخطف دا حضراتكم بيكون ماشي بالشارع اللي بجنب بيته، أو يختطف من بيته أو من الشارع اللي تحت عمارته.. مش مسافر لبلد هو بينكر أساسا تواجده فيها.. وبيتقال عليه اتخطف.. مش بس جالها الخبر (حماس)… ده كمان عندها معلومات من مصادر داخل سينا.. وبعدها على طول قالت حماس إنها بتتواصل مع الأمن المصري للإفراج عن عناصرها (حماس لم تقل ذلك على الإطلاق أن المختطفين الأربعة هم من عناصرها، بل وصفتهم بالشباب الأربعة).. هو انتو لكم عناصر عندنا.. في مصر يعني.. وأيه اللي جابهم ومين اللي يفرج عنهم، وإذا كان فيه إفراج عنهم يبقى اختطاف ازاي. وإلا هم جايين بتأشيرة لمصر والا هم دبلوماسيين والا هم متسربين من نفق ما. بعد كده حنكمل.. أصدرت حماس بيان برضه.. بيان قبيح في الحقيقة قالت فيه إن اختطاف العناصر الحمساوية ينافي الأعراف الدبلوماسية والدولية.. على أساس أيه بقى إنّو هم مثلا كانوا في مهمة دبلوماسية، والا على أساس انه حماس دولة وان من حقها إقامة علاقات دبلوماسية. احنا لنا علاقة دبلوماسية مع دولة فلسطين.. مع السفراء اللي جايين من عند الرئيس الفلسطيني أبو مازن. فضلوا وأكملوا من الشعر بيت.. بلغ هذيان الصراصير أن أصدرت كتائب القسام بيان فيه تهديد صريح بأن ما حدث في سيناء من اختطاف عناصرها لن يمر مرور الكرام».
السيدة دينا رامز (الإعلامية المرموقة) لم تسمع عن عمليات اختطاف من قبل إلا من باب عمارة أو شارع.. وتعطي الانطباع بأن الشباب الأربعة كانوا لوحدهم في سيناء.. ويبدو أنها تجهل أو تتجاهل معلومات أساسية عن عملية الاختطاف التي تمت.. وحسب رواية الشهود فإن مسلحين اوقفوا الحافلة بعد إطلاق نار للتخويف.. وهذا يثير تساؤلات: أين كانت سيارات الحراسة عند إيقاف الحافلة.. ولماذا لم يشتبك رجال الأمن معهم؟ وماذا كان دور رجال الأمن المسلحين داخل الحافلة؟ النقطة الأخرى أن المسلحين عندما اعتلوا الحافلة كان بحوزتهم جهاز كمبيوتر ونادوا على اسماء الشباب واحدا تلو الآخر، وفق معلومات لديهم فمن سرب هذه المعلومات إليهم؟ هناك ثلاثة تفسيرات.. الأول أن المسلحين هم في الحقيقة جماعة ارهابية. في هذه الحالة نسقت عملها مع حراسة الحافلة.. وإذا صدق هذا التفسير فانه يشكل فضيحة كبرى للامن المصري! التفسير الثاني أن جهة أمنية بعينها ترفض التقارب الذي بدأ الحديث عنه بين حماس والسلطات المصرية هي التي تقف وراء عملية الاختطاف.. والتفسير الثالث هو أن السلطات المصرية هي المسؤولة.. وأنا شخصيا ارجح التفسير الثاني.. خاصة أنه كان هناك طلب مقدم من قيادة حماس في غزة للسفر عبر رفح للقاء مسؤولين في جهاز المخابرات المصرية قبل الشروع بجولة خارجية، وأفشلت المحاولة.
وتابعت «لأ أنا خفت بصراحة انا خفت وحاسة بقلق قلق بالغ، متخلوش الواحد يعني يسخر منكم أكثر من السخرية اللي بنسخرها من كلامكم.. انا بتكلمش باسم دولة وإحنا بدورنا.. انا بتكلمش باسم دولة ولا لي دعوة بحكومة انا بتكلم كمواطنة.. واحدة من المواطنين.. بنرد على حضراتكو ونقول لكم بس فكروا واتمشوا ناحية الحدود المصرية وإحنا عندنا ثقة بجيشنا ملهاش اي حدود والرد هيكون موجع فى حتت كدا(قالتها وهي تمسد شعرها المهفهف) يعني أماكن حساسة.. وهيكون رد رادع ضد كل صرصار تسول له نفسه يقرب من شبر واحد في مصر، الصراصير يا إما بتترش أو كبيرها شبشب زنوبة بوردة».
وامتنع عن التعليق..
وأختم بالقول إن أقزام الاعلاميين ومن وراءهم هدفهم تزييف الحقائق والتضليل.. يكذبون ويكررون كذبتهم اعتمادا على أن غالبية المستمعين لا يعرفون الحقيقة، وإن يعرفوها.. ويعملون وفق المثل القائل: «الزن على الودان أمٓر من السحر».. وهكذا تحاول الآلات الإعلامية الفلولية اللعب على الشعب المصري. لكن كان غيرهم أشطر فشعب مصر أوعى منهم. وحتما سيكون مصير محاولاتهم الفشل.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح