دمشق ـ «القدس العربي»: يجري وفد من مجلس سوريا الديمقراطية، الذراع السياسية لقوات سوريا الديموقراطية المدعومة من واشنطن، محادثات للمرة الأولى في دمشق تتناول مستقبل مناطق الادارة الذاتية في الشمال السوري، في خطوة تأتي بعدما استعاد النظام مناطق واسعة من البلاد خسرها في بداية النزاع المستمر منذ 2011.
وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية التي تعد الوحدات الكردية عمودها الفقري على نحو ثلاثين في المئة من مساحة البلاد تتركز في الشمال، لتكون بذلك ثاني قوة مسيطرة على الأرض بعد الجيش السوري.
وأكد الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديموقراطية رياض درار أمس الجمعة أن «وفداً من مجلس سوريا الديموقراطية يزور دمشق بناء على طلب الحكومة السورية في زيارة رسمية هي الأولى». وقال «نعمل للوصول الى الحل بخصوص شمال سوريا»، مضيفاً «ليست لدينا أي شروط مسبقة للتفاوض ونتمنى أن تكون المحادثات ايجابية لمناقشة الوضع في شمال سوريا بالكامل».
وأكدت مصادر سورية مطلعة لـ «القدس العربي» بأن قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية أبلغت السلطات السورية استعدادها للانسحاب من مدن وبلدات تسيطر عليها وتسليمها للجيش السوري الذي سينتشر فيها فور تسلُّمها.
وحسب ما رشح من معلومات بهذا الشأن فإن المفاوضات الماراتونية التي جرت بين «قسد» ودمشق وشارك فيها أكراد قريبون من الحكومة السورية كانت نتائجها إيجابية وأفضت إلى قبول مبدئي من «قسد» بتسليم مدينة الرقة وأحياء واسعة من مدينة الحسكة وهي الأحياء التي تحيط بالمربع الأمني الذي توجد فيه مؤسسات الدولة وأفرعها الأمنية بمدينة الحسكة للسلطات السورية، وتقول المعلومات أيضاً إن السلطات السورية أبلغت «قسد» بأنه كما تمت استعادة الجنوب السوري يمكن استعادة المدن التي تسيطر عليها «قسد»، وأن دمشق تفضّل أن تتم الاستعادة بالوسائل السياسية والتفاوضية.
ووفق ما تسرب أيضاً فإن المجلس التنفيذي لقوات سوريا الديمقراطية ابلغ دمشق بأن الولايات المتحدة تنوي سحب قواتها وقواعدها العسكرية من الأراضي السورية وأن واشنطن أخبرت «قسد» بهذه المسألة وأبلغتها أيضاً بأنها ستقوم بترتيب عملية الانسحاب مع الطرف الروسي في الفترة المقبلة.
وكانت وكالات انباء ومواقع إخبارية كردية قد كشفت عن زيارة إلى دمشق قامت بها كل من إلهام أحمد، رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية، وإبراهيم القفطان رئيس حزب سوريا المستقبل، للقاء مسؤولين أمنيين هناك، وذكر موقع «باسنيوز» أن هاتين الشخصيتين ناقشتا الملفات الأمنية إضافة إلى موضوع الرقة ودير الزور مع المسؤولين الأمنيين بدمشق.
قيادات سياسية وعسكرية
ويضم الوفد الذي وصل الخميس الى دمشق قيادات سياسية وعسكرية برئاسة الهام أحمد، الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطية. وأكد العضو الكردي في مجلس الشعب السوري عمر أوسي لوكالة فرانس برس عبر الهاتف من دمشق ان المحادثات «هي الأولى العلنية مع حكومة دمشق».
بعد عقود من التهميش، تصاعد نفوذ الأكراد في سوريا مع انسحاب قوات النظام تدريجياً من مناطقها في العام 2012، ليعلنوا لاحقاً الإدارة الذاتية ثم النظام الفدرالي قبل نحو عامين في «روج أفا» (غرب كردستان) ويضم الجزيرة (محافظة الحسكة)، والفرات (شمال وسط، تضم أجزاء من محافظة حلب وأخرى من محافظة الرقة)، وعفرين (شمال غرب) التي باتت منذ أشهر تحت سيطرة قوات تركية وفصائل سورية موالية لها. وبقيت المواجهات العسكرية على الارض بين قوات النظام والمقاتلين الاكراد نادرة، الا ان دمشق ترفض بالمطلق الادارة الذاتية، وتصر على استرداد كافة مناطق البلاد بما فيها مناطق الأكراد.
ويأخذ النظام على المقاتلين الأكراد تحالفهم مع واشنطن، التي قدمت لهم عبر التحالف الدولي غطاء جوياً لعملياتهم العسكرية ضد تنظيم الدولة الاسلامية ودعمتهم بالتدريب والسلاح ونشر مستشارين على الارض. واذا كانت واشنطن دعمت الاكراد في كل معاركهم ضد تنظيم الدولة الاسلامية فتمكنوا من طرده من مساحات واسعة، لا سيما من محافظة الرقة أبرز معاقله في سوريا، فقد امتنعت عن دعمهم في مواجهتهم مع القوات التركية في عفرين المحاذية لتركيا.
أبرز مكون
وتصنف أنقرة حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب الكردي، أبرز مكون لقوات سوريا الديموقراطية، كمنظمات «ارهابية» وتعتبرهما امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرداً ضدها على أراضيها منذ عقود.
وشنت القوات التركية مع فصائل سورية موالية لها هجوماً على منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية انتهى بسيطرتها على المنطقة في آذار/مارس، في عملية دفعت عشرات الآلاف من سكان المنطقة الى النزوح منها. وبعد تهديد أنقرة مراراً بشن هجوم ضد المقاتلين الأكراد في مدينة منبج (شمال)، انسحب المقاتلون الأكراد من المدينة بناء على اتفاق أميركي تركي. وتلا هذه التطورات إعلان الأكراد استعدادهم للدخول في «محادثات من دون شروط» مع النظام. وقال أوسي إن انطلاق المحادثات الرسمية في دمشق يأتي بعدما «أدرك الاتحاد الديموقراطي الكردي ووحدات الحماية ومجلس سوريا الديموقراطية أن الأميركيين سيتخلون عنهم»، داعياً الأكراد «ألا يضعوا بيضهم في السلة الأميركية». وأعرب عن اعتقاده بأن المباحثات ستتناول «تسهيل دخول الجيش السوري الى شرق الفرات، أي المناطق ذات الغالبية الكردية (شمال وشمال شرق) وإعادة مؤسسات الدولة اليها» في مقابل «اعتراف الدستور المقبل بالمكون الكردي.. ومنحه حقوقه الثقافية». وفي مقابل تخلي أكراد الشمال عن «الاجندات الخارجية والحكم الذاتي» وفق أوسي، فإن «الحل الامثل سيكون بتطوير قانون الادارة المحلية» من أجل تفعيل الادارات المحلية في اطار اللامركزية الادارية. وبحسب درار، ستركز المباحثات بالدرجة الأولى على «الجانب الخدمي في مناطق الشمال السوري، على أن تتم مناقشة الوضع السياسي والعسكري تبعاً لمجريات المحادثات».
كامل صقر ووكالات