«ابني يشك في كل من حوله… دائما يتحدث عن الذات الإلهية بوصفها شخصية كرتونية، وحين أحاول إقناعه يأبى التجاوب، ويدلل على ما يقوله بمسلسلات كارتونية»… هذه إحدى الشهادات، التي سمعتها من أحد الآباء، الذين يعانون من انسلاخ ابنائهم عن عائلتهم عقائديا وذهنيا، وهو ليس الوحيد، الذي يرى في البرامج التلفزيونية الخاصة بالأطفال تهديدا حقيقيا على نموهم الفكري وتطور الفلسفة الأخلاقية لديهم، لا بل هي إدمان رؤيوي وليس مرئيا فقط، على التأمل المسير وليس المخير لأسرار الغيب والملكوت، وهنا تكمن الطامة!
يعتبر الباحثون حول العالم أن مسلسل «عائلة سمبسون» من أخطر الأعمال الكارتونية على بناء الأجيال، لما يحتويه من أفكار سامة وتهيئة عاطفية وروحية وذهنية لتلقي ما سيكون، باستعداد تام وتقبل مريح، دون أي استهجان أو رفض مسبق للطرح، بحيث يغدو الغريب متعارفا عليه، والشاذ قاعدة، والمحرمات موضة عصرية، والديانات أثرا رجعيا، فهل نحن متخلفون أم متطفلون على العصر؟
آثار نحت الأدمغة في الإعلام
في كل ثانية يمر أمام عيني طفلك ما بين 16-32 صورة لتكوين حركة واحدة فقط، عبر تقنية التسريع الآلية، فهل لك أن تتخيل الأثر الصحي الناجم على العين وحدها، إثر متابعة هذه المسلسلات لمدة تزيد عن ساعتين يوميا؟
هناك لا شك آثار صحية ونفسية خطيرة تؤثر على تكوين الطفل، ومشاعره، وتحرف وجدانياته عن جوهرها الإنساني بما يخالف الطبيعة والفطرة البشرية، ولكن مسألة زعزعة العقائد تبرهن ما قاله أحد الناشطين الأمريكيين في ندور تلفزيونية عن العمالة المطيعة، والتي تقتضي توفير كل أساليب المغنطة التجارية عبر الإعلام والمشاهير والبرامج الجاذبة، من أجل غسل الأدمغة وضمان سهولة التحكم بالوعي عن بعد، وإن نظرت إلى أسواقنا ومنتوجاتنا وأزيائنا وكتبنا ودور الألعاب والترفيه، والمطاعم، والمكتبات، والملاهي، والأقسام الخاصة بالأطفال في المستشفيات والمقاهي وحتى بعض دور العبادة، تجد أنهم يرضخون على مدار الساعة لعمليات اختطاف مكثفة، ذهنيا وبصريا واجتماعيا، ما يبرهن أن أبناءك لا يعيشون معك سوى بأجساهم، أما مخيلتهم وأفكارهم وعواطفهم وقلوبهم فهي ليست لك ولا هي لهم، والأمر لا يتعلق بهم وحدهم، بل بك أنت أيضا، لأنك أصبحت كائنا اسفنجيا، تمتص المعلومات والشائعات والأفكار بلا إرادة، وتتفاعل مع الرسائل الملغومة بسهولة تامة، ودون أي مقاومة ولا حتى تفكير أو تأمل حر، وهنا تحديدا تتحقق الأرباح التي تفوق التصور لملاك هذا العالم من الأثرياء والسياسيين والفضائيين والماسونيين وغيرهم!
كسر التابوهات بين الأمل والألم
«ابنتي ترى زواج المحارم، أمرا طريفا يدعو للضحك والابتهاج، وتتساءل لماذا يغدو الخوض في هذا الموضوع عيبا أو حراما» … هذه شهادة أخرى لإحدى الأمهات التي تعاني من ظاهرة كسر التابوهات إلى الحد الذي يصبح فيه الحديث عن أقدس الأمور اعتياديا، بل مبتذلا متجاوزا لكل حد!
مرارات كثيرة، وأعراض خطيرة لمشاكل حساسة وخفية، لا يسمح للإعلام بعرضها أو بطرحها للنقاش، لما قد تثيره من فضائح اجتماعية وعائلية، لا يتهاون المجتمع معها ولا يسمح بكشفها، فثقافة الإخفاء، والتستر على العار، أهم بكثير من الحفاظ على الشرف، في عالم الغاب، الذي لا تحكمه الفضيلة ولا القوانين ولا الأخلاق الحميدة ولا حقوق الإنسان والطفل والمرأة، فكلها زخرفات كاذبة، وذاكرة زائفة، لهذا الكوكب الذي يعج بالأبالسة والقتلة والطغاة وذئاب البحر المتوحشة، والشبكات العنكبوتية القذرة، والمواقع الالكترونية الخطرة، والمصائد الغوائية التي تسلب الألباب وتعطل الإرادة، فمن الذي يتحكم بكل هذا؟ هل أنت الضحية أيها العربي أم الشريك؟ وهل تشفع الغفلة لصاحبها أم تدينه؟
علة العرب أنهم ارتكبوا أخطاء غيرهم بأنفسهم، ولم يتركوا لأصحابها فرصة لارتكابها! وهو ما يشبه تسوس الذكاء كما رآه فكتور هوغو، فإن كنا أمة تقمع وعيها لكي لا تشقى بذكائها، فإن الغباء لن يخجل من أحد سوانا!
مخيلة آخر الليل!
هل تدري عزيزي المشاهد أن عمر مسلسل «باباي» يتجاوز السعبين عاما، بينما يحتفل «توم وجيري» بعيدهما الستين، و»عالم ديزني»، الذي يعد الأشهر على مستوى العالم، يقارب عمره المئة عام، وكلها علامات ترثها الأجيال أبا عن جد، وتكاد الذاكرة الجمعية للأزمنة تلتقي وتتوحد بها وعندها، وهي منتجات ترويجية لم تكن لتصل إلى هنا، لو لم تجد مستهلكين لا يمكن للجريمة أن تكتمل بدونهم! ولكي يكون النحت الدماغي للأفكار أكثر فعالية، قامت قناة «ديزني» بتقسيم أوقات البث حسب الشرائح العمرية على النحو التالي:
الفترة الصباحية: البرامج العائلية المخصصة لمرحلة ما قبل المدرسة أو المرحلة التحضيريه لها.
فترة ما قبل الغروب: برامج الترفيه والجذب الكرتوني الخاصة بما قبل مرحلة المراهقة.
فترة آخر الليل: الكلاسيكيات الكرتونية لمرحلة الشباب.
وهذا هو الاستحواذ التام على التأمل والتخيل، والاختطاف البصري والعقلي بما يتاح من مؤثرات مرئية تتجاوز ما تلتقطه عدسة العين، إلى ما تتخيله الذاكرة المختزنة، وتطوره، في ذهن متحفز إلى ماوراء الصورة!
كل هذا مع تقادم الزمن يرسخ في الذاكرة الجمعية على هيئة أمراض فكرية، غير ناجمة عن ضعف قوة الأمة، بقدر ما هي خلل في البصيرة وتشوه في الذاكرة وتناقض في مهارتي الاكتساب والوراثة الثقافيين، وهنا تحديدا تصاب الهمم بالشلل لتركن إلى الكسل المعرفي والتأملي، وتكتفي بالنطنطة فوق حبال الجحيم في الملاهي الفضائية، وتجنح إلى الانبهار بالإبهار، فتتسطح قيمها، وتتفسخ روابطها الاجتماعية والحضارية بالموروث والمعاصر في آن، وتنزلق إلى الخطر الأخطر: إما القمع وتحريم الأسئلة، وإما الاستمتاع بالممنوع خفية، كمن يحاذر العقاب أكثر من معصية الارتكاب، ثم بعد كل هذا يحدثونك عن أعراف الشرق، وعاداته، وعن العيب وعن الحرام، في أمة تغطي الرؤوس وتكشف عن عورة الفانوس، صونا للعار قبل العرض، وللقبيلة قبل الطفولة، وآخ يا أمة ضحكت!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر