حين اقتلع الإنسان الأسود من قارته وألقى عليه القبض وكأنه قرد ورمى به في قارة أخرى بعيدا عن فضائه الحر، وتعرّض لكل أنواع العنف، بدأ يئن، وذلك الأنين مع الوقت تحوّل إلى ما يشبه مناجاة لطلب الخلاص، فولد «البلوز» وتحوّل شيئا فشيئا إلى نوع من الفنون الشعبية المحببة لأنها عبّرت عن مشاعر المعذبين في أرض الأحلام.
«البلوز» بدوره أنجب أنواعا أخرى من الفنون وأثرى فنونا أمريكية كثيرة منها موسيقى الجاز التي تحرّك المشاعر كلها، وتهز القلوب. ومن دون أن يعرف سامعها تاريخ تلك الموسيقى ومن أين أتت شعر أنها تترجم معاناته وتلامس مواقع الحزن القابعة في داخله. تلك المعاناة نفسها نجدها في الموّال، ومهما اختلفت نظريات نسبه إلى بلد معين فإنه ولد من رحم الحزن واختصر المرثيات التي تقال في مناسبات مؤلمة بعد فقد الأحبة.
وسواء في أمريكا أو في عالمنا العربي أو في أي بقعة أخرى من هذا العالم، فإن الأغاني الحزينة لم يقصد مؤلفوها أن تكون كذلك، وليس قائلها – كما تدعي الأجيال المعاصرة – كائن حزين وكفى، فقد كان ولا يزال الناطق الرسمي بأوجاعنا.
وأشك أن يكون أول من أطلق العنان لحنجرته بألمه يعرف أنه شاعر، المحتمل أنّه في ما بعد مُنِح ذلك اللقب الرّفيع. وفي الغالب هذا هو مقياس نجاح الشعر، إذ مهما تعلّم الشخص تقنيات الزخرفة اللفظية، وأوزان الشعر وبحوره، إلاّ أن شيئا ما يقف حاجز عثرة أمامه ليكتب شعرا يدخل قلوب الناس. الطريق إلى الجمهور يصبح صعبا متى ما بدأ الشاعر باختبار قدراته الشعرية. وقد لن يفهم أن السر ليس في تطبيق قواعد الشعر وإنّما في مخزون الشعر نفسه ونوعيته التي يجب أن تعبّر عن شيء مسكوت عنه.
وباعتبار أن مصطلح «المسكوت عنه» يطلق على كل التابوهات الجنسية والدينية والسياسية، فإن الحزن والألم وعذابات الذات تبدو خارج تلك الدائرة مع أنّها لو كانت من بين المسوحات للتعبير عنها لما خرجت متنكرة برداء الشعر.
نعم الحزن أيضا من تابوهاتنا التي يمنع التعبير عنها، لهذا حين نفتح فضائياتنا نجد كمية لا حصر لها من الفرح المصطنع الذي لا يعكس أبدا أوجاعنا، هناك إفراط في البرامج التي تحاول إضحاك النّاس في اعتقاد سلبي لجعل حجم الحزن الذي نعيشه بسبب ظروفنا أقل. هناك لامبالاة بمشاكلنا وقضايانا الكبرى والصغرى، لأننا عاجزون عن حلّها ولأننا في خضم هذه العملية التي نراوغ فيها متاعبنا تحدث التّراكمات المرضية التي تتحوّل إلى أورام تدمرنا في صمت لأننا بكل بساطة أغلقنا منافذنا الذاتية التي يخرج منها الشعر.
كمية الرّقص الفاجر التي تقدم لنا في كليبات لأغان سطحية يعتقد أصحابها أنهم يسعدوننا، ويرددون دوما المقولة المهترئة إن «الجمهور عايز كده» يقتلون فينا تلك الرغبة في البوح بما يتعبنا. أكثر من عشرين سنة ونحن ننحدر نحو حضيض لا علاقة له بما نعيشه وما نشعر به، أضواء الميديا تسلّط على خشبة مسرح لا يعنينا، ولكنّنا مع مر السنين زحفنا جميعا نحو تلك الأضواء لأن العتمة تحيط بنا من كل جانب ولأن لا شيء غيرها في الأفق، تماما كالضائع في الفلاة ولا أمل له في الخلاص غير شعلة صغيرة من نار تلوح له من بعيد.
وإلى اليوم يمكن أن نلفق لأم كلثوم مليون تهمة على أنها سبب هزائمنا العربية كلها، لكن ستظل معشوقة من جمهور يتجدد عبر السنين. ولعلّنا لم نسأل أنفسنا أبدا، لماذا ينافس الموتى في عالم الفن كل هؤلاء الأحياء الذين يستعملون كل وسائل الإغراء للوصول الجمهور؟ ولماذا ينافس الأبيض والأسود بهرج الألوان المعاصر بكل أقنعته الساحرة؟
حتى أصحاب الأصوات الجميلة والأغاني الجيدة يلجأون لراقصات لا يعرفن من الرّقص سوى هزّ المؤخرات والتلوّي الذي لا جمالية فيه، يجعلنهن خلفية لهم وكأن أداءهم لا يكفي، وهم يفعلون ذلك ظنًّا منهم أن «الجمهور عايز كده» فيما الجمهور لا يعبأ بهن، بل إن فئة كبيرة منه تعاني من التشتت وهي تتابع تلك الفيديوهات المليئة بالمتناقضات.
وفي تجربة مضحكة فعلا يمكن تخفيض الصوت ومتابعة أي كليب راقص لرؤية السخافات التي تحشر مع أغنية مصورة، هذا لا يعرفه المطربون في الغالب إلاّ قلة منهم وهم أولئك الذين يرفضون أن يغنوا إلا على المسرح أمام جمهور ينصت لهم حين يجب الإنصات ويرقص معهم حين يجب الرقص. هذه حال كل الفنون، وحال الشعر تحديدا حتى إن كان الكلام عن الأغنية المصورة.
لا يمكن أن نتعلّم الشعر في ورشة كتابة، لا يمكن أن نكتب الشعر كيفما كان لأننا نتقن عشر لغات مثلا، لا يمكن أن ينبثق الشعر من أعماق قلوبنا إن كنا ننتمي لأمم تسخر من الشعر وتعتبره وليد النفوس المريضة، ولا يمكن أن نحوّل الشعر إلى استعراض مناسباتي… يطرق بمطارق ثقيلة خلال الأيام العادية ويُفَصّل حسب الطلب في تلك المناسبات.
إن لم يولد الشعر تلقائيا من قلب مآسينا ومواجعنا وأحلامنا الحقيقية فلا داعي لأن نلفق للشعر تهمة سيئة كالتي تصدر في هيئة مجموعات شعرية لا علاقة لها بالشعر لا من قريب ولا من بعيد، وهي مجموعات «راكدة» إن صح التعبير ليست أكثر من نصوص تحمل صورا متقاطعة من الحياة لكنها خاوية تماما من أي نبض.
لقد طرحت السؤال على نفسي لماذا يتبادل أبناء هذا الجيل مقولات وأشعارَ للشاعر إبراهيم ناجي مثلا الذي لم يعش أكثر من 55 سنة، وغادرنا منذ 63 سنة، ولا يعرفون شاعرا معاصرا من الحي الذي يقطنون فيه؟
أليس غريبا أيضا أن يحفظ ابن العشرين سنة أبياتا من الشعر الجاهلي ويرددها استشهادا على كلامه فيما يغيب عنه بيت واحد لأحد الشعراء المعاصرين؟
إن قلنا إنها مسألة ميديا والتقصير منا جميعا فهذا مبرر أقبح من عذر، وإن قلنا إن ما قيل منذ سنوات أو منذ قرون أقرب إلينا مما يقال اليوم فهذا يثير الكثير من الطعن في نوعية الشعر الذي ننتجه، والسؤال هنا أين الإنسان في الشعر المعاصر؟ هل أصبح الشعر لعبة لغوية ميتة، تماما كالمواد الإعلامية الميتة التي تسد الثغرات ويمكن تمريرها عند غياب المواد الجادة الآنية؟ أم أنها سياسة تكميم الأفواه والشعر بحاجة لفضاء أوسع للتعبير؟ وإن توقفنا عند هذا السؤال الأخير علينا أن نسأل هل وضع الحريات عندنا مأساوي أكثر من وضع الزنوج الذين استعبدهم بيض أمريكا؟ فقد انبثق الشعر عندهم من عقر المجمعات المتعفنة التي حبسوا داخلها، وقد أقر الدارسون والأكاديميون والجمهور القارئ أن الشعر شق للزنوج طريق الحرية، وهذا دور الشعر عموما في القضايا الكبرى، وليس خافيا على أحد أن الشعر في حروب العرب كان الحربة الأولى التي ترمى في وجه العدو…
أين دور الشعر اليوم؟
إن لم يكن قياديا لصنع وعي الشعوب متخذا مقدمة الفنون في مسيرته فما هو البديل الذي يمكنه القيام بهذا الدور؟ إن أجابني أحدكم أن التعليم هو البديل فلنتذكر معا أن القصائد المغناة كانت ولا تزال أول مدرسة لنا، فيجب ألا ننسى أننا كنا أطفالا، ويجب ألا نسخر من تلك الكائنات الحزينة التي كتبت لنا تلك القصائد.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب