كابوس ليلة صيف… إسطنبول تنقذ ابنها المدلل

أردوغان التركي يختلف كثيراً عن أردوغان العربي.. فبالنسبة لتركيا يبقى عمدة اسطنبول السابق رجلاً صاحب إنجازات ملموسة نقلت المدينة الأهم في تركيا للعصر الحديث.
فأسطنبول التي تعد مقصداً سياحياً مرموقاً على مستوى العالم لم تكن كذلك قبل عشرين عاماً، واسطنبول التي تتزعم حركة الثقافة والفكر في الشرق الأوسط لم تكن دائماً مدينة منفتحة وواثقة من ذاتها، فكانت اسطنبول في الثمانينيات من القرن الماضي نموذجاً للمدينة الكئيبة المثيرة للشفقة، كما وصفها الروائي الإسباني أنطونيو جالا في روايته «الوله التركي»، صدرت الرواية سنة 1993 وتولى أردوغان منصب عمدة المدينة سنة 1994 ليغير هذه الصورة ويجعلها ماضياً لا يوجد أحد في تركيا يعتريه الحنين تجاهها.
تمكن نجم الدين أربكان الذي تزعم حزب الرفاه في ذلك الوقت من العمل على إطلاق بداية جديدة لتعريف الهوية التركية القلقة، فالواقع أن الأتراك وعلى امتداد ثمانية عقود فصلت بين انهيار العثمانيين وصعود أربكان، لم يتمكنوا إطلاقاً من استيعاب فكرة القومية الوطنية المركزية على حساب الأمة الممتدة المتعددة العرقيات، ولم تكن الأتاتوركية والعلمانية سوى محددات عامة للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في تركيا، بدون أن تكون بالضرورة أرضية أو بيئة لنشوء هوية تركية جديدة، ذلك أن تراثاً من ثقافات آسيا الوسطى والتصوف والعامل الديني السني الذي تغذى في تطوره من الصراع الطويل مع الصفويين في إيران لم تكن أموراً من السهل مواجهتها واجتثاثها، والتركي الذي وجد نفسه منفصلاً عن تراثه بالكامل الذي جرت كتابته على امتداد قرون بالحروف العربية، انتظر طويلاً تسوية مقبولة توازن بين طموحه الحداثي ذي الصبغة العلمانية والطموح الأوروبي وبين جذوره الحضارية التي تجذرت عبر تقاليد تسيدت المجتمع على امتداد قرون من الزمن.
هذه الحالة الفصامية التي وجدت تركيا نفسها على بداية الخروج منها مع تجربة حزب الرفاه وورثته في حزب العدالة والتنمية ما زالت قائمة إلى حد بعيد، وفي موقف شخصي، ويحدث كثيراً مع زوار عرب آخرين، كنت أقرأ الحروف العربية على سبيل للمياه بالقرب من ميدان تقسيم، بينما كان أحد الشباب التركي يعيد ترجمة ما أقرأه للإنكليزية، فهو لا يستطيع قراءة التركية العثمانية بالخط العربي، ولذلك فإن الطلب من أمة فقدت هويتها تحت وطأة حركة تغيير جذري هابطة من النخبة إلى القاعدة الشعبية أن تستطيع أن تلعب دوراً إقليمياً قيادياً كان أحد المشكلات القائمة، التي لم يتقن أردوغان التعامل معها في السنوات الماضية، وفي خلال سنوات قليلة تحول أردوغان من شخصية كاريزمية في الأوساط العربية إلى خصم لدود، خاصة لدى القوميين العرب من أصحاب الهوية التي يعتقدون أنها مستقرة ومتجذرة.
مساء الجمعة الخامس عشر من يوليو، ولوقت وجيز، بدا أن أردوغان تحول إلى جزء من التاريخ، كانت رسالته التي وجهها عبر أحد أدوات التواصل الاجتماعي، الذي ناصبه العداء طويلاً، من علامات اليأس، وظهرت لوهلة من الزمن وكأنها السطر الأخير في سيرته الذاتية، ولكن استجابة الأتراك في اسطنبول لم تتأخر، وكان قرار أردوغان بمتابعة الوضع في المدينة القنطرة بين آسيا وأوروبا وتجاهل محاولات القبض على المرافق المهمة في أنقرة العاصمة صحيحاً وفي موقعه تماماً، فالتاريخ التركي يكتب في تقسيم وليس في أي مكان آخر، وفي تقسيم ومحيط مطار أتاتورك كان الشعب التركي ينحاز لتجربته الديمقراطية، ويضع أمام أردوغان تحدياً جديداً، فالرجل وجد مواقف استثنائية في شجاعتها من خصومه السياسيين، سواء من رفاقه القدامى، مثل عبد الله غول وأحمد داوود أوغلو، أو من منافسيه في الشعبية والكاريزما مثل صلاح الدين دميرتاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي.
التحولات التركية والارتداد نحو سياسة واقعية على المستوى الخارجي، والنفس التصالحي الذي أظهرته حكومة العدالة والتنمية مؤخراً، يعد مؤشراً إلى أن أردوغان قبل غيره بدأ يدرك مدى فداحة قراراته السياسية على المستوى الخارجي في الأعوام الماضية، وأنه أدرك أن تكلفة التورط في الصراع السوري والتعنت في أحد خنادقه يستنزف تجربته السياسية، ويبدو أن لحظة الحقيقة كانت تفرض نفسها من خلال انقلاب بدا أنه منفصل عن القيادة العليا للجيش، ويعبر عن بعض الضباط من الصف الثاني، وانحاز الأتراك بنسبة كبيرة للتجربة الديمقراطية بعد أن أيقنوا أن الجيش في المقابل، وبشكل عام، كان يحصل على الفرصة بعد الأخرى لعقود من الزمن بدون أن يتمكن من تحقيق منجزات ملموسة على المستوى المحلي، وأن الحركة التي انطلقت لم تستطع أن تتواصل حتى مع الحد الأدنى من الأتراك الساخطين على سياسة أردوغان.
استولى الجيش على محطة الإذاعة والتلفزة الرئيسية بدون أن يمتلك شيئاً يمكن أن يقوله، وبدلاً من توظيف هذه الأداة الإعلامية المهمة وقف الضباط والجنود المتمردين عاجزين عن تقديم تصور محدد للأتراك، فهم يدعون للديمقراطية متناسين أن أردوغان في حضيض شعبيته تمكن أن يحسم الانتخابات الأخيرة لمصلحته، وإن يكن بالحد الأدنى الذي يمكنه من مواصلة سياسته وبرامجه الخاصة، ويبدو أن المتمردين لم يدركوا أن تركيا تجاوزت، ومعها العالم بأسره، مرحلة الإعلام الموجه، وأن نسبة المتابعين للتلفزيون الرسمي محدودة للغاية، وأن أردوغان وفريقه تمكنوا أصلاً من توظيف العديد من الأدوات لتمكين مشروعهم ومنها وسائل إعلامية تمتلك الخبرة والقدرة على المواجهة.
أردوغان سيعاني في الأسابيع المقبلة، وأكبر خصوم أردوغان سيكون هو نفسه، فإذا كان يعتقد أنه امتلك ناصية فرصة ذهبية لتفكيك الجيش في تركيا، أو تطهيره كما توصف النوايا الحكومية حالياً، فإن عليه أن يحصل على برهة من الوقت للتفكير في العواقب المحتملة لعملية إحلال كبيرة في الجيش التركي الذي يشعر حالياً بتراجع دوره التاريخي والمهيمن في تركيا، وربما يبدو من الضروري أن يتفهم أردوغان الدوافع التي وقفت وراء مغامرة التمرد التي واجهها، وأن يعرف أن انفضاض حلفاء رئيسيين ومؤثرين من حوله كان عاملاً يدفع المتمردين لاتخاذ قرارهم بالاستيلاء على السلطة، وبقيت مشكلتهم في ردة الفعل الشعبية التي تحركت خلال ساعات وتمكنت من أن تحسم الموقف وأن تتحدى حظر التجول الذي فرضه المتمردون.
الانقلاب التركي كان يمكن أن يسهم في تغيير المشهد القائم في المنطقة، ولكن ذلك لم يكن بالضرورة ليعــيد ترتيبه في مصلحة الخــروج من المشـــكلة السورية، وربما كان يستــدعي العــــودة للمربع الأول بخصوص التحالفات القائمة ومــواجهة ســـلوك من الصــعب توقعه، خاصة مع الأمريكيين والأوروبيين، ويجب ألا يتناسى أحد أن التدخل التركي بصورة متصاعدة في مشكلات المنطقة كان يندفع أيضاً بسلبية أمريكية وأوروبية جعلت الأمور تصل إلى مرحلة متقدمة من خلط الأوراق والغموض كان من شأن نجاح التمرد في تركيا أن يحوله إلى متاهة مظلمة من الاحتمالات متأهبة لتبتلع أي حلول يمكن أنها بدأت تنضج في غير مكان حول العالم، استيقظ الأتراك من الكابوس بسرعة، وحصل أردوغان على إشارة مهمة يجب أن يتفهمها بدون أن يعتبرها بالضرورة فرصة لاستكمال برنامجه في الانتقال من الأتاتوركية إلى الأردوغانية.

٭ كاتب أردني

كابوس ليلة صيف… إسطنبول تنقذ ابنها المدلل

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية