مدريد – «القدس العربي»: تعيش إسبانيا اليوم، الأحد 9 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، منعطفا تاريخيا من خلال تصميم حكومةالحكم الذاتي في كتالونيا على إجراء استفتاء شعبي لتقرير المصير من أجل الاستقلال،وقرار الدولة الإسبانية منع هذا الاستفتاء تحت ذريعة عدم قانونيته. ويمتدالملف الكتالوني إلى خارج الحدود ويلقي اهتماما كبيرا في الاتحاد الأوروبيوخاصة دول الجوار ومنها المغرب الذي يراقب باهتمام كبير التطورات لانعكاساتهالمباشرة وغير المباشرة عليه.
وكانت حكومة الحكم الذاتي قد أعلنت عن إجراء استفتاء تقرير المصير بشكله الكلاسيكي المتعارف عليه. وأمام رفض المحكمة الدستورية للقرار الشهر الماضي راهنت هذهالحكومة بزعامة أرثور ماس على استفتاء بديل وهو استفتاء شعبي لا يعتمد علىاللوائح الانتخابية الرسمية بل على صناديق اقتراع في مختلف مدن وقرى كتالونيا،حيث سيتقدم المواطنون للتصويت وتسجيل أنفسهم في لوائح غير رسمية.
وتطالب الحكومة المركزية بتراجع حكومة الحكم الذاتي عن هذا الاستفتاء رغم الطابع الشعبي وليس الرسمي، فهي تدرك أن هذا الاستفتاء سيشارك فيه أغلب الكتالونيين،وستكون نتيجته تأييد الاستقلال عن إسبانيا وإنشاء جمهورية جديدة، وبالتاليسيكون للقوميين الكتالان شبه قاعدة قانونية وشرعية سياسية لإعلان الانفصال فيأي وقت. وتذهب أحزاب سياسية مثل الحزب الجمهوري الكتالوني الأكثر شعبية في هذاالمنحى بفرض واقع جديد، أي إعلان الاستقلال دون مفاوضات مع الحكومة المركزيةفي مدريد أو التفاهم معها في هذا الشأن.
ويعتبر استفتاء اليوم منعطفا تاريخيا في إسبانيا، فهو الحدث الأكبر في إسبانيا منذ بداية القرن الواحد والعشرين بجانب التفجيرات الإرهابية 11 مارس/آذار فيمدريد سنة 2004. وفي الوقت ذاته، يعتبر الحدث الأبرز بعد الانتقال الديمقراطيالذي شهدته إسبانيا ما بين سنتي 1975، تاريخ رحيل الجنرال فرانسيسكو فرانكو 1982، تاريخ وصول اليسار الممثل في الحزب الاشتراكي بزعامة فيلبي غونثالث إلىرئاسة الحكومة.
ويأتي الاستفتاء في وقت تمر فيه إسبانيا بأسوأ مراحلها السياسية خلال العقود الأخيرة، فقد ارتفعت الدعاوى والنداءات القومية الإقليمية في مناطق مثل بلد الباسك وكتالونيا
وغاليسيا التي ترغب في إعادة العلاقات القانونية مع المركز، مدريد، نحو الاستقلال.
وتشهد إسبانيا أسوأ أزمة اقتصادية تعاني منها خلال العقود الأخيرة جعلت البطالة ترتفع إلى مستوى 25٪، وتزامن هذا مع ارتفاع معدلات الفساد المالي – السياسي بشكل لم يسبق له مثيل، حيث تراجعت مصداقية معظم المؤسسات في أعين الرأيالعام الإسباني وعلى رأسها المؤسسة الملكية والأحزاب. ورغم ذهاب الملك خوان كارلوس وتولي ابنه الذي أصبح فيلبي السادس والذي لا يلعب أي دور في تعزيز الوحدةالوطنية.
ومن نتائج الفساد المالي – السياسي ظهور قوة سياسية جديدة وهي حزب «بوديموس» ذوالتوجه اليساري الراديكالي الذي يتصدر استطلاعات الرأي رغم أنه حديث التأسيسولا يتردد في تأييد مطالب كتالونيا بالاستقلال.
عوامل قوة كتالونيا
وتنطلق حكومة الحكم الذاتي في كتالونيا بشأن مطلب الاستقلال من موقف متينوصلب أو ما يطلق عليه «موقف قوة» في السياسة لأسباب متعددة وهي:
في المقام الأول: ضمنت حكومة كتالونيا تأييد أغلبية الشعب الكتالوني للاستقلالوتقرير المصير. وكشف آخر استطلاع أجري الأسبوع الماضي أن النسبة تصل إلى 50٪، بينما معارضة الاستقلال تصل فقط إلى 17٪، والباقي يرغب في دولة داخل دولةأو شكل قانوني آخر. وبهذا يكون حوالي75٪ يرغبون في تغيير الارتباط القانونيبمدريد. وشهدت مدن كتالونيا وعلى رأسها برشلونة تظاهرات ضخمة وتاريخية لصالح الاستقلال كان آخرها يوم 11 سبتمبر/ايلول الماضي.
في المقام الثاني: ضمنت مصادقة البرلمان الكتالوني بالأغلبية المطلقة على مختلف حلقات مسلسل الاستقلال عن إسبانيا.
في المقام الثالث: نجحت في الحصول على تأييد 911 بلدية من أصل 947 من بلديات كتالونيا للاستقلال علما أن البلديات تمثل الشرعية الشعبية بحكم قربها منمشاكل المواطنين.
وفي المقام الثالث: تعيب حكومة الحكم الذاتي على الحكومة المركزية في مدريدبرئاسة ماريانو راخوي عدم تشبعها بالروح الديمقراطية على شاكلة حكومة لندنالتي رخصت باستفتاء تقرير المصير في سكتلندا يوم 18 سبتمبر/ايلول الماضي، وهوالاستفتاء الذي انتهى لصالح الوحدة.
وهناك قلق حقيقي في دوائر الدولة الإسبانية ومؤسساتها مثل الجيش جراء المسلسل الكتالوني. ويشكل انفصال كتالونيا، لو تم، ضربة قوية للدولة الإسبانية كلل اقتصاديا، يعني فقدان إسبانيا لأكثر من 20٪ من دخلها القومي، وهو ماسيجعلها تتراجع في سلم ترتيب الدول اقتصاديا على المستوى العالمي. واجتماعيا،ستفقد إسبانيا قرابة ثمانية ملايين من مواطنيها. وثقافيا، سيؤدي انفصال كتالونيا إلى تصاعد روح العداء بين الإقليم وباقي سكان إسبانيا، وهو عداء يتبلورويتعاظم مع مرور الوقت. وجغرافيا، ستفقد إسبانيا 7٪ من مساحتها بما في ذلكأكثر من 500 كلم من السواحل.
تدويل القضية الكتالونية
وتتجاوز القضية الكتالونية الحدود الإسبانية إلى الساحة الدولية حيث تراقب دول الاتحاد الأوروبي باهتمام كبير تطورات هذا الملف وكذلك دول الجوار ومنهاالمغرب.
الاتحاد الأوروبي يبدي قلقا كبيرا تجاه الملف الكتالوني لأنهيدرك أن غالبية السكان تميل إلى الاستقلال عكس حالة سكتلندا. وبالتالي، سيكون عليه مواجهة تحديات ظهور دول صغرى وسط الاتحاد خلال السنوات المقبلة.
وتدرك إسبانيا أن دول الجوار ترحب باستقلال كتالونيا. ففرنسا تبدي نوعا من القلق من تزايد قوة إسبانيا ومنافستها. ومن هنا فإن منطقة المغرب العربي بل وكذلك وسط الاتحاد الأوروبي كما حدث إبان حقبة رئاسة خوسي ماريا أثنار، وكل ضعف ستعاني منه إسبانيا سيكون في صالح فرنسا.
ولترحيب نفسه قائم في البرتغال التي لا تثق في جارتها في شبه الجزيرة الإيبيرية إسبانيا، وهناك تيارات من اليمين القومي المحافظ في البرتغال تبدي دعما قويا لانفصال كتالونيا.
ويمتد التأثير إلى الجار الجنوبي المغرب. والملف الكتالوني هو سلاح ذو حدين للرباط. فالاستقلال سيزيد الضغط عليه في ملف الصحراء الغربية بسبب مبدأ تحقق استفتاء تقرير المصير. وإدراكا منه لهذا، فقد نصح المغرب جاليته المغربيةالمقيمة في كتالونيا بعدم التورط في دعم استفتاء تقرير المصير، ولكن رغم هذهالنصيحة هناك بعض الجمعيات تؤيد علانية استقلال كتالونيا. وفي الوقت ذاته سيعزز استقلال كتالونيا من مطالب المغرب باستعادة مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
قد تحدث تطورات متعددة اليوم الأحد 9 نوفمبر/تشرين الثاني، ولكن المعطى الرئيسي والواضح هو دخول إسبانيا مرحلة جديدة بين إقليم يرغب في الاستقلال وبين دولةمركزية ترى في خسارة إقليم ضعفا لها في الساحة الدولية.
حسين مجدوبي