للوهلة الأولى وفي الحدود الدنيا من التشخيص البسيط، ثمة في إقليم كردستان العراق أزمة دستورية، خلاصتها واضحة العناصر، جلية الحلول: القوانين الراهنة المعمول بها في الإقليم، والتي تستند إلى نصوص شبه دستورية، وإلى توافق بين الأحزاب، لا تتيح إعادة انتخاب مسعود بارزاني، رئيس الإقليم وزعيم «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، لولاية ثالثة (بعد ولاية أولى، سنة 2005، عن طريق الانتخاب داخل البرلمان؛ ثمّ ولاية ثانية، سنة 2009، عن طريق الانتخاب المباشر؛ والتمديد له لمدة سنتين، بعد تعذر التوافق بين الحزبين الرئيسيين على تنظيم استفتاء شعبي حول مشروع الدستور الجديد). منطقي، والحال هذه، اللجوء إلى عرف، تسنده قوانين مرعية بدورها، يقضي بأن يتولى رئيس البرلمان، يوسف محمد، رئاسة الإقليم لمدة 60 يوماً، حتى يتمّ التوصل إلى حلّ.
المأزق، في مقابل هذا التشخيص البسيط، يطرح سلسلة عناصر متشابكة، كفيلة بتعقيد الوضع، وربما تسخين الخلاف لكي ينقلب إلى مواجهات على الأرض، تستولد المزيد من العناصر المعقدة، التي لم تعد تتصل بفكّ الاشتباك الدستوري، بقدر ما ترسم ملامح «ربيع كردي» في الإقليم. فكيف يمكن أن يحكم رئيس البرلمان، حتى بالنيابة ومؤقتاً، إذا كانت السلطات (التابعة، غالباً، للديمقراطي الكردستاني) قد منعته من دخول مدينة كبرى مركزية مثل أربيل؟ وكيف يُستأنف التوافق، إذا شمل التحريم أربعة وزراء من «حركة التغيير»، ثاني أحزاب الإقليم من حيث التمثيل في البرلمان؟ وكيف، وقد انقلب التنافس التاريخي بين الديمقراطي الكردستاني و»الاتحاد الوطني الكردستاني»، حزب جلال طالباني، إلى طراز من المناورات الخفية مع «حركة التغيير»، لا تهدف في نهاية المطاف إلا إلى إضعاف الخصمين معاً؟ وكيف، أخيراً، إذا استقرّ المنفذ إلى أيّ حلّ عملي في يد الأحزاب الإسلامية الوسيطة، وعلى رأسها «الاتحاد الإسلامي الكردستاني»؟
الناس في شوارع الإقليم تظاهرت، مراراً، لكي تحصل على حقّ بسيط مبدئي، هو استلام رواتب تأخرت أربعة أشهر (في إقليم غنيّ بالنفط والاستثمارات، ولا يصحّ بالتالي أن يعيق صرف الرواتب فيه أنّ السلطة المركزية في بغداد تقاعست عن سداد مستحقات محلية). وليس معيباً، فضلاً عن أنه سلوك تلقائي، أن تتطور مظاهرة مطلبية صرفة، إلى أخرى سياسية تطالب بإصلاح المؤسسات، وبتطبيق النصوص الدستورية بما يتيح التبادل السلمي للسلطة، ومحاربة الفساد؛ وأن يكون أي حزب سياسي وراء هذا التطوّر تحديداً، المعيب، في المقابل، والكارثي أيضاً، أن يُطلق الرصاص على المتظاهرين، فيسقط قتيلان حتى الساعة. والمعيب، أيضاً، أن يجري التذرّع بمحاربة «داعش»، لكمّ الأفواه وتجميد الاستحقاقات السياسية، والإصلاحات الضرورية، إلى أجل غير مسمى.
أمّا المفارقة، المحزنة بقدر ما هي وليدة الواقعية الباردة، فإنها تتلخص في هذه المعادلة: إمّا القبول بالتمديد لرئاسة بارزاني، على أي نحو، ودون الاستناد إلى أيّ نصّ دستوري، ريثما تُتاح فرصة تعديل الدستور؛ أو مجابهة حال من صراع الأحزاب، قد يتطور إلى مواجهات مسلحة دامية تذكّر بالماضي غير البعيد، فتعيد إنتاج موجة جديدة من الارتهانات والاستقطابات الإقليمية القاتلة. الضحية الأولى سوف تكون تلك الوعود الخلابة، حول الحرية والعدالة والرخاء والديمقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان… التي أطلقها بارزاني وطالباني سنة 1991، في اجتماع كويسنجق الشهير؛ وتتبناها اليوم، بقوّة، «حركة التغيير»، التي انطلقت منها أصلاً، وعليها تقتات أساساً. وسيكون حكم المفرد، حتى بصيغة جمع مقنّعة، بمثابة خيانة لآمال الجماهير الكردية، وانزلاق نحو مجهول تكتنفه منظومة مآزق، لن تُبقي على الكثير مما ضحى كرد العراق، خلال عقود، لحيازته وتكريسه.
صبحي حديدي