كردستان والاستفتاء على مشارف الخريف

تضخمت أزمة رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، وأصبح ضرورياً أن يهرب إلى الأمام، وأن يحول مأزقه الشخصي إلى قضية وطنية، أو أن يصطنع مشكلة عابرة لحدوده، ليحول نفسه إلى جزء من الحل، والأزمة تحمل اسم الاستفتاء المقبل على استقلال الإقليم، الذي لا يمكن للأكراد إلا أن يرفعوا أمامه كلمة (نعم).
ومثل أي شعب يقوم على اقتران النزعة القومية مع الإحساس بالظلم، لن يفكر الأكراد في تفاصيل التوقيت، أو الإسئلة التي ستطرح نفسها بصورة فورية بعد إعلان نتائج الاستفتاء، في حال حدوثه على مشارف فصل الخريف.
غادر الإقليم الكردي منطقة الاسترخاء والإنجازات السهلة، التي ترافقت مع ارتفاع أسعار البترول لقرابة العقد من الزمن، بعد سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، واليوم يختلف مشهد الإقليم جذرياً، فالفورة الاقتصادية تراجعت وأظهرت عيوباً جوهرية تمثلت في عجز تجاري مخيف، تفاقمت مؤشراته مع النهم الاستهلاكي الذي أظهره الإقليم في السنوات الأخيرة.
خيمت أزمة التأخر والتذبذب في دفع الرواتب لموظفي كردستان العراق السنة الماضية، وظهرت الحكومة في حالة تخبط نتيجة الحسابات الخاطئة، التي جعلتها تقوم بتصدير النفط مباشرة، لتخسر في المقابل دعم الحكومة المركزية في العراق، ولم يكن ذلك بعيداً عن ردة الفعل المخيبة لقوات البيشمركة الكردية في مواجهة تهديدات تنظيم «داعش»، التي جعلته يظهر كقوات رسمية مترهلة، بعد أن ارتبطت سمعته طويلاً ببطولات قتالية تقوم على عقيدة ثورية متوطدة تستلهم حلماً قومياً مشروعاً.
بارزاني اليوم شخص مختلف، لا توجد مبررات أو أعذار، صورته البطولية تراجعت لتختزل في مجرد ديكتاتور شرقي يتشبث بالسلطة، ويعض عليها بالنواجذ، وحتى خطاباته الإنشائية التي تحدثت عن احتمالات مواجهة مسلحة مع القوات العراقية لم تعد تمتلك النكهة القديمة نفسها، والحلفاء يكادون ينحصرون في اسرائيل، بما يجعله يسرق حلم كردستان الكبرى ليحوله إلى مجرد جيب لا يختلف في دوره أو حجمه عن إرتيريا في القرن الإفريقي.
العراق يعيش أزمة وجودية، والتصرفات الكردية لم تكن مستبعدة على الإطلاق، وربما ضمن أعضاء مجلس النواب العراقي، الذي أصرت أغلبيته على عدم مشروعية الاستفتاء المزمع، من يرون في الاستفتاء الخطوة الأولى من أجل أن يطلقوا رصاصة الرحمة على عراق القرن العشرين، وأن يعيدوا الكرة ليكون الهلال الخصيب من جديد أرضاً لرياح التغيرات المجنونة والتراجيدية مثل منطقة القوقاز، بثلوجها الساخنة بالضغائن والأحقاد، أو البلقان التائه بجراحه العرقية والطائفية.
يستحق الأكراد وطناً قومياً طالما أن الدول التي يمتد خلالها إقليمهم الجغرافي تدعي من الأساس استنادها إلى أرضيات قومية، فالعراق وتركيا وايران دول غارقة في نماذج قومية مغلقة، وغارقة في أوهام النقاء والتفرد، وبين العراق الذي تتقاطع مصائره وأقداره مع الحلم العربي في أقصى تجلياته القومية، وبين الفرس الذين يعتبرون العراق جزءاً أصيلاً من وجودهم التاريخي الحضاري، تعيش كردستان جزءاً من أزمة هوية، تحول دون اندماج الأكراد في العراق أو ايران. أما الأزمة مع تركيا الطورانية فهي أزمة وجود، ففي لحظة ما، سيكون وجود كردستان مناقضاً لوجود تركيا، فعلى أنقاض الإمبراطورية العثمانية، لملمت تركيا الحديثة بعضاً من الأرض حول الأناضول ووضعتها في بوتقة قومية تركية، تعتبر الأكراد بمثابة فضيحة علنية تظهر هشاشة الكيان التركي الذي لجأ إلى اختلاق قومية طورانية ليتمكن من التخفف من الميراث الروحي للخلافة الإسلامية.
استفتاء كردستان سيخلق دولة معزولة عن العالم، ستضطر إلى البحث عن أصدقاء السوء في المجتمع الدولي، وبدأت اسرائيل اللقيطة في المنطقة تغازل كردستان، لأن نموذجها سيخلق منها دولة تطبق نموذج القلعة الحصينة ضمن وسط من الدول والشعوب المعادية، بحيث لا تبقى اسرائيل هي الجيب الوحيد في المنطقة. ولكن كردستان تختلف عن غيرها من الدول المبتسرة التي أسهمت اسرائيل في تقديمها على خريطة المنطقة وتخومها، مثل إرتيريا وجنوب السودان، فالورقة الكردية ستسهم في مزيد من الفوضى والاشتباك بين القوى الإقليمية، التي يمكن أن تشكل خطراً على اسرائيل في المدى البعيد.
تحمل التجاعيد على وجه بارزاني تاريخاً صعباً ومعقداً لرجل قضى معظم حياته في عين العاصفة، وعملياً فحافة الهاوية ليست مكاناً جديداً أو غريباً عليه، فهو رجل يعيش بقلب ميت لأنه كان يمكن أن يلقى في أي وقت مصير أي من أقاربه الكثيرين، الذين طالتهم اليد الثقيلة لنظام صدام حسين، ولذلك فلا يمكن أن يتنبأ أحد بتصرفات قائد سياسي يعيش أزمة نهاية العمر، أو التجربة أو المغامرة، حيث لا فرق لدى التاريخ بين مسيرة الحياة البيولوجية والسياسية بالنسبة لأشخاص من طراز بارزاني، ومع ذلك، فلا أحد يمكنه أن يستبعد في المقابل ألا تكون سنوات السلطة والقصور الرئاسية لم تترك آثارها أيضاً، وحولت المقاتل القديم إلى مناور يعرف فنون الابتزاز واقتناص اللحظات الحرجة وتفاصيل التقاسم والتحاصص في الغنائم.
من الصعب أن ينفصل الحديث عن مستقبل كردستان العراق بعيداً عما يجري في رأس بارزاني، تماماً كما لا يمكن الحديث عن معظم دول المنطقة من دون التورط بعمق في تفاصيل شخصية الرئيس أو الحاكم، ولذلك فإن العمل السياسي في هذه المرحلة، والخلاف الذي يعبر عنه اعتراض الأعضاء الأكراد في البرلمان العراقي على إعلان عدم دستورية أو مشروعية الاستفتاء، كلها تفاصيل في مشهد مرتبك يبقى قابلاً للحسم خارج جميع إطارات الممارسة الديمقراطية والتفكير الاستراتيجي والمسؤولية التاريخية، يبقى مرتهناً ببارزاني وتقديراته ونمطه القيادي، وللأسف مصالحه الشخصية.
لكردستان الحق في أن تكون دولة فاعلة في محيطها الإقليمي، وأن تشكل أرضاً للشعب الكردي، ولكن هذه النسخة التي يجري العمل على تدشينها في العراق، تحمل جميع شروط الدولة المرتزقة، التي تقف على مفترق العالم لاستجداء الاعتراف والدور، وستبقى دائماً مصدراً لقلق وعداء الدول المجاورة، وربما الأكراد في الدول المجاورة التي لن تنعكس عليهم جمهورية كردستان العراق بأي عائد حقيقي.
الشعب الكردي ضارب الجذور في التاريخ والجغرافيا يستحق ما هو أبعد من دويلة بارزاني، فالأمر عنده يتوقف على دولة يرتهن أداؤها ومستقبلها بأسعار النفط وبعض الأصدقاء من المارقين على الحق والعدل الذي رفعت راياته دائماً السواعد الكردية، والمطلوب هو دولة كردية كبيرة تليق بذلك الشعب وتضحياته وقدرات أبنائه، التي اندمجت طويلاً في الاسهام الإيجابي في الارتقاء بالدول، التي يتمدد على خرائطها إقليم كردستان، أو أن يعمل الأكراد بوصفهم جزءاً من نضالات شعوب هذه المنطقة، أو أعراقها ضمن هذا المنظور، لتأسيس نموذج الدولة المعاصرة العابرة للعرق والطائفة والمذهب، والمنحازة كلية للإنسان بغض النظر عما يستحوذ عليه من صفات وتصنيفات لم تكن نتاجاً لخياراته الشخصية.
كاتب أردني

كردستان والاستفتاء على مشارف الخريف

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية