كريستال فيديل كاسترو

حجم الخط
1

في أيلول (سبتمبر) 1960 وصل إلى نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ممثلاً لبلد حرّ مستقلّ، عضو في الهيئة الأممية. لكنّ أياً من فنادق نيويورك لم يقبل بإيوائه، والوفد المرافق له، بضغط خفيّ من المخابرات المركزية الأمريكية، وضغوطات علنية وهستيرية من وسائل الإعلام. وحين هدد بنصب معسكر خيام قبالة مبنى الأمم المتحدة، والإقامة فيه وكأنه ورفاقه يستأنفون حرب الغوار في الأدغال، رضخت واشنطن وسمحت لفندق «تيريزا» باستقباله.
تلك واحدة من عشرات الأقاصيص المثيرة التي اكتنفت حياة الثائر الكوبي فيديل كاسترو، وتُستعاد اليوم بمناسبة بلوغه سنّ التسعين، يوم 13 آب (أغسطس) الجاري. وحين تقاعد عن العمل السياسي، سنة 2008، كان عملياً ينحني أمام أثقال 82 سنة؛ بينها نصف قرن كامل في قيادة الثورة الكوبية، ومساندة حركات التحرّر في أمريكا اللاتينية، ومقارعة عشرة من رؤساء أمريكا (أيزنهاور، كنيدي، جونسون، نيكسون، فورد، كارتر، ريغان، بوش الأب، كلينتون، وبوش الابن)، إذا استُثني أوباما؛ فضلاً عن موقعة ملحمية أسفرت عن هزيمة نكراء للولايات المتحدة في «خليج الخنازير»، وأزمة بين الجبّارين كادت تشعل أوار الحرب العالمية الثالثة… النووية.
والحال أنّ نظام كاسترو ليس ديمقراطياً، وفق معايير الحدّ الأدنى من أيّ تعريف سليم متفق عليه لمفهوم الديمقراطية، وهو أقرب إلى دبكتاتورية الحزب الواحد والحاكم الأوحد في كلّ ما يخصّ حرّيات كبرى مثل التعبير والصحافة والتظاهر والتعددية الحزبية والقضاء المستقلّ. ولكن إذا أخذ المرء بعين الاعتبار حجم المشكلات الداخلية والخارجية التي جابهتها كوبا، فإن سجلّ النظام يترك انطباعات طيبة، ومدهشة، تحسده عليها الغالبية الساحقة من أنظمة العالم الثالث، خاصة تلك التي سُمّيت ذات يوم «ثورية» أو «تحرّرية» أو «تقدّمية».
وعلى الصعيد الإيديولوجي لم يتضح أبداً أنّ كاسترو خسر الكثير من جرّاء سقوط النظام السوفييتي أو المعسكر الاشتراكي بأسره؛ لأنّ الكاستروية، إذا صحّ هذا التعبير، كانت أصلاً حالة وسيطة بين اللينينية الرومانسية، والماوية الثقافية، والبلانكية المعقلنة، والغيفارية الثورية.
وطيلة عقود من الحصار الأمريكي الذي فرضته واشنطن، وبعض حلفائها، على الجزيرة الصغيرة؛ ظلّ الزعيم الكوبي يضحك في عبّه على مشهدين متناقضين ـ متكاملين: الرأسماليات الغربية، تتسابق على خطب ودّ الصين واختطاف ما يمكن توقيعه من عقود مع اقتصادها، الذي يتنامى مثل تنّين خرافي؛ والرأسماليات ذاتها وهي تتملص من أعباء العلاقة مع روسيا بوريس يلتسين واقتصادها، الذي يترنح مثل «موجيك» خائر القوى، ذهبت الفودكا الرديئة بعقله وجسده!
كذلك لم يكن كاسترو بحاجة إلى كثير من المهارات التكتيكية لكي ينفذ من ثغور المصالح المتضاربة بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ولقد استرخى مراراً وهو يتابع فصول الشدّ والجذب بين قرارات الكونغرس الأمريكي المتعنتة في استمرار الحصار، من جهة؛ وعقود الشركات الأوروبية الطامحة إلى الاستثمار في كوبا، من جهة ثانية. في الآن ذاته، كانت إنجازات الثورة الكوبية (محو الأمية، الإصلاح الزراعي، تطوير صناعة السكر، الثورة الثقافية…)؛ قد أعطت الكثير من أُكلها، بمعدّلات لم يكن ينتظرها أعتى خبراء البيت الأبيض والمخابرات المركزية والكونغرس. كذلك كان حجم المبادلات الكوبية مع أوروبا الغربية قد برهن على حيوية عالية، خصوصاً إذا ما قيس بما آلت إليه الاقتصادات الأخرى للدول الاشتراكية سابقاً؛ حيث جرى فرض اقتصاد السوق قسراً، بوحي العقيدة، وليس استناداً إلى أيّ منطق اقتصادي سليم.
وقبل 18 سنة قام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة «تاريخية» إلى كوبا، دفعت جيم هوغلاند، أحد ثقاة المعلّقين الأمريكيين، إلى مراهنات قصوى على ذلك الحدث المشهود، بلغت درجة التنبؤ بأنّ البابا سوف يعجّل بسقوط كاسترو. أكثر من ذلك، اختار هوغلاند ذلك التفاؤل الذي لا يمكن أن توفّره إلا أبراج التنجيم، فاعتبر أنّ الحدث أفضل ما يمكن أن تقدمه كرة الكريستال السحرية إلى أولئك الحالمين بسنة جديدة معطاءة! البعض، من خصوم كوبا وأصدقائها على حدّ سواء، رأوا أنّ العكس قد يكون الصحيح، لأنّ الزيارة يمكن أن تنقلب إلى مسمار جديد يُدقّ في نعش الحصار الأمريكي المفروض على الجزيرة الصغيرة منذ نحو أربعة عقود. ولقد جادل هؤلاء بأنّ هذا البابا تحديداً يعرف أنّ المجيء إلى الجزيرة على رأس جيش إيماني لن يصطدم بالجيوش الماركسية ـ اللينينية وحدها؛ بل بجيوش عشرات العقائد الإيمانية الأخرى التي تتعايش في الجزيرة، وتبدأ من الوثنية والتقمّص والشامانية والـ «فودو» الأسود، ولا تنتهي عند تنويعات البروتستانتية واليسوعية و»اللاهوت الثوري» الذي اشتهرت به أمريكا اللاتينية.
وبصرف النظر عن اختلاف المرء، في الجوهر أيضاً، مع النظام السياسي الذي خلّفه كاسترو؛ وحقيقة أنّ العلاقات الأمريكية ـ الكوبية تبدّلت جذرياً، ومعها كُسر الحصار؛ فإنّ من المبهج للمرء ذاته أن يقول: لا عزاء لأمثال هوغلاند وسائر الشاخصين إلى كرات الكريستال، وعيد ميلاد سعيد لهذا الشيخ الثوري المتقاعد.

كريستال فيديل كاسترو

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية