رَحَل المؤرخ السير كريستوفر الان بايلي عن دنيانا في الثامن عشر من نيسان الماضي.
الاستعانة بمحرّك «غوغل» توحي بأنه لم يدخل أساساً إلى «دنيا العرب» واستعيض عوضاً عنه بمصمم الأزياء الذي يحمل نفس الاسم. ليس القصد أبداً الاستهانة بصنعة الأخير. قطعاً لا. فتصميم الأزياء وطفرات الموضة، كما تصميم الأبدان وهندستها، بالرياضة أو بالحمية أو بالجراحة، بعدان حيويان من تاريخنا الحديث. وكريستوفر بايلي المؤرخ لم يهمل أبداً حركة الأزياء والأبدان والأمزجة والأطعمة، واعتنى بها مثلما اعتنى بحركة الأفكار والمعارف والتقنيات والصنائع. لكنه تبحّر في كل هذا، مقدّماً بشخصه ونتاجه، نموذجاً ثميناً لانتصار الموسوعية النهمة على التخصّصية المطمئنة، سواء في دراسته للتاريخ الهندي الحديث، أو لتاريخ الامبراطورية الاستعمارية البريطانية، أو للتاريخ العالمي الحديث، العابر للقومية في عملية انشائه للدولة القومية ذاتها. وظلّ المنطلق الذي ما فتئ بايلي يعمّق مداركه ويوسّعها، هو وغيره من روّاد ما بات يُعرف بـ»التاريخ المكوكب» في الأكاديميا الغربية، سواء كانوا رواداً غربيين أو هنود، هو تظهير الطابع التزامني، التواصلي، التفاعلي، الذي جعل الحداثة تولد كحالة عالمية من الأساس، وليس كحداثة أوروبية في مرحلة أولى، ستنتشر خارج أوروبا في مرحلة ثانية، على ما يواصل يعاسيب الثقافة ترداده بشكل ببغائي، هنا وهناك. لقد هشّم كريستوفر بايلي، وزوجته سوزان، وسانجاي سوبرهمنيام، وفردريك كوبر، وآخرون، تلك الصورة النمطية الكالحة، التي كانت تنظر إلى «الغرب»، على أنّه مصمّم يُفصّل البدلة تلو البدلة، فيما «باقي العالم» أقاليم يفصّل لها، أو تُعرّى، فتلهث وراء الموضة الآتية بتأخير زمني، وبتأخر استيعابي، يحيل على تفسير عرقي، ولو موّه هذا التفسير العرقي، بوعظية تنويرية ثقيلة الظل، و»ثقيلة الدم».
والسير كريستوفر الان بايلي في مكانه الحيوي ضمن هذه الثورة المعرفية، ثورة «التاريخ المكوكب»، والتي جعلت الملكة البريطانية تمنحه شرف النبالة تكر يماً لنتاجه، ليس هذا «الهدف السهل» لمعشر المثقفين البلديين من «كارهي الجلدة»، الذين يسترون بلادتهم الفكرية، وثرثرتهم اليومية، بامتداح «الغرب» كوثن أعلى، ومصدر كل حضارة ومعرفة ليلاً نهار. فكريستوفر بايلي، النبيل برتبته الأريستوقراطية المستحقة، ونمط حياته، وثقافته الموسوعية، ومرجعيته في التاريخ الهندي، وعلاقته الروحية بشبه القارة الهندية وأسفاره فيها، هو ليبراليّ بامتياز، لكنه اشتغل مثلاً، على مصادر الفكر الليبرالي الهندي، مظهراً أنّها، وان تفاعلت مع المصادر الأوروبية، وفي ظل السيطرة الاستعمارية، فانّها لم تكن مجرّد تابع يتبع متبوعاً، بل انّ الليبراليين الهنود، من راموهان روي في بداية القرن التاسع عشر إلى غوكال في نهايته، كثيراً ما ألهموا الليبراليين البريطانيين في عصرهم، و»حقوق الإنسان» كتراث من الأدبيات الفكرية لم يكن أبداً تراث تلق من جانب نخب الشعوب الملوّنة لما يطرح في أوروبا، بل أن ما طُرِح أساساً في أوروبا، في المرحلة نفسها التي كانت فيها أوروبا تسند اقتصادها بنظام الرق في المستعمرات، بل داخل أوروبا نفسها، كان نتيجة ضغط نضالي وفكري على حد سواء قام به أبناء الشعوب المتعرّضة للوقائع الاستعمارية. ليس هناك أي جانب من جوانب المعاش يدرسه بايلي الا ويظهر فيه كم أنّ علاقة التبعية الاستعمارية لا تعني بأية حال من الأحوال أن هناك تابعا يتبع متبوعاً، أو تابعا ينتظر حتى يعتق، أو يسترجع شروط انعتاقه. أبداً.
ليس مقبولاً والحال هذه، ان يبقى كتاب بايلي «ميلاد العالم الحديث 1780 – 1914»، خارج دائرة القراءة والتفاعل باللغة العربية. وهو ما ينطبق على سائر كتبه، كما على معظم المؤرخين المعنيين بـ»التاريخ المُكوَكب». فعصر الثورات الذي اشتغل عليه المؤرخ الفذ اريك هوبسباوم في نطاقه الغربي، يعطيه بايلي في «ميلاد العالم الحديث» مدى عالمياً، فيظهر أبعاد أزمة شاملة، جزء منها الثورة الفرنسية وقبلها الأمريكية، وجزء آخر تمرّد بوغاتشيف في روسيا والسيخ في البنجاب والوهابيين في نجد وحركة اللوتوس الابيض في الصين وثورة العبيد في هايتي، في فترة متقاربة زمنياً. ينتقد بايلي كثرة استخدام المؤرخين لمفهوم «الأزمة» كيفما كان. كما لو ان المجتمعات والدول تعيش أصلاً في «حياة عادية» بلا نزاعات، وهذا غير صحيح. لكنه يؤيد استخدام مفهوم «الأزمة العالمية» لجملة الثورات والانتفاضات التي سبقت أو أعقبت الثورة الفرنسية، حيث ارتفعت شدة الصراعات وتوازت فيها الصدامات الايديولوجية مع معارك انتزاع آليات التحكم بالمصادر المادية.
بخلاف مؤرخين كثر، يؤخّر كريستوفر بايلي لحظة وجود هوة واسعة بين الغرب والأقاليم الأخرى إلى منتصف القرن التاسع عشر، ليؤرّخ بنهاية هذا القرن، مع صعود اليابان، الطابع النسبي مجدداً لهذه الهوة، وأزمتها. شأن فردريك كوبر لا يتعامل مع الدولة الأمة كمرحلة تالية لمرحلة الامبراطوريات – بل ينبه إلى امتناع فهم أي شيء في التاريخ البريطاني مثلاً، اذا اعتبرنا ان الدولة الوطنية كانت تتطور في بريطانيا، فيما الامبراطورية الاستعمارية ما وراء البحار مسألة مفصولة عن «المتروبول».
ولعلّ احدى أهم المحاور الذي سطّرها بايلي في كتابه العمدة، أنّ الدين والتدين لم يتراجعا في القرن التاسع عشر، وبعد الثورة الفرنسية، ليعودا في نهاية القرن العشرين، على ما يُردّد ببغائياً. فالقرن التاسع عشر بالنسبة إلى بايلي، كان قرن النهضة الاحيائية الدينية بامتياز، سواء في الديانات الكونية، أي التي يمكن ان تعبر من ثقافة إلى أخرى، أو في الديانات الاقليمية ومختلف الروحانيات ومسلكيات «التقوى». لئن كانت «الطباعة» لعبت دوراً هاماً في نشأة الحراك القومي بالنسبة إلى بندكت اندرسون، فالأولى كما يرشدنا بايلي، التنبه إلى ان «ثورة الطباعة» وشيوعها عالمياً بشكل واسع في القرن التاسع عشر، وليس قبل ذلك، كانت ثورة المطبوع الديني والمقروء الديني. كما يضعك بايلي أمام مفارقة أخرى، وهي أن إبعاد الدين عن مركز السلطة السياسية أعطى للمؤسسات الدينية في ظروف التحديث والرواج التقني أفقاً أوسع للنفاذ إلى المعاش الاجتماعي والعائلي، والى أمور كانت تركن قبل ذلك لتقاليد موروثة غير دينية، كما أعطت الدين احترامية أكبر، ليصبح معبراً عن الجماعة المحلية، وليس عن المؤسسات الفوقية فقط. فالنهضة الدينية العالمية للقرن التاسع عشر، كان الدور الأكبر فيها للطبقات الوسطية، للمعلمين والموظفين الحكوميين والتجار، كما أن النساء لعبت في هذه الثورة دوراً حيوياً، بالتوازي مع كون تعليم المرأة والسيطرة عليها من العناصر الأساسية في خطاب الاصلاحيين الدينيين عبر العالم.
ليست هناك صفحة من أثر بايلي، الا وتراها كفيلة بأن تدحرج فكرة مسبقة هنا، وبلادة ذهنية هناك. عدم اتاحة المجال للقارئ العربي للاطلاع على أعمال بايلي أو المؤرخين الخلاقين في عالم اليوم هي أكثر من بلادة فكرية.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة