القاهرة ـ «القدس العربي» كل المعارك التي تشتعل على صفحات الصحف المصرية، بما فيها صحف أمس الأربعاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني، لا تجد صداها المأمول لدى الغالبية، التي ينصرف اهتمامها إلى قضايا أخرى تراها أهم، مثل ارتفاع الأسعار وبدء الحكومة طرح كميات من اللحوم البلدية والمجمدة، بسعر خمسين جنيها للكيلوغرام الواحد. ولم تنتظر حتى آخر الشهر، كما وعد الرئيس السيسي.
كما تهتم الغالبية بزيارته إلى بريطانيا، وترقب ما الذي سيحدث من مظاهرات هناك ضده، وحجم مظاهرات المصريين والعرب المؤيدين له للترحيب به. كما عكست الصحف الاهتمام بالمؤتمرات الانتخابية للأحزاب والمستقلين للمرحلة الثانية والأخيرة من الشهر الحالي، في الثلاث عشرة محافظة المتبقية. ومتابعة المعارك التي تسبب فيها هجوم الرئيس على الإعلام، خاصة القنوات الفضائية، المؤيد منها للرئيس، ويمثل الأغلبية والمعارض والمهاجم له ويمثل الأقلية.
ومن الأخبار التي اجتذبت اهتماما أقل، تصريحات مساعد وزير الداخلية لمصلحة السجون اللواء حسن الوهابي، الذي نفى تماما ما تنشره بعض المنظمات ووسائل الإعلام عن وجود محتجزين داخل السجون، وعن التعذيب داخلها، وطالبها ان تزور السجون وتتأكد بنفسها من عدم صحة هذه المعلومات. كما ألغت محكمة النقض الحكم الصادر ببراءة كل من أحمد المغربي وزير الإسكان في عهد مبارك، وزهير جرانة وزير السياحة في عهده، وإعادة محاكمتهما في قضية التربح والإضرار العمدي بالمال العام، والاستيلاء على أراضي الدولة في مدينة الغردقة، وستقوم محكمة النقض اليوم الخميس بنظر قضية اتهام مبارك بالاشتراك في قتل المتظاهرين في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، بعد إلغاء حكم محكمة الجنايات ببراءته. كما تم تحديد جلسة في الثاني عشر من الشهر المقبل لبدء محاكمة وزير الزراعة السابق ومحمد فودة ورجل الأعمال أيمن الجميل وآخرين في قضية الرشوة. ولم تغفل الصحف الاهتمام بمباريات كرة القدم وغير ذلك من الأخبار. وإلى قليل من كثير لدينا..
هناك من يبشرنا بوهم المليارات
ونبدأ بالمعركة التي انتشرت على صفحات الصحف المصرية، كما تنتشر النار في الهشيم، بعد انتقاد الرئيس للإعلام وقال عنه يوم الثلاثاء في «المصري اليوم» زميلنا وصديقنا حمدي رزق في عموده اليومي «فصل الخطاب» طالبا منه الهدوء: «ولكن لن نبيع أبداً الوهم للشعب..» أصدقك سيادة الرئيس، لن تبيع الوهم للشعب، والشعب لا يشترى الوهم، ولا يعيش في خدر الأوهام اللذيذ، تعافى من إدمان الأوهام، ويميز جيداً بين الطيب والشرس والقبيح، حد يبيع الوهم في حارة المصريين؟ أنا من ضيّع في الأوهام عمره.. غناء من زمن مضى. الأوهام بضاعة ليست لها سوق رائجة، باعة الوهم بارت بضاعتهم، لا نطلب منكم وهماً، ولسنا موهومين بالوهم، هرمنا، لا نطلب منكم المستحيل، كفاف العيش، هل هذا كثير؟.. فرصة تعليم، وأمل في الشفاء، ولقمة عيش شريفة، المصريون شرفاء، تحسبهم أغنياء من التعفف، ليس من بين أحلامنا فيلا وسيارة ومرج أخضر وعصفور يغني على الشباك، الناس في مصر تطلب الستر، وآخر دعواهم، استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض.. لقيمات يقمن صلبه، هل هذا كثير؟ سيادة الرئيس باعة الأوهام يجولون في الحوارى الفقيرة ببضاعة الوهم، سبق وباعوه لنا، بضاعة مضروبة، حقا لم تكذب علينا، ولم تبع الوهم، ولكن هناك من يبيعون الوهم بعلامتكم الرئاسية، من يطل علينا من الشباك، ويخبط الباب، متحدثاً باسمكم، ويدعي القرب من مقامكم، ويكذب علينا وعليكم، يتنفس كذباً، تروج بضاعته المغشوشة في الأسواق، وتنطلي كذبتهم وما يأفكون، يحسبها البسطاء بضاعتكم ويندمون.. من سمح لهؤلاء الأفاقين بارتياد الأسواق؟ من ذا الذي يصطنع الوهم؟ من الذي يتحدث وتحدث بالمليارات في شعب يترجى الله في حق النشوق؟ من يبشر وبشر الناس بأنهار من عسل ولبن؟.. الناس تعيش وهم المليارات منذ خمس سنين عجاف، مليارات سويسرا الموعودة، مليارات المؤتمر الاقتصادي المنشورة، مليارات قناة السويس المنتظرة، مليارات تتبعها مليارات، حديث المليارات يسري وتدركه العقول بلا عناء، حديث المليارات مثل حلم ليلة صيف لا يكفي الناس مؤنة الشتاء.
الصراحة راحة، يقيناً لم أرتح لغضبتك، الرئيس غاضب، يا ريس إحنا لسه في أول المشوار، وابتدى ابتدى ابتدى ابتدى المشوار، وآه يا خوفي آه ياخوفي آه يا خوفي من آخر مشوار الغضب، فلتملك زمام نفسك، ولا تدع من يحرفك عمدا مع سبق الإصرار والترصد عن الطريق القويم، «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، لا تغضب، استبدل الغضب بابتسامة أمل تشيع، وإذا كان ولابد من النكد نكّد علينا يا سيدي صدقاً، «يا بخت من بكاني وبكى عليّ، ولا ضحكني وضحك الناس عليّ».
الرئيس لديه غصة تجاه الإعلام
وازدادت الهجمات ضد الرئيس في هذا اليوم، ففي «المقال» شن زميلنا مصطفى شحاتة هجوما عنيفا جاء فيه مقلدا حمدي، حين استعان بأغنية عبد الحليم حافظ، فاستخدم هو الإشارة إلى فيلم «خليك في حالك»: «لم يشاهد الرئيس عبد الفتاح السيسي فيلم «خليك في حالك» بالتأكيد، لكنه اتخذه نموذجا وحكمة يخاطب بها الشعب، وفئة الإعلاميين منه تحديدا. وبينما يقول: «إن مصر شركة نحن جميعا فيها» اتضح أن ذلك يحدث حينما يريد هو ذلك فقط، أما إن تعاملنا نحن معها على أنها شركة فيخرج الرئيس ليقول لنا «خليكم في حالكم». بدا الرئيس في خطابه الأسوأ منذ أن جاء للرئاسة، وكأن شغله الشاغل هو تعليقات الإعلام والإعلاميين على ما يفعله يوميا، ورغم أن هذا واجب الصحافة والتلفزيون في كل مكان في العالم، إلا أن كلام السيسي جعل الأمر وكأن الرئيس يحمله على رأسه، يستيقظ من النوم ليعرف ماذا قالت الجرائد عنه؟ وقبل أن ينام يشاهد البرامج الحوارية والسياسية ليعرف أيضا ماذا يقولون عنه! بالطبع تصله تقارير بذلك، فمنذ بداية حكمه من 17 شهرا تحديدا والرئيس لديه غصة تجاه الإعلام هو دائما يعلق عليه دائما يراه مخطئا في حقه ودائما «الإعلام غلطان». منذ «مانشيت الكهرباء» وحتى «قعدته مع سيمنز»، ثم إن كنت ستشكيهم للشعب فهل هذا لأنهم ليسوا من هذا الشعب؟ أم هم من خارجه؟ ما داموا ينتقدونك وينتقدون تصرفاتك كرئيس؟ في العموم لو تم الاعتداء على أي إعلامي ينتقد الرئيس خلال الفترة المقبلة فهذا يتحمله الرئيس وحده. لِمَ لم يسأل الرئيس نفسه، لماذا لم يعد الإعلام يتحدث عن أزمة الكهرباء مثلا؟ باختصار يا ريس لأنها انتهت ولأنك نجحت فعلا في حل الأزمة، وبالتالي لن يتوانى أحد محب للبلد مثلك في الإشادة بذلك، مع انتقاد كل صغيرة وكبيرة يرى أنه يجب إصلاحها. نهاية الأمر سيادة الرئيس نعم الإعلام فيه كوارث، لكنها ستنصلح تباعا، لكن ما لن ينسى هنا هو أن يخرج رأس الدولة ليقول «الناس دي لا هي عارفة ولا فاهمة ولا أي حاجة في الدنيا، بتتكلم وخلاص لأن الكلام الأخير فعلا كلام وخلاص».
السيسي يفهم ما لا يفهمه وما لا يعرفه الآخرون!
والهجوم الثاني في العدد نفسه من «المقال» شنه زميلنا أحمد رمضان الديباوي، الذي أمسك بآخر ما قاله مصطفى: «فيه بعض الناس في الإعلام مش عارفة ولا فاهمة حاجة، حاطه ميكروفون قدامها وبتتكلم منه، إحنا مش بندوس على الزرار ونخلص ونقول كل حاجة فيها كارثة، طيب يعني الإعلام ما فيهوش كوارث ولا أيه؟» عبارة نطقها الرئيس غاضبا، لكنها جاءت كاشفة دالة على تبرم الرجل من كل نقد، وإن تظاهر بغير ذلك أو نطق ضده. كما هي كاشفة عن منطقة في التعاطي الفوقي للأمور والمشكلات، فهو لا يكاد يختلف في ما قاله عن الرئيس الأسبق حسني مبارك، في التعامل والتعاطي مع الأمور بمبدأ الفوقية واستيعاب فهم الرئيس وإدراكه وحده لكل شيء، حيث يفهم ما لا يفهمه الآخرون ويعرف ما لا يعرف الآخرون. أما أولئك الآخرون خصوصا الإعلاميين فليصمتوا او ليطبلوا مع المطبلين وداعمي خطوات الرئيس الملهم الفاهم كل شيء، وبالفعل ليس ثمة «زرار»، كما يقول الرئيس، لكن هناك رؤية إستراتيجية ومعايير وحلولا غير تقليدية وبرامج إدارة أزمات ومنطق عادلة».
الرئيس يدير البلاد بطريقة الشكوى للشعب!
والهجوم الثالث في عدد المقال ذاته كان من نصيب زميلنا هشام المياني، ولم يقل عنفا عمن سبقاه قال: «كلمات غريبة قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية لرجال القوات المسلحة، ذلك حينما تحدث عن الإعلام الذي هو مشغول به دائما، وكأن الإعلام سبب مشكلات البلد، أو أن الإعلاميين أصحاب القرار فيها، فالرئيس قال نصا: «أحد الإعلاميين بيقول الرئيس قاعد مع بتوع سيمنز وساب إسكندرية تغرق، ما يصحش كده، هذا أمر لا يليق انتو بتعذبوني أني جيت هنا ولا أيه؟». ونقول له يا سيادة الرئيس انتقاد الإعلام إياك أو سياساتك أو قراراتك لا يكون الرد عليه بطريقة «يصح وما يصحش». إما بالتنفيذ والتكذيب لو كان الانتقاد غير حقيقي، أو بالتنفيذ لو كان الانتقاد عن حق ويحقق أهدافا بناءة، ثم أن الانتقاد ليس تعذيبا، فهذا هو الإعلام الذي طالبته أنت بنفسك في أول لقاء مع رؤساء تحرير الصحف بانتقادك وتقويمك، فهل سرعان ما ضقت بما طلبته؟ كما ان وجودك على كرسي الحكم ليس منة منك، ولا تشريفا للشعب، بل هو اختيار وتحمل مسؤولية، على أساس أنك قادر على إدارة البلاد. ثم أنه سيادة الرئيس ومثلما تقول سيادتكم للإعلاميين «ما يصحش»، فكذلك لا يصح أن تعاير الإعلام بكوارثه، وكأنك تقول للإعلاميين أصمتوا عن كوارث نظامي، وإلا كشفت كوارثكم! فالرئيس هو المثال والقدوة وأي كوارث في أي قطاع في الدولة ينسب إليه، ويجب عليه إصلاح تلك الكوارث. الرئيس قال ذلك «أنا مش زعلان بس عاوز حد يقولي أنا أسأت لمين؟ أتحدى أي حد يطلع أي تعبير غير مناسب، أنا قلته لأي حد حتى للناس اللي بتسيء لنا وتتآمر علينا». ونحن نقول له يا سيادة الرئيس ليس معنى أنك مؤدب أن يصمت الإعلام عن طريقة إدارتك للبلاد، لو كنت تسير في الطريق الخاطئ فالأدب ليس هو معيار تولي المناصب القيادية أو مبرر الصمت على الخطأ. الرئيس ختم كلامه عن الإعلام قائلا لبعض الإعلاميين «المرة الجاية هشتكي للشعب المصري منكم»، وهذه الجملة من المضحكات المبكيات فهل يدير الرئيس البلاد بطريقة الشكوى للشعب؟ وهل الشعب اختاره كي يقود سفينة الدولة وبدلا من ان يقودها في الطريق الصحيح يشكو للشعب ممن ينتقده لأنه يسير في الطريق الخطأ».
«ألفاظ سوقية» تدخل بيوتنا وتدمر مستقبل أولادنا
وانتقل الهجوم إلى «الشروق» في اليوم ذاته، فقال رئيس تحريرها زميلنا وصديقنا عماد الدين حسين محذرا من قيام بعض مؤيدي الرئيس بالاعتداء على الإعلاميين: «الشكوى للشعب من الإعلام قد تكون لها تداعيات صعبة وغير محمودة العواقب، فقد يفهمها البعض من محبي الرئيس، وما أكثرهم، على اعتبار أنها دعوة لمهاجمة وسائل الإعلام أو الإعلاميين، التي قد تختلف في الرأي أو الرؤية مع الرئيس. أدرك أن السيسي لا يقصد ذلك بالمرة لكن المشكلة ان بعض «المحبين» لا يفهمون ذلك. لو أن رئاسة الجمهورية أرسلت إشارة مهمة بأنها ضد الكثير من الممارسات الإعلامية الخاطئة بل والخطيرة في الشهور الماضية، فظني الشخصي أن ذلك كان كفيلا بعدم وصولنا إلى هذه النقطة التي اختلط فيها الحابل بالنابل، وصارت «ألفاظ سوقية شوارعية» تدخل بيوتنا وتدمر مستقبل أولادنا وأخلاقهم. وصلنا إلى مرحلة يعتقد فيها بعض الإعلاميين أن «على رأسهم ريشة» فعلا، وأنهم فوق الحساب، وللأسف فإن غالبية هؤلاء يحسبهم كثيرون على الرئيس والحكومة وأجهزتها لو أنه تم الفصل بسرعة وحسم في القضايا المرفوعة من بعض المواطنين والشخصيات العامة، الذين تم اغتيالهم معنويا في وسائل الإعلام ما كنا أيضا قد وصلنا إلى هذه المرحلة، تخيلوا مذيعا أو إعلاميا أو صحافيا يقوم بالتهجم والافتراء واغتيال معنوي لشخصية معينة ويقوم الأخير باللجوء إلى القضاء للحصول على حقه ويظل هذا الأمر لسنوات، فما هي الرسالة التي تصل للجميع؟».
محمود خليل: لدينا مؤشرات
دالة على اهتزاز شعبية السيسي
وفي «الوطن» قال أستاذ الإعلام ومستشارها الدكتور محمود خليل مهدئا المخاوف التي أبداها البعض من شعبية الرئيس والتي قد تدفع أنصاره لمهاجمة الإعلاميين :
توقفت كثيراً أمام عبارة «حاشكى للشعب منكم» العبارة تعكس إحساساً لدى الرئيس بأن الشعب معه ويشاركه موقفه في عدم الرضاء عن مستوى الأداء الإعلامي وأنه ما زال يتمتع بشعبية كبيرة لدى المصريين تمكنه من استخدامهم كورقة ضغط على بعض المؤسسات التي لا يرضى عن أدائها، ومنها بالطبع المؤسسة الإعلامية حقيقة الأمر أن الشعب الذي يريد الرئيس أن يُشهّده على الإعلاميين ليس شعب 26 يوليو/تموز 2013 بل شعب نوفمبر/تشرين الثاني 2015 ليس لدينا بالطبع استطلاع رأى علمي نستطيع أن نحكم من نتائجه على مستوى شعبية الرئيس وقدرته على تحريك الشارع الآن، مقارنة بشعبيته حين دعا المصريين يوم 26 يوليو 2013 للتفويض، لكن من المؤكد أن لدينا العديد من المؤشرات الدالة على اهتزاز الشعبية دعونا ندلل على إحساس الرئيس باهتزاز الشعبية من خطابه الذي حذّر فيه الإعلاميين من طلب الشعب للشهادة عليهم عموماً فليُجرب الرئيس ويطلب الشعب للشهادة».
بعض الإعلام ينشر الجهل والخرافة
ونكتفي بهذا القدر من الهجوم على الرئيس لنعطي مساحة للمؤيدين، وكان منهم يوم الثلاثاء زميلنا وصديقنا محمد أمين، الذي قال في عموده اليومي»على فين» في «المصري اليوم»: «لا يمكن أن نختلف مع الرئيس في أن بعض الإعلام ينشر الجهل والخرافة وهتك الأعراض وقلة القيمة، الأمر لا يحتاج إلى براهين ولا أدلة، فما يحدث من الإعلام يصفعنا كل يوم. ثانياً كلام الرئيس جاء مواكباً لخناقات هنا وهناك على قنوات عديدة، فكان كلام السيسي كاشفاً وليس منشئاً للحالة المصرية، لذلك استراح الناس وفهموا أن الرئيس يتابع مواجعهم، وليس صحيحاً أنه مشغول عنهم. على أي حال منذ أول يوم توقعت أن يخوض السيسي معركتين الأولى مع رجال الأعمال، خاصة الذين لا يدفعون الضرائب والذين يتفننون في البحث عن ثغرات لنهب مصر. المعركة الثانية مع الإعلام تحديداً، وقد حدث أنه خاض المعركتين فقد عرف من معه في المركب ومن يريد أن يختبره ويعترض مسيرته، وكنت أرى ضرورة صعود فئات كثيرة من أبناء الثورة في الإعلام والصحافة والسياسة وحتى الفن أيضاً! لا «السيسي» سوف يشبه «عبد الناصر» في «مذبحة باتا» ولا توجد قائمة بأسماء ضحايا المذبحة، ولا توجد تعليمات بالخلاص من «الوجوه القميئة» هؤلاء سيتكفل بهم الشعب وحده، فلا تنسوا أن هناك قائمة أصلاً أعدها الرأي العام ولا تنسوا أنه قال «هشتكيكم للشعب» كل ما نريده ويريده الرئيس هو المهنية فقط».
«مذبحة باتا» زمن عبد الناصر
وعبارة محمد أن السيسي لا يشبه خالد الذكر في مذبحه باتا تعني أنه لن ينقل صحافيين إلى شركات مثلما حدث عندما تم نقل عدد من الصحافيين في «الجمهورية» و«الأخبار» إلى شركة باتا لصناعة الأحذية، والمؤسسة الاستهلاكية التابعة لوزارة التموين ووزارة الإسكان، وبسبب صغر سن محمد وعدم معاصرته هذه الفترة نوضح أن هذا القرار لم تكن له أي خلفيات سياسية، فالذي حدث أنه عندما تم تعيين المرحوم الكاتب والصحافي حلمي سلام رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير ورئيس تحرير «الجمهورية» وكان مدعوما من وزير الحربية والرجل الثاني في مصر المشير عبد الحكيم عامر، طلب منه تطوير الجريدة حتى ينافس بها «الأهرام» و«الأخبار»، وكان أول المطالب التخلص من العمالة الزائدة، وإطلاق يده وتغيير ترويسة الجريدة، التي كان مكتوبا فيها أسماء أكثر من ستة رؤساء تحرير، من بيـــنهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وتمت الاستجابة لطلبه. ثم قامت «الأخبار» بطلب نقل عدد آخر، ولما كان الفصل التعسفي ممنوعا فتم إلحاقهم بعدد من شركات القطاع العام، لأنه لم يكن هناك قانون يمنع تغيير طبيعة عمل الصحافيين. ثم حدث بعد ذلك أن عزل حلمي سلام وتمت إعادة البعض لأعمالهم. وبسبب هذه المشكلة ناضلت نقابة الصحافيين وكان نقيبها أستاذنا الراحل أحمد بهاء الدين بالضغط على النظام لإصدار قانون يحظر تغيير طبيعة عمل الصحافي ونقله إلى عمل غير صحافي واستجاب النظام وصدر القانون عام 1970.
تنظيف بيت الإعلام من الدخلاء
ثم ننتقل إلى «وفد» الثلاثاء ومقال رئيس تحريرها زميلنا مجدي سرحان وقوله: «لا ننكر أيضاً أن هناك خطايا وتجاوزات، بل وجرائم ترتكب باسم الإعلام، ويسيء مرتكبوها ليس لأنفسهم فقط ولكن للجماعة الإعلامية ككل، وهؤلاء يجب ألا يكون لهم وجود بيننا هم ومن يحمونهم ويؤونهم ويوظفونهم ويصرفون عليهم من أموالهم، لتنفيذ أغراضهم الخبيثة، ويبنون بأعمالهم إمبراطورياتهم الإعلامية، التي يسعون من ورائها إلى اكتساب نفوذ سياسي يحمى احتكاراتهم وأطماعهم ونزواتهم وشطحاتهم وخزائن أموالهم التي استنزفوها من دماء البسطاء وأقواتهم. لن نلام نحن معشر الإعلاميين إذا انتفضنا لتطهير بيوتنا من هؤلاء الدخلاء والمرتزقة والمدعين، ولن تلام الدولة، بل سيكون ذلك واجباً عليها إذا تحركت لتفعيل مواد الدستور والقانون التي تكفل الحقوق والحريات وتفرض الواجبات، فتصون الحرية الشخصية وتحرم المساس بالحياة الخاصة أو بحرمات المنازل. أين النائب العام من تطبيق هذه القوانين باعتباره ممثلاً للشعب في الدفاع عن حقوقه؟».
نقد الرئيس صادر من قلب إعلامه
أما مقال الكاتب فهمي هويدي في «الشروق» عدد أمس الأربعاء فدار عن الموضوع نفسه الذي شغل معظم الكتاب والإعلاميين بعد خطاب السيسي ومما جاء فيه: « عتاب الرئيس السيسي على بعض الإعلاميين ينبغي أن يوضع في إطاره الصحيح. ذلك أنه مجرد «لفت نظر» فيه من المصارحة التي عبر فيها الرئيس عن بعض ما في نفسه. أتحدث عن كلمة الرئيس التي ألقاها يوم الأحد الماضي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني في الندوة التثقيفية التي نظمتها القوات المسلحة وانتقد فيها ما ورد على لسان أحد مقدمي البرامج التلفزيونية حين ذكر أن الرئيس يجلس مع ممثلي شركة سيمنز تاركا أزمة الاسكندرية. (يقصد غرق المدينة بسبب الأمطار). وقال الرئيس إن ذلك أمرا غير لائق واعتبره من قبيل الهدم، مشيرا إلى أن بعض الإعلاميين «لا فاهمين ولا عارفين». ثم تساءل هل تعذبونني لأنني أقف في هذا المكان (يقصد أنه تقلد منصبه)، وختم حديثه في هذه النقطة بقوله إنه سوف يشكو إلى الشعب.
لفت النظر الذي سجله الرئيس صدر بعبارات مهذبة، إلا أن شَدَة الأُذن فيه واضحة، والرسالة كانت بليغة. وهي تغني عن حكاية الشكوى للشعب التي لوح بها. وبدت محيرة وغير مفهومة، على الأقل لأن «العنوان» الذي ستوجه إليه الشكوى غير معلوم.
عندي أكثر من ملاحظة على الواقعة التي أشار إليها الرئيس. الأولى أنها بسيطة للغاية ولا تكاد تذكر بمعايير النقد الموضوعي والجاد. الثانية أنها صادرة من قلب إعلام الرئيس، الأمر الذي تستبعد في ظله مظنة الإساءة أو الرغبة في الهدم. الأمر الثالث أن غضب الرئيس من التعليق يعبر عن إفراط في الحساسية يبعث على القلق. لأنه من حق أي أحد في هذه الحالة أن يقول أن الرئيس إذا ضاق صدره بملاحظة عابرة وبسيطة صدرت عن أحد مؤيديه. فماذا يكون رد فعله على انتقادات المستقلين أو المعارضين. الأمر الرابع أن هذا الذي قيل عن الرئيس والذي لا يعد إساءة بأي حال يقال أضعافه وأسوأ منه وأخطر بكثير بحق العديد من الوطنيين المستقلين الذين أيدوه وكانوا ضمن تحالف 30 يونيو/حزيران، لكن جريمتهم الوحيدة أن لهم آراء أخرى في تحقيق المصلحة الوطنية. وللأسف فإن الذين يطلقون حملات التجريح والتخوين ينتمون إلى معسكر موالاة الرئيس والدفاع عنه. فضلا عن أن هناك أجهزة رسمية تسرب التسجيلات التي تبث لتشويه هؤلاء واغتيالهم معنويا.
إن الصحف القومية والمستقلة ومواقع التواصل الاجتماعي تنشر العديد من الأخبار والمعلومات التي ينبغي أن يحاط الرئيس علما بها. وهي المعلومات التي يعد إخفاؤها عن الرئيس خطأ جسيما، كما أن إحاطة الرئيس علما بها وسكوته عليها يعد أمرا مثيرا للدهشة والتساؤل….».
مراكز قوى إعلامية فوق الدولة
وسانده في «الجمهورية» زميله السيد البابلي قائلا: «من حق الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يغضب من الإعلام، وأن ينتقد الأداء الإعلامي بشدة، وأن يهدد أيضاً بأن يشكو الإعلام للشعب. فالواقع أن الإعلام، وكما يقول الرئيس، ينشر جهلاً ولا ينشر وعياً حقيقياً، ولا يقتصر الأمر على نشر الجهل والتفاهات والمبالغة فيها، وإنما تجاوز ذلك إلى حالة غير مسبوقة من الانفلات الأخلاقي والأدبي بكل أنواعه وأشكاله، بحيث أصبحت الشتائم والعبارات الخارجة أسلوباً للحوار عند الاختلاف في وجهات النظر،
وكانت انعكاسات التدهور الأخلاقي الذي شهده المجتمع بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 أكثر تأثيراً على الإعلام، الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء والسوداء، معتقداً أنه يمارس بذلك حرية التعبير والديمقراطية، بينما هو في الواقع يهدم قيماً وثوابت وتقاليد كانت هي من يحمي المجتمع وتحقق التوافق والسلام الاجتماعي، ويزيد من عمق المأساة أن العمل الإعلامي أصبح مهنة كل عاطل أو باحث عن العمل من الفنانين والرياضيين وغيرهم، ارتكبت الدولة الخطأ الأكبر عندما بات واضحاً أنها تتلقى أوامرها وتوجيهاتها من الفضائيات، وأنها تغازل وتتعامل مع كل إعلامي «فضائي» بخوف وحذر وتحاول استرضاءه واستمالته ونيل شهادة الرضاء منه! وأوجدت الدولة بذلك مراكز قوى إعلامية فوق الدولة».
القرموطي ينفي مهاجمته الرئيس
وننتقل إلى أمس الأربعاء حيث أخبرنا زميلنا الرسام في «الأهرام» فرج حسن أنه ذهب لزيارة قريب له ففوجئ به هو وزوجته يكنسان زبالة كثيرة نزلت من التلفزيون والزوجة تقول:
ـ ميت مرة أقول ما تفتحوش برامج «توك شو» التلفزيون طول الليل ينزل زبالة.
أما زميلنا وصديقنا جابر القرموطي المحرر في مجلة «الأهرام» العربي ومقدم برنامج مانشيت على قناة «أون تي في» فقد نفى تماما الفيديو المتداول له عن مهاجمة الرئيس وقال لزميلنا محمود عبد الراضي في «اليوم السابع» أمس الأربعاء: «إنه فيديو قديم، وممكن أقول أداء رئاسة الجمهورية صفر في حاجة معينة، لكن أقول بالإجمال إن أداء الرئيس صفر هذا لم يحدث. أنا ظهرت في الفيديو وأنا لابس قميص وأنا أمبارح كنت مرتدي تي شيرت».
المطلوب تجفيف منابع التمويل النفطي للإعلام
ثم نتحول إلى جريدة «الأهرام» المسائي أمس لنكون مع زميلنا وصديقنا وأحد مديري تحرير «الأهرام» جمال زايدة الذي قال: «استخدمت الدولة كلا من الإعلام القديم والإعلام الحديث في التعبئة، في مرحلة المواجهة مع التيارات الدينية قبل الثلاثين من يونيو/حزيران، وقد حذرنا وقتها من استخدام الإعلام الخاص في هذه المسألة المصيرية لأكثر من اعتبار، أن الإعلام الخاص سوف يطالب بثمن مساندته النظام السياسي في مرحلة التحول، لأن هذا هو منطق القطاع الخاص، لا شيء بالمجان، وكل شيء بثمن. والاعتبار الثاني صنع أنصاف آلهة من بعض مقدمي البرامج، الذين يعتبرون أنفسهم أصحاب الثلاثين من يونيو، وشركاء الرئيس والدولة في صنع المرحلة الجديدة، هذا مع استثناء وحيد يتمثل في شخصية إبراهيم عيسى الذي كان معارضا في عز أيام مبارك واستمر معارضا في زمن عبد الفتاح السيسي. والوضع الراهن يتسم بالفوضى رجل أعمال واحد يصدر صحيفة ويطلق محطة تلفزيونية، من دون أن يعلم الجمهور العام من أين أتت مصادر التمويل، هل هي من المخدرات أم من دولة عربية، كما كشفت وثائق ويكيليكس، ولابد من تجفيف منابع التمويل النفطي للإعلام، حتى لو كان من دولة عربية شقيقة. وإذا كانت هذه الفضائيات تطالب الدولة بالشفافية فأحرى بها أن تطبق هذا المبدأ على نفسها».
قناة «أم بي سي» تسخر من التلفزيون المصري
وإلى المعارك والردود، ومنها المعركة التي انفجرت بين التلفزيون المصري وبين قناة «أم بي سي» بسبب الهجوم الذي شنه أبو حفيظة على قناة «أم بي سي»، ضد التلفزيون الحكومي وتهديد عصام الأمير رئيس التلفزيون باتخاذ إجراءات مضادة. وأبرز الردود كانت يوم الاثنين لزميلنا في «اليوم السابع» عادل السنهوري «ناصري»، الذي اعتبر الهجوم على التلفزيون المصري هجوما على تلفزيون خالد الذكر فقال: «لن نتجاوز في الرد على تطاول قناة «أم بي سي» على التلفزيون المصري والسخرية منه ومن تاريخه وتراثه، على مدار أكثر من نصف قرن، ولن تدفعنا حالة الغضب من موقف المحطة السعودية وصاحبها الشيخ وليد الإبراهيمي إلى الإساءة للدولة الشقيقة، التي تنتمي إليها. أن يصبح التلفزيون الذي أنشأه عبد الناصر «ملطشة» وموضع سخرية من محطات جل تألقها وانتشارها في الفضاء العربي يعتمد على الكوادر المصرية والفنانين والمبدعين المصريين والمواد الفيلمية والتسجيلية المصرية، فهذا لا يمكن السكوت عنه، ورحم الله الزمن الذي كان فيه التلفزيون المصري هو تلفزيون العرب الذي يستضيف ويؤوي كل الفنانين والمثقفين والسياسيين العرب من المحيط إلى الخليج، ويقيني أن الشعب السعودي وحكامه لن يرضوا عما حدث لأنهم يعرفون قيمة وقدر الإعلام المصري، وفي مقدمته ماسبيرو. والصمت على ما حدث يمكن أن تكون له تداعيات وعواقب صعبة، إذا ما انطلقت حملات شعبية تطالب رجال الأعمال وأصحاب الشركات والبنوك المصرية في قنوات أم بي سي وفي البرنامج السخيف الذي تجرأ للسخرية من التلفزيون المصري بالتوقف عن الإعلان في القناة، وإلغاء كل عقودهم الإعلانية، ردا على التجاوز والتطاول في حق تلفزيون الشعب المصري والمطالبة بضرورة دعم ماسبيرو بجزء من هذه الإعلانات».
أسس دولة عبد الناصر «الإعلامية»
وعودة إلى «الشروق» عدد يوم الاثنين، ومع زميلنا الإعلامي يسري فودة، الذي هاجم نظام الرئيس السيسي متخذا خالد الذكر مبررا، رغم تناقض الكلام فهو يتحدث عن أمجاد الإذاعة المصرية وضرب مثلا بصبري سلامة وقال عنه إنه كان من أعلام الستينيات والسبعينيات، وغمز زميلا إذاعيا أيام السادات، هو عبد الوهاب محمود من الجيل الثالث في دولة عبد الناصر الإعلامية ثم تطرق إلى هتلر وغوبلز وربط ذلك بنظام عبد الناصر وأضـــاف: «إذا كنا على استعداد لمناقشة أن لعبد الناصر إنجازات على بعض الصعد، فإننا لسنا على استعداد لمناقشة أن من بينها حياة سياسية حقيقية أو حريات عامة ذات معنى أو إعلامًا حرًّا بأي صورة من الصور، المسافة من ذلك اليوم الذي وُضعت فيه أسس دولة عبد الناصر «الإعلامية» إلى هذا اليوم الذي اضطر فيه عبد الوهاب محمود إلى التضحية بأم اللغة العربية كلها كي يعيش يومًا آخر، مسافة طويلة تحتوي تربتها على بذور ما نحن فيه اليوم، لكنها دولة يصيبها ما يصيب الكائن الحي؛ لها طفولتها ولها صباها ولها شبابها، ولها أيضًا كهولة وشيخوخة بعدها تموت. نزعم نحن أنها الآن تتصابي في شيخوختها فتفضح حالها وتأتي بالعجب العجاب الذي يدهش عبد الناصر نفسه في قبره، لكنها عن قريب ستحتضر ولنا أسبابنا في المقالات التالية».
حسنين كروم