كلامُ من يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ

ذكر الإمام النيسابوري في» أسباب النزول» أن قوله تعالى في سورة هود (5) (ألا إنهم يَثنُونَ صُدُورَهُمْ ليَسْتَخِفوا منْه) «نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام، حلو المنظر يلقى رسول (ص) بما يحب ويطوي بقلبه ما يكره» (أسباب النزول: 200).
ليست أسباب النزول تفاسير بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما هي جهازٌ مساعد على التفسير، هي بلغتنا المعاصرة إعادة بناء لسياق الآية بربطها بوضعية تاريخية معلومة.
الحقيقة أن إعادة بناء السياق لا تعني أن تلك الوضعية حقيقية، بل هي ممكنة أو افتراضية تصلح أن تكون سياقا يفهم فيه الكلام الذي لا يمكن أن يفهم دونه: هي خلق للسياق سنسميه تَسْييقا.
التسييق في أسباب النزول، أو في الأخبار التي توضع على الأشعار لتفسر مناسبة قولها، هي في الحقيقة أول مستفيدٍ من القول وإن كانت تبدو مبررة له؛ تنشأ من رحمه وتتظاهر أنها تفسره؛ وهذا معلوم من تعدد أسباب النزول المرتبطة بآية أو سورة، أو باختلاف الأخبار حول قصيدة.
التسييق في ما رواه النيسابوري يرتبط بشخصية تاريخية وُسِمت بالنفاق، فكلامها الحلو الظاهر يخفي سواد سريرتها الباطنة. وبالطبع سوف يفتضح أمرها بعد نزول الوحي وستصبح رمزا للمنافق المفتضح. غير أن ما يعني اللساني هنا هو جزء من إعادة بناء هذا السياق وهو كلام النفاق. وإذا استعرنا عبارات أبي العلاء المعري نسأل: هل نطق اللسان ينبئ دائما عن اعتقاد الإنسان؟ يجيب المعري بالنفي في «رسالة الغفران» فيقول: (وإذا رُجع إلى الحقائق فنُطق اللسان لا ينبئ عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق). الخطر في هذا الكلام أنه يجعل من اللغة وسيلة إخفاء وستر وتزييف للنوايا؛ والأخطر منه أنه يعد ذلك من الحقائق. وما دامت الأمور تطرح كذلك فليس من برهان على علاقة اللسان بالبيان، وبما يعتور في العقل إلا تقريبيا؛ وليس أقرب من اللسانيات إلى تناول المسألة.
«ثني الصدر» جعله ذا ثنيات أو كما نقول اليوم ذا جيوب؛ هي صورة تستعير مادتها من اللباس: (القلب لباس). في هذه الاستعارة فرعان تقابليان هما، (القلب لباس ذو ثني أو طي)، و(القلب لباسٌ شفاف)، الاستعارة الأولى تجعل القلب حاويا يُخفي؛ الثانية تجعله يكشف ويشف. القلب في التصور القديم منبع الأفكار والكلام والأحاسيس، بل القلب هو رديف في هذا السياق للعقل. والإنسان إذ ينطق يكون كلامه إما شافا عما في صدره وإما مُخْفِيًا له. وأن يكون الكلام مبينا فهذا أصل فيه لا مزية أو خلة؛ وأنْ يكون الكلام موهما غير مبين عما هو في أصل الضمائر، وعما هو مستكن في ثنيات القلوب، فهذا شيء ليس ذا موضوع في اللسانيات: لا يوجد لسان لا يبين ولا كلام ظاهره حقائق وباطنه نفاق.
هذا التصنيف الثاني لا تنشغل به اللسانيات ولم ينشغل به البلاغيون ولا النحاة ولا غيرهم ممن خاضوا في الكلام وقوانينه وضروبه، وليس في اللسانيات ولا في البلاغة تمييز بين الكلام الصادق والكاذب بهذا المعنى. وكلام القدامى من البلاغيين عن الصدق والكذب كان مرتبطا بمناسبته للخارج، بما هو إحالة مرجعية على الكلام، وليس في علاقته بالباطن الصادق أو الكاذب. هذه فكرة عقدية لم تستطع أن تتسرب إلى المفاهيم اللسانية القديمة، سواء أكانت بلاغية أم نحوية ولن تستطيع.
أبسط مفهوم للنية وفق ما نجده في مقال لأسكومبي حول هذا المفهوم يميز بين النية والحافز، وهو تمييز مهم يمكن أن نفصل به لسانيا بين القول الصادق وقول النفاق.
حين يوصف الأخنس بحلو الكلام، فذلك يعني لسانيا أنه متكلم نجح في أن يبني رسالته الكلامية لتجد موقعها المناسب في النفوس؛ وهذا يعني أنه عبر عما كان في نيته أن يعبر عنه من كلام يوسم بعد الكشف عنه بأنه نفاق. ليس في اللسانيات صدر ذو ثنايا تخفي وآخر يشف؛ بل فيها ذهن ينشط الكلمات المناسبة ويزودها بالتركيب والدلالة المناسبة.
نوايا المتكلم تداوليا ليست صدقه في مقابل نفاقه؛ نواياه هي ما يريد أن يبلغه بقطع النظر عن غاياته من ذلك الكلام أن يُوارب ويراوغ، أو أن يقول صدقا. هذه الأشياء يمكن أن تدخل في مبررات الكلام وحوافزه بمنظار المتكلم، فالأخنس قال ما قال وفق ما أورده النيسابوري، سعيا إلى أن يقول ما يرضي غيره ولا يرضيه هو. هذا الفصل بين غايات صحيحة وأخرى غير صحيحة من الكلام ليست هي أيضا لسانية.
للمتكلم نية يصوغها في كلام يتوجه به إلى مستمع؛ والفشل والنجاح يكون في توصل المتلقي إلى فهم تلك النوايا، والجهد العرفاني الأدنى أو الأقصى المبذول في سبيل ذلك. لنفترض أن الأخنس نافق الرسول (ص) بأن مدح دينه الجديد: فإن يصل كلامه على أنه مدح، يعني أنه نجح في التعبير عن نيته. وأن يقول الأخنس ذلك لينافق فهذا لا يعني الدراسة التداولية في شيء؛ لأن النفاق ليس عملا لغويا كالمدح والإطراء والوصف والطلب وغيرها من الأعمال اللغوية التي شابهتها، يدخل النفاق في باب ما يصطلح عليه تداوليا بعمل التأثير بالقول، وهو منذ عهد أوستين أبي التداولية خارج عن منظار هذه الدراسة.
البحث في صدق الأقوال أو كذبها من جهة علاقتها بأحوال الأشياء في الكون، ليست مبحثا ذا موضوع في اللسانيات؛ وهذا احتذاء بالدراسة المنطقية للقضايا، أو وقوع حافر ذاك على حافر هذا لو صح وقع الحوافر في المواقع نفسها.
أن يتكلم الأخنس فيكذب في قوله ويعتقد وهو يتكلم بينه وبين نفسه أنه يكذب ويصدقه الرسول الأكرم على أنه يتكلم بكلام صادق، فذلك مقياس لنجاح التواصل تداوليا وإن كان غير ناجح أخلاقيا. فالأخنس حين صنع كلاما كاذبا كانت له نوايا أو مقاصد من أهمها، إيهام المسلمين وعلى رأسهم الرسول (ص) بأنه من مناصريهم وعلى عهدهم؛ فالإيهام هو النية الحقيقية لقوله، والعبارة التي تدل على النجاح في هذا هو نعت الكلام بالحلو، فهو كذلك من جهة وقعه على متلقيه. ليس للإيهام أسلوب آخر أو لغة أخرى غير اللغة المعروفة وإلا لتميز، لكنه يجري مجاري الكلام غير المُوهم؛ وما دامت ليست له طرق أخرى يخرج بها عن أصول الكلام العادية، فسيكون من اليسير تصديقه؛ ولذلك لم يكن للغة من قوانين لاستكشافه ولم يكن من حل إزاء هذا إلا تنزيل الوحي لفضحه.
كلام من يثنون صدورهم، أي كلام من يوهمون تنحت من لغة من يصدقون: هناك نجد العبارات نفسها والتراكيب نفسها؛ فهي كلباس اللصوص الذين يتزيون بزينا غير أنهم لصوص فلا دليل في لباسهم عليهم؛ وهي كوجوه الخبثاء ممن حسن منظرهم وغابت الدلالة عن صدق مخبرهم. غير أن هذه الوجوه يمكن أن تحمل علامات عابرة وقليلة، منها يمكن أن نمسك بخناق المنافق بينما لا يمكن أن نمسك به اعتمادا على لغته.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلامُ من يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية