كنت ضمن المدعوين إلى سوريا، لإقرار التوصيات الخاصة بإعلان دمشق حين إستضافت مؤتمر الأحزاب العربية، الذي يرفع سلاح المقاطعة التامة لأمريكا وإسرائيل في يناير/كانون الثاني عام 2003، زرت دمشق بعد غيبة قاربت الثلاثين عاما، وقد بدت لي كعادتها وحيدة، فالتمثيل الرسمي لحملة المقاطعة كان معدوما بإستنثاء رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك سليم الحص، ورؤساء الأحزاب بطبيعة الحال، دمشق وحدها من تجرأت على إحتضان المؤتمر وتبني توصياته، الذي إعتبرته الدول العربية الأخرى الخطر الأخطر !
الناس في الشوارع، المطر، جبل قاسيون، الأسواق المعتقة برائحة الشام القديمة، كل شيء في دمشق كان يوحي بالطمأنينة والوحدة، وهو ما يدخلك في لحمها بخفة جسد، وهي تحشد نخبة من المثقفين والمفكرين والإعلاميين العرب حول قضية شجاعة، ألهبت حماسهم ليخرجوا إلى الشارع في مظاهرة مناهضة للعدوان على العراق .
كانت المظاهرة صامتة، وقورة، ولم نتوقع أن يكون الشارع بإنتظارنا، يرقد تحت أقدامنا كتمساح متأهب، تغير المشهد فجأة، لتنضم إلينا الجموع أفواجا أفواجا… يعلو الصوت إلى هتاف ثم شعارات لم ندر من أين أتت؟ بل أين كانت؟ تطور الأمر إلى زجل منظوم، تطاول على زعماء الأمة عامة، فما أن بدأ بالتخصيص حتى إنقلب المشهد مرة أخرى، طارت اليافطات فجأة، فما كان يعلو القامات أصبح ممرغا بوحل الأحذية، وإنفض الجمع مذعورا كمن يتخبطه الشيطان من المس، كأنها القيامة، فماذا حدث يا إلهي ليتبدل وقارنا إلى بهدلة؟ ثم من هؤلاء الذين خرجوا من بيننا يختطفون الشباب في سيارات أجرة؟ لماذا لا يصرخ أحد؟ إنها قيامة خرساء، مكممة !
حسنا إذن، المدينة الآن هادئة، كأننا لم نكن قبل لحظات في مسرح القيامة، دمشق تغير جلدها في رمشة عين، أخبرني مسؤول في المؤتمر أن السيارة بإنتظاري، وأنها مرسلة خصيصا من الرئاسة لتقلني إلى المطار. تجنبت النظر لوجه السائق، الذي كان في غاية اللطف، لم أرَ أمامي سوى فزع ذلك الشاب وهو يقف مذهولا وحده ينتظر إنقضاض رجال المخابرات عليه وتطويقهم له بإستسلام تام يوجع بل يدمي قلبك ورئتيك!
فلماذا أتذكر الآن ذاك الشاب وأنسى دمشق؟
الأسد رئيس حرب
كل العالم يحارب في دمشق ما عدا دمشق، كأنها تنجز مهمتها التاريخية المنوطة بها: «ما في حدا لا تندهي ما في حدا»! فهل تستغرب أن يصرح حليف للنظام السوري بما يدين النظام من حيث يدري ولا يدري؟
برنامج «فكر مرتين» على قناة «أو تي في»، إستضاف العميد المتقاعد إلياس فرحات، وجبران عريجي، رئيس الحزب السوري القومي الإجتماعي سابقا، في حلبة نسائية ناعمة، نسيت فيها شرلي المر إسم ضيفها وإكتفت بتكرار «الجنرال» على مدار البرنامج حتى إختلط علينا أمره فظنناه الجنرال إياه الذي طار إسمه من ذاكرتنا، ولم يتبق منه سوى رتبته!
أما جبران عريجي فمتحدث ماهر، ومتمرس بترويض الحدث بأسلوب بسيط وعميق تشحذه المعرفة وسرعة البديهة التي يصطاد بها مشاهده، بخفة لغة، لا تخذله إلا عندما يستغرق بها إلى أن تسيطر عليه تماما فتخرج من سيطرته لتكشف لك ما أراد أن يخبئه فيها، وهذا ما حدث عندما إعترف بأن الدول المتآمرة على سوريا وتحديدا أمريكا يهمها الإبقاء على الأسد في هذه المرحلة، لأنه رئيس حرب، فإن كان ما يحدث في الشام تآمرا، فهذا يعني أن الأسد جزء من تلك المؤامرة يا عريجي، وأنه ينفذ مهمة كلفه بها من يفترض أنه عدوه، الذي يدمر وطنه، بالتالي هو شريك بالجريمة بكامل إرادته وعن سبق إصرار، في ذات الوقت الذي يبقي عليه حلفاؤه كأداة للجريمة… وفي الحالتين لن يخرج الأسد من كبوة عريجي سالما، مهما قلبت المعنى، فالحقيقة ستظل واحدة، وهي في وجهيها مرآة لصورة ذاك الشاب الذي لم يزل متسمرا في مكانه مذعورا في الفقرة الأولى من هذه المقالة، لأنها تدور الدوائر !
تلفزيون فلسطين وحماس: شر البلية!
كلما شاهدت تلفزيون فلسطين أدركت صحة المثل الفلسطيني: «الولد العاطل بجيب لأهله المسبة»، حتى أنك لتستحي من متابعته، ليس لأنه يخدش الحياء بقدر ما يهين الكبرياء، وهذا لعمري أشد بلاء !
عندما تصبح حماس هي العدو الأول والأخير لتلفزيون السلطة، وتصير إسرائيل شريكا للسلام، فهذا يعني أن فلسطين تخرج من القمقم الإسرائيلي لتدخل في حفرة الإنهدام الوطنية، وأن القنافذ الفلسطينية التي تقاتل سلالتها بتقاذف الأشواك، لا يمكن لها أن تقتدي بطبائع القنافذ الحيوانية التي تضم بعضها بعضا وتتحمل الوخز كذريعة للإستدفاء في مواسم الصقيع.
حسنا إذن، ماذا عن حماس؟
تخيلوا أن رجالاتها يخوضون حربا أخرى مع عباس، ليست حرب مقاومة ومفاوضات هذه المرة، يا حسافة، ولا هي حرب تبادل أدوار، لأن (القط حج سبع حجات وما بطل قنصاته)، فلن نتوقع من عباس مثلا أن يصاب بعوارض غيرة وطنية، توقظه من غيبوبة أوسلو، على خطاب مقاوماتي، فهذا من سابع المستحيلات، ولم يتفوق عليه بالإستحالة سوى حماس التي جعلت من المستحيل ممكنا وهي تقاتل عباس لتفاوض إسرائيل بنفسها فلا تسمح له بإختطاف المفاوضات منها، طالبة أن يطلق يديها على طريقة: سيب إيدي ! فأين السؤال؟
كانت الحرب الأهلية في فلسطين قد أطلقت شرارتها حين أجريت لقاء مع فنان فلسطيني – لبناني، ناج من مذبحة «صبرا وشاتيلا»… وقد سألته لماذا يصرعلى لبنانيته وأين هو من فلسطينيته؟
أجاب: لقد قررت أن أخرج فلسطين مني، أغلقت علي الأبواب، وجلست لساعات أبكي وأشهق… كما لم أبك في حياتي كلها، وعندما إنتهيت، خرجت، معافى من نسياني!
لن نطلب من هؤلاء أن يمارسوا البكاء كعادة سرية وراء الأبواب، كل ما نريده منهم ألا يضعوا في عيوننا حجارة مسحورة، كي لا نفقد ذاكرة البكاء !
الإبراشي وهز الرأس
مسكين جورج إسحاق – مقرر لجنة الحقوق السياسية والمدنية في المجلس القومي لحقوق الإنسان، أشفقت عليه لشدة تماسكه وكظم غيظه وعفوه، وهو يتعرض لحملة إعلامية شرسة في العاشرة مساء، تشبه حملة اللوبي الصهيوني ضد الإعلامية الأمريكية هيلين توماس رئيسة قسم البيت الأبيض في وكالة «يونايتد برس إنترناشونال». ولكنني أعجبت باتزانه وتغييره لأسس الحوار الرديح في إعلام المباركية، بحيث أحرج محمد عبد الوهاب ووائل الإبراشي حين رفض مجاراتهم بالزعيق وتشمير الأكمام، وأصر على الإختلاف النظيف وقبول الآخر بلا توجيه إتهامات بالخيانة والعمالة، فظل قابضا على رقيه وذكائه بحس وطني ملتزم وحريص على عدم الإنجراف إلى وحل الشتيمة والمرمطة، ليضحك تارة ويبتسم أخرى، ويهز رأسه أو يكتفي بشكر من يختلف معه، وبإحترام رأيه، والمطالبة بتفهم اقتراح المجلس بتأجيل الحكم بالإعدام على قيادات الإخوان لثلاث سنوات حرصا على إمتصاص الغضب الشعبي وتخفيف الضغوط الخارجية عن مصر .
التناقض بدا واضحا لدى الطرفين، فالأبراشي وجبهته يطالبون بالردع الفوري مدعمين موقفهم بإتصالات هائلة إنهالت على البرنامج تخون إسحاق، وتسبه، دون أن يرد عليها، مكتفيا باستنكارها وغياب الرأي الآخر عنها، موحيا بل مصرحا بقصديتها، ومشددا أنه يحترم القضاء ولا ينحاز للإخوان بل يراعي الفترة الحرجة التي تمر بها مصر، وكأنه يلمح بتحديد السنوات الثلاث كمهلة لحين إنتهاء الفترة الرئاسية للسيسي، وفي هذا ما يثير علامات الاستفهام؟
ثم يتمادى في التناقض حين يستنكر عدم تنفيذ حكم الإعدام بمبارك وشلته وتبرئتهم، وعدم إستقبال أية إتصالات من أسر شهداء ثورة يناير/كانون الثاني، في حين يرد الإبراشي عليه بما يناقض به نفسه حين يستنكر عدم مطالبة إسحاق بتأجيل تنفيذ الإعدام بحق مبارك !!
ترك إسحاق البرنامج بأدب وهو يعتذر لسعيد عفيفي والد شهيد رفح، متفهما غضبته، ومصدقا لها، ليترك وراءه برنامجا مطاطا يستهلك الوقت والفكر والأعصاب، ويوسع الفجوة بين أبناء الوطن الواحد، وهو يقفز فوقها بأقدام «زمبركية».. ثم لا يترك أي أثر سوى الدم المحتقن الذي ينهمر من رصاصة كاتمة للجرح !
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر