كمين الدولة في المقطم: أسئلة وتحولات

يعتبر الكمين، وفي رواية أخرى أكثر شيوعاً «اللجنة»، أحد مظاهر السلطة الأمنية في مصر، فالحواجز التي تحيطها سيارات الشرطة وتسأل بصورة اعتيادية وأحياناً أتوماتيكية ركاب السيارات ومن يستقلون المواصلات العامة عن بطاقاتهم الشخصية تثير مشاعر مختلطة من الخوف والامتعاض والارتباك والاستياء لدى من يجدونها في طريقهم، فالضباط على هذه الكمائن لديهم الصلاحية الكاملة في إلقاء من لا يمتلكون بطاقات شخصية لسبب أو لآخر، وأصحاب المظهر المريب أو غير المتوافق مع «كتالوج» القائمين على الكمين في سيارات «البوكس» ليصبحوا في مهب مزاجية رجال الأمن، ولكن الصورة ليست دائماً سلبية إلى هذه الدرجة، فالحواجز الأمنية ضرورية ومطلوبة في مدينة مترامية ومتسعة ومزدحمة مثل القاهرة، كما أنها تعد ضمن المظاهر المقبولة لهيبة الدولة على الرغم من كل التجاوزات التي تحدث من رجال الأمن.
تأسيساً على هذا الواقع يعتبر الاعتداء على كمين المقطم والذي أسفر عن ثلاثة شهداء من رجال الأمن في مطلع الشهر الجاري نقلة نوعية في التطورات الأمنية المتسارعة في مصر، فالضربة حملت نبرة التحدي المرتفعة وطريقة التنفيذ التي أمطرت رجال الأمن بالرصاص من سيارتين استخدمتا في الهجوم تعد تحولاً خطيراً وغير مسبوق، فبعد أن أصبحت الاعتداءات في سيناء مجرد خبر عابر واكتسب المصريون المناعة النفسية والعصبية تجاهه تأتي حادثة القاهرة لتشعرهم بأن السؤال الأمني يطل برأسه ليتفقدهم في القاهرة، والضربة لم تكن في منطقة نائية أو متطرفة أو عشوائية، ولكنها حدثت في منطقة مؤثرة تشهد أساساً كثافة أمنية مرتفعة وعلى مقربة من التجمع الخامس الذي يكتسب أهمية كبيرة بوصفه الرئة الجديدة للمدينة وبما يجعل موقع العملية مؤثراً يمس طريقاً استراتيجياً.
الكمين كان متحركاً حسب الروايات الواردة من القاهرة، وهو ما يجعل عملية استهدافه أكثر تعقيداً من الناحية اللوجيستية، والاستجابة لتطويق المعتدين لم تحدث من المراكز المحيطة بالمنطقة، وهو الأمر الذي أدى إلى هروبهم والابقاء على العديد من الأسئلة مفتوحة أمام الأمن المصري والرأي العام الذي ما زال يعيش صدمة هذه العملية والتي تختلف شكلاً وموضوعاً عن العمليات الأعنف التي تعرضت لها مصر سابقاً، فالضربة وضعت الأمن في موقع الند للند ووجهاً لوجه مع الإرهاب الذي اعتاد على المغافلة أو استثمار مواقعه التقليدية في المناطق البعيدة في سيناء.
لماذا يفشل الأمن في مصر في العمل على تحقيق تقدم كبير على صعيد السيطرة على الضربات المتلاحقة، ولماذا يتحول الإرهاب إلى كابوس يطارد حالة الاستقرار التي يراهن عليها المصريون ويسعون للمحافظة عليها؟
أتى انتقال الرؤية الأمنية من المواجهة الاستراتيجية التي وصلت إلى ذروة فاعليتها مع نهاية التسعينيات ومراجعات تنظيم الجهاد إلى خانة الفعل التكتيكي الذي اصطبغ به الأداء الأمني الراهن ليترك الكثير من الفراغات المفتوحة والواسعة أمام الفكر التكفيري الذي تغذى أيضاً بنزعة انتحارية بتجييش المجتمع ضده ليدفعه إلى وضعية القتال وظهره إلى الحائط دون ترك مساحة للمناورة أو باب مفتوح للتراجع سواء المشرف أو غير المشرف، فعملية الإعدام الأدبي التي قادتها أجهزة الإعلام جعلت الانتحار الفعلي مسألة تحصيل حاصل بالنسبة لكثير من معتنقي الفكر المتطرف، وبجانب ذلك الإصرار على الحسم بمفهومه العسكري وليس الأمني، كلها عوامل كان من شأنها قطع الطريق على الاحتواء الحذر الذي جرى تطبيقه في نهاية التسعينيات.
الحرب على الأشباح يمكن أن يصلح عنواناً للعنف في مصر، فالتيار الديني بمختلف أطيافه جرى دفعه للعمل تحت الأرض من جديد ليستخدم الكتل البشرية الهائلة في العشوائيات أو تجمعات المنسيين في الصعيد وسيناء للاختباء بعد أن تحصل على فرصة لممارسة الطموح بالظهور والقيادة وجني الثمار الأمر الذي أدى إلى تشكل معالم «رأس» يمكن مفاوضته ومناورته وحتى السيطرة عليه، وعملية التطهير والتعقيم التي خاضتها الأجهزة الأمنية بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي عملت على تهشيم الرأس المتشكل والواضح والقريب تركت للأسف أطرافاً دون عقل أو رؤية تتحرك بصورة عصابية وانتقامية.

هل هذه دعوة للمهادنة؟

بالقطع لا يمكن مطالبة الدولة، أي دولة، بمساومة الإرهابيين أو التساهل معهم، ولكن يجب أن تتفهم الدولة، أي دولة مرة أخرى، أسباب العنف وروافده في المجتمع، فالدول العربية، وبعد المحنة الإنسانية التي تجري فصولها بدموية ووحشية في العراق وسوريا، جميعها تقريباً من الدول المصدرة للإرهابيين والمتطرفين، وهم ينتمون لظروف موضوعية قائمة في كل دولة مصدرة، والأمر لم يعد يتعلق بخلايا ثورية كما كان في الستينيات والسبعينيات، ولكن في إزاحات واسعة تدفع بعشرات الآلاف من المتطرفين للدخول في الحلقة الملعونة من السلوك الانتحاري والانتماء لثقافة الموت، والفرق بين تلك المرحلة أن السعي نحو تقديم الذات وكل مرفقاتها من مستقبل ومشروعات وأحلام في قضية كان يمثل سعياً وتطلعاً، بينما الحركات المتطرفة، تتقدم في عماء مطبق يحركه الفكر الخلاصي والهروبي والإنكاري، والحديث ينصرف عن الأدوات من الشباب دون العقول المدبرة وأصحاب النظرية. أزمة الحركات الإسلامية المتطرفة أنها تمكنت من جني الثمار في الصراع بين البديل الإسلامي البرغماتي والدولة العميقة التقليدية، واستطاعت بصورة مستغربة أن تستثمر التكنولوجيا وأن تتخلص من أدوات العمل البيروقراطي وأن تقوم على أساسات تقنيات التواصل المتشابكة بدلاً من النظام الهرمي الاعتيادي، وهو ما يجعل التعامل معها يتطلب أيضاً تقنيات مختلفة وربما رجالاً مختلفين. من يقولون بالمواجهة الفكرية لتجفيف منابع الإرهاب يتناسون أنهم لا يتملكون من يستطيع أن يطرح الحوار على الجهة الأخرى، أن يفكك استنادات المتطرفين الفكرية ونقدهم للأوضاع الاجتماعية والسياسية التي تأتي تحت يافطتهم التي تنادي بالعودة إلى الأصول التي يفترضون نقاءها الكامل، والأخطر من ذلك صلاحياتها التامة للتحديات المعاصرة، ومن يستطيع أن ينزل لأرضهم على المستوى العقائدي والعملي، ومن يمكنه أن يتحدث لغتهم ويتعامل مع منطقهم، فأي إعلام يمكنه أن يتصدى لهذه المهمة بالوضع الراهن للإعلام العربي ككل، والإعلام في مصر وحده، وأي مؤسسات تقليدية مثل الأزهر أو غيره يعتبر نموذجاً لحالة الفراغ الكبيرة على مستوى مواجهة المشكلة من جذورها.
بعد حادثة كمين المقطم يبدو أن الوقت أصبح برسم النفاد قبل وجود بوادر تحركات فعلية وواقعية من أجل مواجهة مخاطر الإرهاب التي لا تقتصر على الفراغ الأمني ولكن على ما تفقده الدولة من إمكانيات وفرص في حرب لا طائل من ورائها وقت يبدو أنه لا الإرهاب يمكنه أن يقوض الدولة من جهة، ولا الدولة يمكنها أن تجتث الإرهاب من جذوره بصورة كاملة ومبرمة.
كاتب أردني

كمين الدولة في المقطم: أسئلة وتحولات

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية