كيف تغلبت برامج التوك شو المصرية على المحطات العربية الأخرى؟

حجم الخط
1

■ يلاحظ كل متابع للإعلام العربي الحرب الإعلامية الشرسة الناشبة منذ مدة بين بعض القنوات العربية الفضائية وبرامج التوك شو المصرية، التي تشن عادة حرباً إعلامية شعواء على كل قناة إعلامية تصف ما حدث في مصر في الثلاثين من يونيو/حزيران 2013 وما تبعها من سيطرة الجيش المصري على الحكم في الثالث من يوليو/تموز 2013، بالانقلاب العسكري وليس بالثورة.
في الحقيقة لا يمكن تسمية هذه البرامج ببرامج «توك شو» لخلوها من خصائصها المتعارف عليها؛ فهي في الغالب خالية من الحوارات التي تميز برامج التوك شو، ولا وجود لتبادل الآراء فيها، ولا تتمتع حلقاتها بوحدة موضوعية. وعند تأملها يرى المرء أنها أقرب إلى الخطب المنولوجية الاستعراضية منها إلى التوك شو؛ فنجومها يختارون عادة موضوعين إخباريين أو ثلاثة يجري تداولها في الأخبار التلفزيونية أو الصحافية في ذلك اليوم، ليعالجوها بمفردهم ـ في الغالب ـ لعدة ساعات متواصلة، متخذين منها موقفاً واضحاً وجلياً، إما رفضاً ومحاربة، وإما قبولاً ومساندة، مستخدمين جميع الألفاظ اللغوية والتعابير الجسمية الاستعراضية لتجييش مشاهديهم من الشعب المصري ليذهبوا به في الاتجاه الذي يريدونه.
لبرامج التوك شو المصرية خصائصها الاستثنائية التي تميزها عن بقية البرامج الحوارية للمحطات العربية الأخرى. وهي خصائص أثبتت نجاعتها في تجييش شريحة لا بأس بها من المصريين حتى الآن، وربما من الحكمة الالتفات إليها حتى تتمكن القنوات الأخرى المهتمة بالشارع المصري من إيجاد محط قدم لها فيه:
من أهم مميزات برامج التوك شو المصرية أنها تتفق جميعاً على استخدام اللهجة المصرية بخصائصها وتعابيرها المميزة في مخاطبة الشارع المصري. وهي تعابير لغوية خاصة لا يكاد يفهمها إلا المصريون في مخاطبتهم لبعضهم بعضاً. إن استخدام مقدمي تلك البرامج للهجة المصرية العامية بتعابيرها الخاصة قربهم من قلوب مستمعيهم ومكنهم من السيطرة عليهم والتحكم بعقولهم. فاستخدام اللهجة المصرية يبعد عن المصريين حالة الاغتراب، التي يمكن أن تتملكهم عند سماعهم للهجة أخرى تتحدث عن أوضاعهم وأخبارهم. من أمثلة ذلك ما قاله توفيق عكاشة في برنامجه «مصر اليوم» عن الشخص الذي يضع بلسماً على شعره بقوله:»حاتط (واضع) كيماوي على شعره!»، معللاً ذلك بأن هذا هو التعبير الذي يستخدمه الفلاحون وليس «أهل البندر». إنهم بهذه اللغة يكونون أقرب إلى الرجل المصري البسيط بصورة لا تحلم بها أي محطة عربية أخرى.
كما يركز مقدمو برامج التوك شو المصرية على بث رسائل تدغدغ مشاعر المواطن المصري الوطنية. وهي رسائل تتناسب مع العقل الجمعي المصري المعروف بحبه الشديد لبلده. فكل من لا يصغي إليهم ويتبع وجهة نظرهم، يتهمونه بمصريته وبعدم إخلاصه لبلده. وهذا أمر يجد صدى عند المصريين، الأمي منهم والمتعلم. وهو قريب لما كان يعتقده وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز الذي قال يوماً:» لقد تمكنا من السيطرة على الشعب لأننا فهمنا لغة الشعب»، فاستغلال النازيين حب الألمان لعرقهم، جعلهم يجدون اللغة المناسبة لمخاطبتهم، ومكنهم من السيطرة عليهم وتوجيههم كيفما شاءوا. فكل محاولة من القنوات العربية الأخرى لمهاجمة السياسات والمؤسسات المصرية ـ بغض النظر عن طبيعتها ـ تُفهم على أنها تجريح للمصريين كلهم، فيقفون مع مؤسساتهم حتى إن لم يكونوا هم أنفسهم راضين عنها.
من الواضح أن مقدمي برامج التوك شو المصرية يعرفون تماماً الشريحة الاجتماعية التي يخاطبونها من المصريين، ولا يجدون غضاضة في توجيه رسائل صريحة لها على الهواء مباشرة. وهي شريحة المواطنين البسطاء من المصريين وفئة الفلاحين والنساء على وجه الخصوص. ففي حلقة له خاطب توفيق عكاشة فلاحات مصريات بأسمائهن صراحة حينما قال:»ماخده بالك يا خالة سعدية؟» أو «يا صباح، وفتحية وسنية وسعدية! فهمين الكلام إللي أنا بقوله؟ واحنا طلعنالكو بدري على شان اللي بدها تسرح على الغيط تسرح بدري…»، عندما يعرف مقدم البرامج الحوارية الفئة التي يخاطبها، عندها لا يجد صعوبة في إيجاد اللغة المناسبة في مخاطبتها. وهذا أمر لا تتمتع به الكثير من برامج القنوات الأخرى.
ومن مميزات برامج التوك شو المصرية أيضاً وجود خطاب موحد يجمعها كلها، ومن النادر أن تهاجم محطة مصرية محطة مصرية أخرى. إحدى نتائج هذا الأمر أن المشاهد المصري يسمع الخطاب ذاته بغض النظر عن المحطة التي يشاهدها، وبالتالي تصله الحقيقة الإعلامية عوراء، وهو يظن أنها سليمة، لغياب الصورة الأخرى المغايرة لما يراه ويسمعه.
وهذا الأمر لا ينطبق على كلام مقدمي برامج التوك شو فحسب، بل أيضاً على تصريحات ضيوفهم، بعكس سياسة القنوات الإخبارية الرزينة القائمة على مبدأ القطبين وأخذ رأي الطرف الآخر بالحسبان. وهــــي ســياسة نزيهة ومهنية إلا أنها لا تخلو من أعراض جانبية سلبية.
فالسماح للرأي المخالف بالظهور يفتح المجال لوجود المعلومة المضادة. فالمعلومة الإخبارية الصحيحة التي تستهلك الكثير من الوقت والجهد للعثور عليها ونشرها بين الناس، تعرقلها المعلومة المضادة وتحد من فاعليتها وتوقع المشاهد في حيص بيص. فلا يعد يعرف من يُصدّق ومن يُكذب، خاصة عندما تعتمد القناة بكثرة على الحوارات والمقابلات الإخبارية بصورة خاصة، مع التقليل من التقارير الإخبارية المحكمة الصنعة.
من الواضح أن الصدقية والمهنية الإعلامية ـ علاوة على الأخلاق الحميدة ـ لا تلعب أي دور لدى بعض مقدمي برامج التوك شو المصرية. فلا يجدون غضاضة في نشر الأكاذيب عن خصومهم والتصيّد لأخطائهم وتلفيق التهم لهم أو توجيه الشتائم واستخدام الألفاظ النابية لتحقير خصومهم. وهو أمر لا يمكن أن تجاريهم فيه القنوات العربية الرزينة، لاعتمادها الكلي على مهنيتها وصدقيتها. إلا أن هذه القنوات وقعت في فخ الدعاية الشرسة لبرامج التوك شو المصرية، وأصبحت تنقل عبر شاشاتها الخاصة ما يقوله مقدمو تلك البرامج لمشاهديها هي في العالم كله، فبعد أن كان كلامهم يصل للمصريين وحدهم، أصبح كلامهم يصل إلى العالم كله بفضل تلك القنوات. فقدمت هذه القنوات العالمية دعاية مجانية لمقدمي برامج التوك شو المصرية، وعملت على نشر تجريحاتهم ومسبّاتهم لها بين مشاهديها. وهذا بتصوري أكبر خطأ وقعت فيه القنوات المتنافسة على الشارع المصري، وهو في الوقت نفسه أقصى نجاح يمكن أن تحققه برامج التوك شو المصرية.
أرى بأن أفضل السبل للتغلب على برامج التوك شو المصرية هو الكف عن الانشغال بمحاربتها والتركيز على دراسة رسالتها الإعلامية جيداً، ومن ثم وضع استرتيجية إعلامية تسحب البساط من تحتها وتنزع الشارع المصري منها. أما الانشغال بمحاربتها فسيلهي تلك القنوات عن مواضيع أهم، ويرفع من شأن مقدمي برامج التوك شو تلك، وهو بالتأكيد آخر ما تريده المحطات العربية الرزينة.

٭كاتب فلسطيني

د. فايز شاهين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية