كي مون… بوكوفا واليونسكو والتماثيل المهشّمة

حجم الخط
0

انتقاد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وحزنه لتبني «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» (اليونسكو) قراراً يعتبر الأقصى تراثاً إسلامياً خالصاً، ينم عن خوفه الشديد من الصهيونية وتمثيلها السياسي الإسرائيلي، ورعبه من الولايات المتحدة وحليفاتها الغربيات.
وكان الأربأ بالأمين العام للمنظمة الدولية أن يقف موقفا حياديا من قرار اتخذته منظمة تابعة للهيئة الدولية. ربما لم يدرس بان كي مون حقائق تاريخ فلسطين والقدس، ولا يعرف شيئا عن تاريخ الحركة الصهيونية، ولذلك كان أولى به السكوت.
نتوجه بالسؤال لفخامة الأمين العام، ألا يحزنك ضحايا شعبنا بفعل جرائم الكيان الصهيوني بحقه يوميا؟ ألا يحزنك الاستيطان وتهويد القدس؟ هل هذا ما تريده يا فخامة الأمين العام؟ ألا يحزنك رفض إسرائيل تنفيذ أيّ من القرارات التي أصدرتها المنظمة الدولية منذ ما قبل إنشاء الكيان وحتى اللحظة؟ أم أنك أيضا تكيل السياسة بمكيالين؟ بالفعل يستغرب شعبنا وامتنا كذلك كل هذ الحزن الذي أبديته على قرار اليونسكو، الذي جاء منسجما مع ضمائر من صوّتوا لصالح القرار. من ناحية ثانية، فإن التصريح الخطير الذي أدلت به مديرة عام اليونسكو الصهيونية البلغارية ايرينا بوكوفا، التي كادت أن تصبح امينة عامة للامم المتحدة خلفا لبان كي مون، لولا اعتراض روسيا، وتأييدها أن تكون «امرأة» من أوروبا الشرقية في هذا المنصب حتى من بلغاريا، ولكن ليس بوكوفا، هذه الصهيونية، التي يبدو انها وقد اقترب موعد مغادرتها موقعها في العام المقبل، بعد أن استمرّت بإشغاله لدورتين (كل منها اربع سنوات) تُريد استثمار مدّتها في محاباة الصهيونية، علّها لا تفقِد امتيازات وظيفتها الدولية. تقول ايرينا بوكوفا، في رسالة بعثت بها إلى وزير التربية الصهيوني المتطرف وزعيم حزب «البيت اليهودي» المؤيد للاستيطان، بل أن رئيسه يعيش في مستوطنة بالضفة المحتلة: سأعمل على تغيير القرار، ومنع «تزوير التاريخ»، كذلك منع فعاليات وقرارات ضد الساميّة وضد إسرائيل.
أيضا، مع كتابة هذه السطور، تكون «لجنة التراث العالمي» خلال نهاية أكتوبر الحالي قد اجتمعت، لاستكمال ما كانت قد بحثته في اسطنبول، إذ أنه يقع على عاتق اللجنة، تنفيذ اتفاقية التراث العالمي، بما في ذلك النظر في ترشيحات المواقع الثقافيّة والطبيعيّة لدراسة إدراجها في قائمة التراث العالمي، كما تُعنى اللجنة بدراسة «حالة صون المواقع المُدرجة في هذه القائمة». كما يتضمن النظر في الاقتراح المعنون بـ»بلدة القدس القديمة وأسوارها» والانتهاكات الإسرائيلية ضد مدينة القدس والمقدسات فيها. لقد استبق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، اجتماع الدورة الـ 40 للجنة التراث العالمي التابعة للمنظمة، في العاصمة الفرنسية باريس، بإجراء سلسلة اتصالات مع قادة دوليين. وقال أوفير جندلمان، المتحدث بلسان نتنياهو، «إن إسرائيل تعمل على حشد دعم الدول المتحضرة، من أجل منع اعتماد القرارات التي تنكر التاريخ». وأضاف، أن نتنياهو أجرى سلسلة من المحادثات مع رؤساء دول، صوتت على قرار اليونسكو الأخير، وقال له بعضهم إنهم سيغيّرون تصويت دولهم مستقبلا، حسب قوله. معروف أن المشروع (الذي ستجري مناقشته) يطالب الكيان بإتاحة العودة إلى الوضع التاريخي الذي كان قائما حتى سبتمبر 2000، «إذ كانت دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية، هي السلطة الوحيدة المشرفة على شؤون المسجد»، كما يطالب إسرائيل بوقف انتهاكاتها بحق المسجد، مؤكدا أن تلة باب المغاربة، هي جزء لا يتجزأ من المسجد الاقصى، ويرفض الإجراءات الإسرائيلية لتغيير ملامحه. هل عرفت فخامة الأمين العام كيف يتحايل الكيان الصهيوني على قرارات الأمم المتحدة وهيئاتها؟ تماما مثلما قام ويقوم بتزوير التاريخ؟
بالنسبة للجزء الثاني من العنوان، فهو ليس أحجية ولا لغزا، وإنما سيتضح المعنى من السرد. قرأتُ في أواسط ستينيات القرن الماضي كتابين قيّمين للكاتب العربي المصري المرحوم رجاء النقاش. الكتابان بعنواني «تأملات في الإنسان» و»التماثيل المكسورة». لشد ما أذهلني الكاتب حينها، في وعي تعمقه في عقول الناس. ولأن الكيان هو سبب بلائنا كشعب وأمة، وسيظل البلاء طالما بقيَ، حُرق الكتابان من جملة مكتبتنا في عملية هدم بيتنا في قلقيلية مباشرة بعد عدوان الكيان الصهيوني على ثلاث دول عربية عام 1967. للأسف لم أتدبّر الكتابين حتى اللحظة رغم بحثي الشديد عنهما ولكنني وجدتُ نتفا منهما على الإنترنت وما بقي في الذاكرة بوجه عام. يقول الكاتب في مقدمته لـ تأملات: «الانسان كبحر عميق، يحوي من الأسرار، ومن الاشياء ما يحوي.. وكلما ذهبت فيه إلى الأعمق، رأيت ما يدهشك. وهكذا هي النفوس البشرية، كلما ذهبت إلى أعماقها لفهمها، زاد الغموض حولها، سواء أكانت النفس طيبة أو شريرة أو أمّارة بالسوء». مناسبة الحديث، هو ما يراه مطلق إنسان منا جميعا من أعداء للنجاح يوميا. ترى نوعا من الناس، يعادي التفوق، ويخاف خوفاً عميقاً من أن يرى شخصاً يتمتع بموهبة لامعة. هو حتى لا يحب أن يرى تمثالاً تنظر إليه العيون بإعجاب، وتلتف حوله القلوب بأعمق ما فيها من عاطفة، ولكنه يستريح تماماً إذا تحطم هذا التمثال ورآه مجموعة متناثرة من الأحجار. إن تمثال فينوس الجميلة الساحرة الكاملة يضنيه، ولكن منظر فينوس ذات الذراع المكسور يريحه لعل ومن حقائق الحياة المؤلمة، أن الشخص الممتاز نفسه يتيح الفرصة لمثل هؤلاء باتخاذ هذا الموقف، فهو غالباً ما يكون منصرفاً إلى الأشياء الجوهرية في الحياة، ولا يسمح لنفسه أن تهتم بالأشياء الصغيرة والتافهة. لقد مات سقراط (أبو الفلسفة) محكوماً عليه بالإعدام، ولم يسارع إلى علاج المشكلة بحكمة وبراعة، لكنه على العكس واجه الاتهام بقوة، حين ظنّ أن المشكلة معه فكرية ولما تبين له العكس، شرب السم ومات. هذا نفسه ما حدث لجان دارك، فقد حوكمت، وأحرقت، بعد أن قادت فرنسا إلى النصر. لقد كانت صادقة صريحة، تقول للمخطئ (في عينيه) أنت مخطئ، ولذلك لم يحتملها قادة زمنها. لقد كان امتيازها عبئا عليهم، وخطرا يهدد وجودهم، ونقدا دائماً لهم. أحرق أبو حيان التوحيدي (الفيلسوف المتصوف والأديب البارع) كتبه في بغداد عندما لم يجد من يقدر مواهبه. أما أحدث ما شهده الوطن العربي من حرق الكتب وتدمير المكتبات فكان على يد الآلة العسكرية الصهيونية. ففي عدوان عام 2006 على لبنان، قام بتدمير مراكز طبع الكتب ونشرها، إن في جنوب لبنان أو ضاحية بيروت الجنوبية. كما عمد عن قصد وسبق إصرار على تدمير المكتبات على اختلاف أنواعها ما أدى إلى حرق عشرات الآلاف من الكتب الورقية والكتب الإلكترونية. وقد دمر ما نسبته 70% من المطابع ودور النشر اللبنانية آنذاك. كل ذلك نتيجة العداء للنجاح.
آن الأوان لندرك بالفعل، كيف يعيش الإنسان فى سلام مع نفسه، وفي سلام مع الناس، وما هو الطريق إلى ذلك ؟ وما هي العقبات التي تقف في الطريق؟ وكيف يتصرف المهزومون في معركة الحياة وكيف يتصرف المنتصرون؟ علينا أن نعي ما هو الأمل، وما هو التفاؤل، وما هو التشاؤم، ما هو الأسى، وما هو الفرح؟ هناك حقيقة مهمة، تلك التي عبّر عنها أحد المفكرين قائلا: ان الرضا الشخصي ينبع من هدف يخرج عن نطاق شخصية الفرد مثل العمل، مثل الإيمان بشيء، مثل محاولة تربية الشخصية وجعلها نافعه. كما أن الفشل ليس نهاية الحياة، بل هو تجربه مفيدة يجب أن نخرج منها بنتيجه لنصل بتجاربنا الجديده إلى شاطئ النجاح. يقول رجاء النقاش في تأملاته: «إن لذة الفشل ساحرة، خاصة عندما يتجاوز صاحبها كل الصعاب في طريقه، متسلحا بالإرادة، منتصرا على أسباب الإخفاق. يرى الدميم في الجمال تحدّياً له، والغبي في الذكاء عدوانا عليه، وأسوأهم الفاشل عندما يرى في نجاح الآخرين ازدراءً لشخصه وتهديدا لاستمراريته». قديما قال أحد حكماء التبت بما معناه، «أن كل إنجاز يتطلب نسبة من المجازفة، وأن الإنسان إذا خسر، فهو لا يخسر كل شيء، لأنه يتعلم دروسا». لن يضل الطريق مطلق إنسان، إن تمسك باحترام الذات ثم احترام الآخرين وتحمل مسؤولية كل ما يفعل، شريطة ألا يعطي بالا لكل أعداء النجاح ومهشمي تماثيله.
كاتب فلسطيني

كي مون… بوكوفا واليونسكو والتماثيل المهشّمة

د. فايز رشيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية