يقول الراوي يا سادة يا كرام إن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عندما استفاقت من سباتها الذي يشبهه البعض بسبات أهل الكهف، اكتشفت أن المصالحة بين حركتي فتح وحماس لم تتحقق، وأن الانقسام بين شقي الوطن أو بقاياه، لا يزال قائما.
اشتاطت غضباً وارتأت أن الوضع لم يعد يحتمل، وأنه لم يعد بمقدورها البقاء نائمة أمام هذه المهزلة التي لا تفيد سوى العدو، وقررت التحرك والدخول على خط المصالحة بدون مماطلة أو إضاعة مزيد من الوقت.
«ليه يا جماعة فتح وحماس».. تقلقون اللجنة التنفيذية للمنظمة، وهي التي لم تحاول قط أن تزعجكم.. وتركتكم على راحتكم كل هذه السنين.. تركتكم تجتمعون وتلتقون.. تتفاوضون وتتراشقون بالكلام.. وتلتقطون الصور التذكارية وتتبادلون الابتسامات.. ثم تتبادلون الاتهامات يمينا ويسارا، أحيانا من العيار الثقيل والثقيل جدا، ولم تتدخل.. كانت «كافية خيرها شرها» كما يقول المثل.. حرام عليكم.. هل خلت قلوبكم من الرحمة.
8 سنوات تقريبا مرت على الاقتتال والانفصال والانقسام الفلسطيني المؤلم، لم تعد المنظمة على ما يبدو، تحتمل هذه الصورة المهشمة للوضع الفلسطيني، أو التزام الصمت إزاءها، فصممت على الأمساك بزمام المبادرة. . فتفاءلوا يا سادة يا كرام خيرا بما سمعتم وقرأتم، فقد تنجح المنظمة في ما فشلت فيه كل الأطراف المحلية والعربية وحتى الأقليمية في حل المشكلة.
لكن حتى لا تطول الفرحة وتصدقوا ما تسمعون، فإن كل ما قيل عن قرار عدم السكوت ليس إلا مجرد زوبعة في فنجان وتهديد ألقت به المنظمة ولجنتها التنفيذية، الكرة في ملعبي فتح وحماس لتقول، «اللهم أنني جربت.. اللهم أنني حاولت»، وتعود مجددا إلى سرير الإنعاش الذي لا تستطيع فراقه طويلا لحاجتها إلى اجهزة التنفس الاصطناعية التي تبقيها على قيد الحياة.
أسابيع مرت والحديث جار عن قرب زيارة وفد المنظمة لقطاع غزة. . اليوم. . لا بكرة، ويمكن بعد بكره.. تأجلت الزيارة لضمان نجاحها.. لا لا.. هناك خلاف على تسمية الوفد، وفد منظمة أم وفد فصائل.. حماس تنفي اي تنسيق بشأن زيارة الوفد لكنها رحبت بخبر قدوم الوفد.. الجبهة الشعبية تتهم رئيس الوفد، مسؤول ملف المصالحة في اللجنة المركزية لحركة فتح، عزام الاحمد، بفرض تصوره ومواقفه على كل أعضاء اللجنة.
فتح ترد عليها بهجوم على «قد المقاس». . اللجنة أو عضو في اللجنة يصرح بأنه اُتفق على أن يقوم الأحمد بالتوجه إلى القاهرة للقاء نظيره في حماس لترتيب برنامج الزيارة. مسؤول آخر يقول إن الاحمد سيهاتف ابو مرزوق للاتفاق على لقاء القاهرة. . أبو مرزوق يقول ألا احد اتصل به، ولكنه لن يمانع أي لقاء.
الاحمد يغادر رام الله إلى العاصمة الأردنية عمان، استعدادا للسفر إلى القاهرة، الأحمد يصل إلى العاصمة المصرية.. اللقاء كما تفيد التقارير لم يتم وفشلت محاولات الأحمد في الجلوس مع أبو مرزوق، والسبب حسب مصادر في حماس، هو أن مصر لا ترغب بذلك لأن هذا اللقاء قد يتسبب في إحراجها، خاصة أن بعض إعلامييها المأزومين يحملون حماس مسؤولية العمليات الإرهابية في سيناء، وهي التي نفت اي علاقة بها لا من قريب أو من بعيد، بل أدانتها. . وأن ما جرى بين الأحمد وأبو مرزوق كما تقول المصادر كان مجرد اتصال هاتفي.
«على مهلكم علينا.. شوي شوي.. خلونا نفهم» عزام الأحمد، ليس عضوا في اللجنة التنفيذية للمنظمة؟ فكيف يترأس وفدها.. يعني اصحاب وصف الوفد بوفد الفصائل على حق، لكن منذ متى كانت اللجنة التنفيذية تقود، فهي كانت دوما بحاجة إلى من يقودها، وبحاجة إلى قاطرة تجرها والأحمد (الصديق العزيز شخصيا) هو القاطرة التي ستسحبها إلى قطاع غزة، بالمناسبة والكلام موجه للذين قرروا التدخل لإنهاء الانقسام، لا تفرحوا كثيرا، فهناك خبر سيئ لأعضاء الوفد مفاده أن القاهرة لم تعد مستعدة لاستضافة لقاءات المصالحة وقد أبلغت الاحمد بذلك على حد قول تقارير صحافية، أكدها مسؤول في الجبهة الشعبية، لكنني لم أتأكد منها من الأحمد نفسه، يعني «رايحين تفضلوا محشورين في قطاع غزة».
في كل الأحوال، سواء تم اللقاء بين الأحمد وأبو مرزوق أم لم يتم، وحتى لو افترضنا جدلا أنه تم واتفقا على تفاصيل زيارة وفد المنظمة وأن الزيارة تمت، ولكن ليس هناك ما يضمن نجاح الزيارة في تحقيق مآربها. . لأنه ليس هناك معطيات لنجاح مهمتها. فأي شيء لم يتغير في مواقف طرفي الأزمة، فكلاهما متمترس وراء مواقفه ويلقي على الطرف الاخر مسؤولية إفشال اتفاق مخيم الشاطئ في غزة في ابريل الماضي، الذي لم ينفذ منه إلا بند واحد فقط وهو بند تشكيل حكومة التوافق قبل نحو 8 أشهر، وقع خلالها العدوان على قطاع غزة فزاد مسؤولية إعادة الإعمار على بقية بنود الخلاف التي أصبحت ككرة القدم يتقاذفها الطرفان لإبعاد شبهات المسؤولية.
وحتى الحكومة آلتي حدد لها في الأصل الإعداد للانتخابات التشريعية منها والرئاسية في غضون ستة أشهر، تقف عاجزة عن تحقيق الأهداف التي شكلت من أجلها. . ولا لوم عليها فهي ليست إلا عبدا مأمورا.
المشكلة عندما تستمع إلى أي من الطرفين، تخال ألا خلاف على أي من الملفات اللازمة للمصالحة. .
٭ منظمة التحرير، هناك توافق على إعادة هيكلتها وإجراء انتخابات للمجلس الوطني.. شو المشكلة اذا؟
٭ المعابر، حماس تقول للحكومة تفضلوا واستلموا المعابر. . الحكومة تقول إن أمن الرئاسة يجب أن يتولى أمن هذه المعابر، فيتفضل أمن السلطة.
٭ مطالبة حماس الحكومة بحل مشكلة 40 ألف موظف مدني وشرطي عينتهم حماس خلال حكمها لغزة.
(يونيو 2007- وحتى اتفاق الشاطئ ابريل 2014) السلطة أو الحكومة تقول، يجب أولا عودة موظفي السلطة الذين كانوا موجودين قبل سيطرة حماس على القطاع، والتزموا منازلهم بعد سيطرة حماس، وبعدها يجري بحث موضوع موظفي حماس. وهذه مشكلة يمكن حلها بالتنسيق.
٭ إعادة الاعمار الذي أضيف لاحقا..هناك 5. 4 مليار خصصها مؤتمر القاهرة لإعادة إعمار غزة.. كلام جميل.. ولكن لا أموال قبل تسليم المعابر لأمن السلطة. . ولا تسليم المعابر قبل حل أزمة موظفي حماس.
٭ رفع الحصار، الطرفان يطالبان به، لكن لا رفع للحصار ولا فتحا للمعابر قبل حل الإشكالات سابقة الذكر.
٭ البرنامج السياسي للمنظمة والقبول بحل الدولتين وإنهاء الصراع، اتفاق على حل الدولتين وخلاف حول إنهاء الصراع.
هذه هي نقاط الخلاف التي يجري الحديث عنها في العلن ولا اعتقد انها تحتاج الكثير من النقاش لتسويتها.. ولكن يبقى العائق الرئيس، بل الوحيد في طريق المصالحة، الذي لا يقال بشكل مفتوح وإن قيل فباستحياء وبشكل غير مباشر، ولم يطرح على طاولة المفاوضات على الأقل العلنية، هو الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة، وعلى وجه الخصوص كتائب القسام الجناح العسكري لحماس باعتباره الأقوى والأكثر تسليحا في قطاع غزة.
ففتح تتحدث بمواربة عن وحدانية وشرعية السلاح. . وقرار الحرب والسلم. . ولا تطالب بصــــراحة في نزعه، لأن ذلك من شأنه أن يؤلب عليها الجمهور الفلسطيني.. كما أنها لن تقبل العمل في قطاع غزة تحت رحمة «سلاح المقاومة».
في المقابل فإن قيادة حماس السياسية لن تتجرأ حتى على النقاش في هذا القضية، ناهيك عن القبول بها. وحتى إن قبلت فليس هناك ضامن بأن تقبل به كتائب القسام. . وإلى أن تحل هذه القضية فلن تكون هناك مصالحة.. حاولت المنظمة أم لم تحاول.. ونصيحتي ألا تتعب نفسها وتعود إلى سباتها.. فلا «مصالحة» مع «سلاح المقاومة».
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح