لبنان الذي تضيع فيه «سياسات النقطة»

حجم الخط
0

«ترافضت» المناطق اللبنانية فيما بينها، نقل النفايات المركزية، التي تنتجها العاصمة وجوارها، في إثر إقفال مطمر الناعمة.
تحرّكات الأهالي في برجا والناعمة وعين دارا، ومن البقاع الأوسط إلى عكّار، كانت بالتأكيد ضدّ الإستهتار الحكومي، في بعديه المزمن والراهن. كانت أيضاً ضدّ العلاقة المختلّة بين المناطق، وبين التمركزين الإداري والسكاني في بيروت وحولها، هذه «البيروت» الواقعية، التي هي بالأحرى مجموعة مدن «غير مفطومة» عن بعضها البعض.
يمكن الحديث مثلاً عن «البيروتات» السبع أو الثمانية، (بيروت السنية الجديدة في عرمون والمشرف، الضاحية الجنوبية الشيعية، بيروت السنية جنوب كورنيش المزرعة، الشيعية شماله، رأس بيروت الأكثر اختلاطاً، الأشرفية المسيحية وامتداداتها، برج حمود الأرمنية والكوزموبوليتية، الضاحية الشرقية المسيحية لبيروت من بعبدا حتى نهر الكلب).
المضمر في احتجاجات المناطق على الاستعاضة بإحداها عن مطمر الناعمة القول بأنّّ لبنان ناقص هذه «البيروتات» يحلّ أساساً مشكلة النفايات بما تيسّر: «ليست مشكلته».
يموّه المضمر المقلب «البديهي» الآخر من الصورة: فمعظم سكّان «البيروتات السبع» هم أبناء المناطق غير البيروتية. معظمهم يتوجه في أيّام الانتخابات، نيابية أو بلدية، نحو القرى الجبلية والسهلية والطرفية للإدلاء بصوته، ولا صوت له حيث يدفع الرسوم البلدية، ويشكّل أكثرية السكّان.
العلاقة مختلّة إذاً بين المركز والأطراف. عادي. لكن المركز نفسه مجموع مراكز. والأطراف نفسها تعيش في المراكز. العلاقة ليست مختلّة فقط بين المراكز والأطراف. هي مختلّة بالأحرى بين «الوجودين» المركزي والطرفي للعدد الأكبر من السكّان، كما أنّها مختلة بين المناطق بشكل عام.
أزمة النفايات بهذا المعنى جاءت تذكّر البلد بما يتناساه من فرط «الهواجس الديموغرافية». وهو أن الديموغرافيا نفسها، بل قل الديموغرافي ت المختلفة للجماعات المختلفة، الحسابية منها والمتخيلة، والفصل مستحيل، هي ديموغرافيات تنتشر بشكل مركّب، ومتفاوت، على امتداد المساحة. كثرة الكلام حول الطوائف والطائفية، وحول العدد والتعددية، أضرّت لبنانياً، بالفضاء الذي يعطي حيّزاً وحيثية لكل هذه المسائل: الجغرافيا.
الحركات الاحتجاجية في المناطق أعادت بهذا المعنى الاعتبار للجغرافيا بدلاً من «سياسات النقطة». فالمركز ليس نقطة متجمعة في مكان واحد، أو لا مكان، وكذلك الطرف. الطائفة ليست نقطة مرفوعة عن المكان، كذلك الفرد. سلاح «حزب الله» ليس بدوره يتكدّس في نقطة. كذلك الفساد، فمن الكارثيّ تعيينه في نقطة دراماتيكية، أو مجموعة نقاط رمزية، وهذا يمكن أن ينتهي إلى تكسير واجهة محل على الأكثر. أيضاً بالنسبة إلى حلّ مشكلة النفايات. مطمر الناعمة، وقبله مكب برج حمود، كانا يوحيان بأنّ هناك «نقطة»، ثقب أسود، يمتص كل نفايات اللبنانيين. انقضت السكرة!
لبنان بلد ضيّق المساحة، لكنه ليس قائماً في نقطة، وليس مجموعة نقاط. هناك خطوط، أشكال، مساحات. استعصاء ادارة المشترك العمومي بين اللبنانيين مرتبط.. بهذه النقطة، إلى حد كبير.
لبنان بلد يضيّق على نفسه مساحته الضيّقة. في الحرب، اتخذ ذلك شكل «كانتونات تطهير طائفي»، ما جعل كل اقتراح فدرالي جغرافي لحل مشكلاته في خانة الدفاع عن نفسه، في وقت يحتبس فيه النقاش، ويتمدّد في مؤسساته الموت السريري، على خلفية استفحال «سياسات النقطة». فمن جهة، ثمة «فدرالية الطوائف» المتشابكة في نموذج الدولة المركزية، الدولة اللا جغرافية، «فدرالية النقطة». ومن جهة، ثمة تصورات «تغييرية»، حالمة بدولة مدنية أو لاطائفية، انما على قاعدة «تنقيح النقطة»، ما جعل «التغيير» يجترّ شعاراته منذ عقود مديدة، بلا حيوية شعبية حقيقية تسنده. لأنّ «الناس» بعكس «التغييريين» لا يعيشون في نقطة.
من هنا، أهمية المسار الاحتجاجي الذي حرّره استعصاء حل مشكلة النفايات مركزياً في هذا البلد: «البحث عن نقطة» هو بحث عن استعصاء. لا يمكن وضع النفايات بعد الآن في نقطة، وكذلك الفساد المالي، وكذلك سلاح «حزب الله»… وحقوق المسيحيين، رغم اصرار العماد عون ان حل مشكلة الأخيرة مكانه في نقطة: هو. أو «هو في القصر». الطوائف جميعها، سيتبين بالنتيجة، لن تتبخر زعاماتها، لكنها ستظهر أكثر من ذي قبل بأنها لم تعد تدار من نقطة.
من هنا أيضاً، محدودية الاحتجاج القائم قياساً بالمسار النضالي المتاح. فكل انزلاق إلى تحويل المعركة مع الحكومة، أو مع «النظام»، أو مع وزير فيها، إلى معركة بين نقطتين، والى معركة ساحتها هي في نقطة واحدة، هي هدر للمعطى الحيوي «الثوري» الأساسي القائم حالياً: وهي أن مشكلات اللبنانيين ليست قائمة في «نقاط» بعينها، بل متمددة عبر المساحة. وما يصح داخلياً يصحّ بالنسبة للتدخلات الخارجية: هنا أيضاً، وبعد الحرب السورية أكثر من ذي قبل، لم تعد التبعيات اللبنانية للخارج على أنواعه، محصورة بحسبة نقاط.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية