لبنان: هذي الضجة الكبرى… علاما؟

حجم الخط
6

 

لأن انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان يتمّ عبر مجلس النواب، وفق أحكام الدستور، فإنّ وصول ميشال عون إلى قصر بعبدا كان حصيلة معادلات ذلك المجلس، وتوازناته، الداخلية: الطائفية والمذهبية، أوّلاً؛ ثمّ تلك السياسية والمناطقية، ثانياً. هذا في المقام الأوّل، الذي لا ينفصل البتة عن مقام ثانٍ، لعله أكثر نفوذاً من حيث الجوهر، كان على الدوام جزءاً لا يتجزأ من سيرورة الحياة السياسية في لبنان؛ أي ارتباط الداخل بالخارج، أو ارتهان المعادلات والتوازنات الداخلية بمحاور وقوى وسيرورات إقليمية ودولية.
ومن الخير، بادئ ذي بدء، أن يستذكر المرء حقيقة تاريخية لم تزعزع العقود صحة سريانها على معظم، إن لم يكن كلّ، انتخابات نيابية لبنانية: أنها تتمتع بمواصفات متقدمة، من حيث حرّية الترشيح وخوض الحملات والتصويت والرقابة القضائية؛ ولكنها لا تسفر، عملياً، عن رابح أو خاسر على مستوى التمثيل السياسي، حتى بعد أن تفرز فريق أغلبية وفريق أقلية من حيث الكُتل والأعداد. ومنذ انتخاب فؤاد شهاب، أوّل قائد للجيش اللبناني، رئيساً للجمهورية، خلفاً للرئيس كميل شمعون، في أعقاب الثورة الشعبية لسنة 1958؛ استقرّ الإجماع اللبناني على اعتماد محاصصة بين الطوائف تقوم على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب».
ومن الجلي أنّ هذا المبدأ هو الذي أتاح وصول عون إلى الرئاسة، بالنظر إلى خلطة الأوراق العجيبة التي سبقت انتخابه، سواء على صعيد شخص الرئيس نفسه، وخريطة مواقفه المتقلبة المتغايرة، ولوائح خصومه وحلفائه؛ أو على صعيد المحاصصات السياسية والطائفية التي اكتنفت تلك الخريطة، ضمن الصفّ المسيحي ذاته، أو ضمن التركيبة الدينية والطائفية والمذهبية اللبنانية عموماً. وفي هذا، كان طريفاً ـ رغم أنه لم يكن جديداً، أو مستغرباً ـ أن يقف ممثلا الصفّ الشيعي، «حزب الله» و»أمل»، على طرفَيْ نقيض إزاء ترشيح عون؛ وأن ينتهيا مع ذلك إلى تسهيل انتخابه، عن طريق مبدأ الورقة البيضاء. في المقابل، لم يكن أقلّ طرافة، ولكن دون استغراب هنا أيضاً، أن تتباعد مواقف النوّاب السنّة والدروز والمسيحيين، على نحو فردي أو جماعي؛ ثمّ لا تحول التباينات دون تمرير عون، عند انتهاء التصويت.
وهذا، في نهاية المطاف، هو مجلس النوّاب الذي مدّد لذاته، وكان في الأصل، ساعة انتخابه، حصيلة نموذجية لمبدأ «لا غالب ولا مغلوب»؛ رغم أنّ الأغلبية السابقة (المؤلفة من زعيم غالبية السنّة سعد الحريري، وزعيم غالبية الدروز وليد جنبلاط، وحزب «الكتائب» و»القوات اللبنانية» الممثّلَيْن لقرابة نصف المسيحيين)، ظلت أغلبية بـ71 مقعداً من أصل 128؛ والأقلية السابقة (تحالف 8 آذار المؤلف من «حزب الله» وحركة «أمل» الشيعيتَيْن، وقرابة نصف المسيحيين كما تمثّلهم مجموعة ميشال عون)، ظلت أقلية فنالت 57 مقعداً.
وبمعزل عن الاعتبارات الخارجية التي أوصلت النواب اللبنانيين إلى انتخاب عون، وما إذا كانت أيضاً تلك الاعتبارات ستنقلب إلى عناصر فاعلة في الحياة السياسية اللبنانية على المدى القريب، في نطاق حكومة سعد الحريري وسلسلة الملفات الشائكة التي تكتنف استحقاقاتها المحلية والإقليمية؛ فإنّ مشهد ائتلاف النوّاب هكذا، بعد استعصاء في انتخاب الرئيس دام 29 شهراً، سوف تكون له مفاعيله المباشرة على مزاج الناخب اللبناني، في صفوف الطوائف كافة كما يُنتظر. وإذا صحّ أنّ زعامة آل الحريري للصفّ السنّي تتهددها، للتوّ، زعامة أشرف ريفي؛ فإنّ «حزب الله»، مستهدياً بالموقف الإيراني، كان يرجو استمرار غياب الرئاسة إلى أجل غير مسمى، أو ربما إلى حين فرض مبدأ المثالثة؛ وفي المقابل لن يخرج المسيحيون من المعمعة باتفاق أقلّ، بل بانقسام أكبر.
وهكذا، يوم انتخابات 2009 النيابية، كان يصحّ استدعاء تساؤل أمير الشعراء أحمد شوقي: إلامَ الخلف بينكما إلاما؛ وهو يصحّ اليوم أيضاً، بعد انتخاب عون، مع اقتباس الشطر الثاني: وهذي الضجة الكبرى… علاما!

لبنان: هذي الضجة الكبرى… علاما؟

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية