لست من مؤيدي التطبيع مع إسرائيل ولا انتسب للفريق الآخر .ولكنني سأطرح وجهة نظر قابلة للنقاش خاصة على خلفية ما تنذر به سياسات الاحتلال الإسرائيلي المنهجية والمتصاعدة فيما يتعلق بمستقبل الأماكن المقدسة وفي مقدمتها المسجد الأقصى الأسير في هذه الايام العصيبة.
اذا قبلنا بطرح الرافضين لزيارة الاماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية المحتلة منذ عام 67 بحجة التطبيع مع إسرائيل ، فاننا في واقع الامر نقوم بعمل يصب في مصلحة سياسات إسرائيل وادعاءاتها المتعلقة بمجمل الاراضي المحتلة. ولا ننسى أيضا ان مصطلح «انهاء الاحتلال» حل تدريجيا محل شعار «القضية الفلسطينية «. وهذا بحد ذاته هو أهم نتيجة استراتيجية لصالح إسرائيل طبعا لحرب حزيران/يونيو 1967.
تستند إسرائيل في هذا الشأن على «حقها التاريخي « في القدس الشرقية ولتكريس هذا الادعاء تتمنى إسرائيل وتعمل ليل نهار على ابعاد العرب والمسلمين من سكان القدس والضفة الغربية عموما عن هذه الاماكن ، واضعاف علاقاتهم الدينية والعملية والروحية والعاطفية بها عن طريق « تطفيشهم « بكل الوسائل التي يتيحها لها خيال زعمائها ومنظريها.
وفي المقابل تعمل إسرائيل على ترويج الاماكن المقدسة وخاصة في القدس والخليل على انها جزء تاريخي لا يتجزأ من كيانها وتاريخها ، ويسعدها كل السعادة ان يتناقص بالتدريج بل ويختفي نهائيا عدد من يزور هذه الاماكن من العرب والمسلمين سواء جاؤوا من داخل الاراضي التي تحتلها أو من خارجها. وبذلك تكرس العلاقة المتآكلة بين هؤلاء وبين مقدساتهم في حين ترسخ علاقات وارتباط الإسرائيليين بهذه الاماكن. كما ان الكثير من الاحصائيات تؤكد تناقص عدد العرب ، مسيحيين ومسلمين ، في القدس ذاتها بسبب الهجرة ونتيجة للممارسات الإسرائيلية المنهجية الرامية إلى تفريغها من العرب والمسيحيين ودفعهم للانتقال إلى أماكن أخرى قريبة او بعيدة!
وربما يأتي يوم يصبح فيه عدد زوار القدس والخليل وغيرهما من العرب والمسلمين لا يتجاوز اصابع اليدين ، وحينئذ يمكن لإسرائيل ان تقول للعالم وهي في غاية الرضى والاطمئنان : «انظروا ، لا عرب ولا مسلمون يأتون إلى هنا ، لأن لا علاقة لهم بهذا المكان! نحن فقط هنا ومعنا أصدقاؤنا من جميع أنحاء المعمورة !!»
والسؤال المفتوح الان هو: أيهما أصعب وأكثر خطورة : ان يدمغ جواز سفرك بالفيزا الإسرائيلية ام ان تتلاشى صلتك وارتباطك العملي و الوجداني والروحي بالأماكن المقدسة ؟ وردا على سؤال لم يطرح هنا بعد أقول: نعم يجب ان لا تنقطع علاقة العرب والمسلمين بالقدس والخليل وغيرهما بانتظار وعد قطع لهم بالتحرير من النهر إلى البحر !!
سليم ايوب قونة ـ عمان