«داعش».. لا حمدا لكم ولا شكورا.. وأقول لكم وربما انطق باسم الغالبية العظمى من الفلسطينيين.. دعوا الشعب الفلسطيني وشأنه، فهو ليس بحاجة إليكم ومن دونكم بالتأكيد أفضل وقادر على مواجهة الاحتلال ودحره، رغم مرور قرابة القرن على مأساته، وما زال رغم جرائم ومجازر الاحتلال صامدا فوق أرضه بشيبه وشبابه، ذكورا وأناثا بمسيحييه ومسلميه.
أما أنتم فما دخلتم أرضا إلا افسدتموها وعثتم فيها قتلا وتدميرا باسم الإسلام، وهو منكم براء.. فها هي سوريا شاهد حي على جرائمكم وطغيانكم وفسادكم.. ها هي تمزق إربا إربا بفضلكم وبفضل نظامها صانعكم.. وسبقها العراق إلى ذالك بفضل «جهادكم» أيضا.. وبفضل طغيان أمريكي بريطاني سبقكم.. والفلسطينيون يغنيهم الله عنكم وعن «جهادكم».
بدون مقدمات يستيقظ ما يسمى بتنظيم الدولة الاسلامية «داعش» ليكتشف أن فلسطين محتلة، وأن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وقبة الصخرة مسرى النبي، تدنسه أقدام جنود الاحتلال كل يوم منذ احتلاله قبل أكثر من 48 عاما.
يطل علينا تنظيم «داعش» الآن وبدون مقدمات، ونحن على أبواب انتفاضة مباركة لدحر الاحتلال ونيل الاستقلال، بشريط مصور بلغة عبرية فصيحة بطول 16 دقيقة، يهدد إسرائيل واليهود ولأول مرة على هذا النحو، «بدخول المسجد الأقصى وتحريره.. ودخول القدس بمراكب مفخخة لدك حصون اليهود». ويقول ملثم يرتدي الزِّي الأسود موجها كلامه لأهل القدس: «سكان القدس نحن لا نملك مقاتلات إف 16 ولا مروحيات أباتشي بغية تفجير الجيش اليهودي في حيفا ويافا وأم رشراش، لكننا نعد بضربكم قريبا». ولا أدري إن كانت «نعد بضربكم» زلة لسان والمقصود بذلك هم الفلسطينيون وليس اليهود؟ أم أنها مجرد خطأ في الترجمة؟
وقبل نهاية التسجيل يطل ملثم آخر ليواصل التهديد لكل اليهود الذين وصفهم بالعدو الأول للمسلمين. ويقول الملثم الثاني «إن على اليهود الذين احتلوا البلاد من المسلمين (أن يفهموا) أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد». ويتابع تهديده «كل ما حصل حتى الآن هو لعبة صبيان (يقلل من شأن حرب السكاكين والدهس التي ترعب المجتمع الإسرائيلي) مقابل ما سيحدث لكم قريبا إن شاء الله. افعلوا ما شئتم اليوم حتى نبلغكم وعندها سنجبركم على تسديد لقاء أفعالكم وجرائمكم عشرة أضعاف، ونعدكم بألا يبقى يهودي واحد في القدس وكل أنحاء البلاد، وسنمضي بمسعانا حتى نكافح ونصفي هذا الداء في كل العالم».
واستطرد قائلا «انظروا ما حل بكم نتيجة بعض عمليات دهس وطعن من قبل إخوتنا في فلسطين، فقد بتم تخافون كل سيارة في الشارع بل تخشون من كل من يمسك بيده شيئا.. فتخيلوا للحظة ماذا سيحل بكم عندما يصل قريبا بإذن الله عشرات الآلاف من كل حدب وصوب من العالم الإسلامي، كي يقوموا بذبحكم وإلقائكم في سلة القمامة بدون رجعة. هذا عدا المركبات المفخخة، فالصغار مستعدون أن يقودوا السيارات للتصادم بكم وإرسالكم للجحيم». وشدد على أن تهديداته ليست كلاما بالهواء، لافتا إلى أن قواته تتقدم من الشمال للجنوب ومن سيناء لدمشق نحو إسرائيل، بل من كل جهات العالم بغية «تدميركم». وأضاف وهو يرفع سكينه «نحن نقسم لكم بأن قطرة دم واحدة سفكتموها من دماء المسلمين يوما لن تذهب سدى، فنحن نشهد جرائمكم والحساب بيننا يطول، ونحن مستعدون له قريبا إن شاء الله». وخلص للقول إن ذلك يبدو لكم بعيدا جدا وصعبا لكننا نراه قريبا جدا بعون الله».
وخطر على بالي وانا أقرأ هذه التهديدات قول الشاعر جرير في هجاء الفرزدق «زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول سلامة يا مربع».
يأتي هذا التهديد بعد أكثر من عامين على خطاب التنصيب لـ»الخليفة إبراهيم» أبو بكر البغدادي في يوليو 2013، الذي لم يتطرق فيه لفلسطين وشعب فلسطين ولو بكلمة واحدة.
وفي وقت لاحق أعلن التنظيم على لسان قيادي آخر أن «الله في القرآن الكريم لم يأمرنا بقتال إسرائيل أو اليهود حتى نقاتل المرتدين والمنافقين».
يفهم من ذلك أن فلسطين ليست حاضرة في أذهانهم على الإطلاق، على الأقل على المديين القصير والمتوسط، وحتى نكون منصفين فإن «داعش» لا يسأل الفلسطينيين سوى الصبر والانتظار حتى ينهي المهمة الأساسية الذي خلق من إجلها.. قتل غالبية المسلمين «المرتدين» بنظره، ومن ضمنهم «الروافض» و»النواصب»، وإثارة الطائفية وتمزيق دول.. وقبل ذلك فإنه لن يفكر بإسرائيل ولن يتفرغ لقتالها، ولذلك لم يشتبك مع إسرائيل ولو مرة واحدة، ولم يتقدم نحو حدودها وإن كانت على مرمى حجر، وإن يفعل شيئا فإنه يبتعد عن خطوط التماس معها ويتحرك في كل الاتجاهات باستثنائها.. ولم يُحَاوِل ولو مرة واحدة ان يتحرش بها او يقترب من هضبة الجولان المحتلة ولو كغطاء سياسي.
ليس هذا فحسب أفليس هذا هو تنظيم الدولة الذي وجه رسالة الى حركتي حماس وفتح يهدِّدهما فيها بالقتل والتدمير والإبادة والموت الزؤام، في الذكرى الاولى لانتهاء الحرب الإسرائيلية، التي استمرت 50 يوما، قدم شعب غزة فيها أكثر من 2200 شخص شهداء، غالبيتهم من المدنيين العزل.
ويقول الشريط موجها تهديده لحماس «وأنتم وفتح، وكل العلمانيين لا تمثلون شيئا، وسوف تجتاحكم جحافلنا.. حكم الشريعة سيتم تطبيقه فى غزة، رغما عنكم.. ونقسم أن ما يحدث اليوم في الشام، ولاسيما فى مخيم اليرموك، سيحدث فى غزة».
إن هذا هو تنظيم «داعش» نفسه الذي أقدمت عناصره في مدينة الرقة السورية على تمزيق والدوس على علم فلسطين، رمز الوطنية الفلسطينية الذي قدم آلاف الشباب الفلسطيني ارواحهم لابقائه خفافا، يقلق بألوانه الحمراء والخضراء والبيضاء والسوداء الوجود الاسرائيلي على الأرض الفلسطينية. واختار مجاهدو «داعش» الدوس على العلم وتمزيقه وحرقه، بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تحصد ارواح آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة.
وفي الوقت الذي كان يرفرف خفاقا في العديد من عواصم العالم تضامنا مع الشعب الفلسطيني ورفضا للاحتلال والعدوان.. والغريب أن العلم الفلسطيني هو العلم الوحيد من بين كل إعلام الدول العربية الـ22 الذي اختاره «مجاهدو داعش» للدوس عليه وحرقه.. طيب لماذا هذا الحقد الأعمى؟ ألم يكن الأولى ان يصبوا جام غضبهم على علمي الدولتين، سوريا والعراق، اللتين تمتد «داعش» على أراض واسعة منهما.
ولم لم يتذكر المجاهــــدون علم اسرائيل أو أمريكا أو بريطانيا، التي تدك طائراتها مواقعهم أو هكذا يفترض.. لما كل هذا الحقد الأسود على فلسطين.
يثير شريط «داعش» المصور الأخير في توقيته ومحتواه، الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول أهدافه ونواياه.. منها على سبيل المثال لا الحصر:
أصدفة ان ينشر هذا الشريط والهبة الفلسطينية تأخذ زخما جديا وتكسب تعاطفا دوليا؟.. أليس ممكنا ان يكون الغرض من هذا الشريط ربط «سكاكين التحرير» بسواطير جرائمهم ضد الأبرياء، بغرض تشويه صورة الهبة والمناضل والفدائي الفلسطيني أمام العالم؟ أصدفة ان يأتي هذا الشريط في الوقت الذي يحاول فيه رئيس وزراء اسرائيل تشويه صورة النضال الفلسطيني والقضية الفلسطينية برمتها بربطها بتنظيم «داعش؟ أصدفة ان يتزامن هذا التسجيل مع اتهامات نتنياهو لمفتي القدس والديار الفلسطينية المرحوم الحاج أمين الحسيني بإقناع الزعيم نازي أدولف هتلر، بحرق اليهود؟ أليس ممكنا أن يكون توقيته جاء للتغطية على الفضيحة التي اثارها اتهام نتنياهو على صعيد العالم؟
كيف يمكن ان يفسر الانقلاب المفاجئ (180درجة) في الموقف وتركيز الاهتمام على فلسطين وهي التي تجاهلها خلال الحرب على غزة.
وسأختم بما بدأت.. اتركوا الشعب الفلسطيني وشأنه..فهو ليس بحاجة اليكم. فقد علمه ‘الربيع العربي» كيف يعتمد على قدراته وإمكانيته الذاتية بعد ان تخلى عنه الإخوة والاشقاء. فلا حمدا ولا شكورا.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح