• حالة من التفاؤل الشديد والارتباك الاشد… سادت أوساط سياسية كثيرة، فلسطينية وعربية، عكسها كثير من المحللين السياسيين والخبراء وفرسان الفضائيات، وقد انتابتهم حالة من السوبرتفاؤلية (إيفورية) بقرب توقيع اتفاقية بين الوفد الفلسطيني في القاهرة وإسرائيل! بعض الفضائيات من جهتها ذهبـــت بعيدا في تفاؤلها إلى الحد الذي أعدت فيه كليشهات ببنود الاتفاق (بعضها عددها بثمانية وأخرى حددتها بستة)، منها: رفع الحصار، فتح المعابر، حل مشكلة الكهرباء خلال عام، الصيد في ستة أميال يجري مدها إلى اثني عشر ميلا خلال عام، بحث مسألتي المطار والميناء في مفاوضات ستجري بعد شهرين، وغير ذلك من البنود. كل الذي حصل وباختصار، أن توافقا مصريا ـ فلسطينيا جرى على بعض هذه البنـــود وليس كلها، الوفد الإسرائيلي حمل هذه المطالب إلى حكومته، أما مصدر التفاؤل عند كل هؤلاء فلا ندري من أين؟ كانت هذه الأحداث مساء الاثنين 18 أغسطس/اب الحالي. المفاجأة الكبيرة، أن إحدى الفضائيات بثت جوابا سريعا على سؤال وجه لرئيس الوفد الفلسطيني المفاوض عزام الأحمد (المساء ذاته) قال فيه: بأنه لم يحصل أي تقدم حول أي نقطة مع الوفد الإسرائيلي! بعدها وكأن الطير حط على رؤوس المعنيين.
التفاؤل جاء على الرغم من الوقائع الحقيقية التي تشي بالعكس من ذلك، تصريح نتنياهو، الاحد 17 اغسطس الحالي، الذي قال فيه: بان إسرائيل ترفض المبادرة المصرية. أيضا، فإن رئيس السلطة الفلسطينيــة محمود عباس سيقوم بزيارة مرتقبة إلى مصر في محاولة منه لإنقاذ المفاوضات. الأهم من كل ذلك هو، الوقائع (الحقائق) الإسرائيلية نفسها، التي تؤكد على استحالة قبول إسرائيل المطالب الفلسطينية.
بداية، صحيح أن الصمود الفلسطيني العظيم منع الكيان من تحقيق أهدافه، لكن إسرائيل تحاول في المفاوضات تحقيق ما عجزت عن إنجازه في العدوان العسكري. إسرائيل وضعت هدفا رئيسيا من المفاوضات واعتبرته شرطا وجوبيا وهو: نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في القطاع، هذا يتقاطع مع مطلب تسعى إليه طرف/أطراف عربية وغربية. كما أرادت من المفاوضات، تعميم نتائج أوسلو على قطاع غزة ونقل تجربة الضفة الغربية إلى القطاع. كما هدفت الحكومة الإئتلافية، إلى تحسين صورتها في الشارع الإسرائيلي ومنع تشكيل لجنة تحقيق للبحث في تقصيراتها والمستوى القيادي العسكري للجيش أثناء المعارك، استباقا لمنع تحميل نتنياهو ووزير حربه يعلون ورئيس الأركان وآخرين، مسؤولية التقصير، وإقصائهم جميعا من مناصبهم. ولهذا السبب، فإن الكيان يطمح إلى إنجاز هدف سياسي ويحرص على إظهار أنه لم يتنازل للفلسطينيين.
إسرائيل حاولت ألا تظهر أنها تتفاوض مع الفلسطينيين، خاصة مع الفصائل المعارضة لنهج أوسلو (حماس، الجبهة الشعبية، الجهاد الإسلامي) لذلك اتبعت تكتيكا في المفاوضات، بعدم الجلوس مدة طويلة في القاهرة وإنما السفر بينها وبين تل أبيب مرات متعددة، في الوقت الذي مكث فيه الوفد الفلسطيني، أياما طويلة للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي. بالطبع إسرائيل حرصت على هذا الشكل التفاوضي، الذي لم يأت صدفة، لذا كان تصريح صائب عريقات رئيس ملف المفاوضات في السلطة الفلسطينية، الذي قال فيه: إن إسرائيل لا تفاوض وإنما تمارس سياسة الإملاء.
من الأسباب الإسرائيلية أيضا، سن الكنيست الصهيوني قوانين جديدة في العامين الأخيرين هدفت في معظمها إلى تقييد حركة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في اتخاذ القرارات، التي تعتبرها مصيرية، بشكل منفرد، بل يجب عليها أن تأخذ موافقة ثلثي أعضاء الكنيست (80 من 120)، وهذا من المستحيل تحقيقه في الكنيست اليميني الاستيطاني الحالي، من هذه التقييدات: التنازل عن أي شبر من «أرض إسرائيل»، صفقات تبادل الاسرى، القرارات المتعلقة بكافة التسويات مع الفلسطينيين أو مع العرب وغيرها وغيرها، لذا فإن المطالب الفلسطينية المحقة والعادلة تعتبرها إسرائيل «اتفاقيات مصيرية» لها شأن وتأثير استراتيجي على دولتها. إن أحد قرارات مؤتمر هرتزيليا الأخير (الرابع عشر الذي انعقد في هرتزيليا آواخر يونيو/حزيران الماضي) هو التخلص من القوة العسكرية للفلسطينيين في غزة، باعتبار ذلك مهمة رئيسية تجابه إسرائيل، هذه القضايا وغيرها تجعل من الصعب على الحكومة الصهيونية الحالية الاستجابة للمطالب الفلسطينية، إلا في ما يتعلق بتجميل الوجه القبيح للاحتلال من خلال الموافقة على بعض القضايا التي تعتبرها «إنسانية» (وكأن فعل الاحتلال له وجه إنساني).
للعلم وفقا لإحصائية أجرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» منذ اسبوع، فإن 72٪ من الإسرائيليين يؤيدون توسيع العمليات العسكرية ضد غزة، كما أن أعضاء في الإئتلاف الحكومي الحالي، منهم على سبيل المثال وليس الحصر، ليبرمان وزير الخارجية ورئيس الحزب المتطرف الفاشي «إسرائيل بيتنا»، ونفتالي بينيت الاستيطاني المتشدد رئيس حزب «البيت اليهودي» وغيرهما، يطالبان بإعادة احتلال قطاع غـــزة، فكيـــف بمثل هؤلاء سيوافقون على المطالب الفلسطينية؟ كما أن معظم قيادة حزب الليكود، حزب نتنياهو، بزعامة زئيف إلكين منافس – المتشدد أيضا – نتنياهو، وغالبية أعضاء الحزب، 78٪ (مثلما أشارت استطلاعات كثيرة، أحدها قامت به صحيفة «يديعوت أحرونوت») من الاعضاء، يلحون على إعادة احتلال القطاع.
نفهم أن هناك ضغوطات عربية وإقليمية تمارس على بعض الفصائل الفلسطينية. كما أنه وقبل كل شيء فإن الأوضاع المأساوية الإنسانية للمدنيين الفلسطينيين، إضافة إلى بعض المواقف لبعض الدول العربية، التي تتخذ صفة الوسيط المحايد، وليس الوقوف إلى جانب الأشقاء الفلسطينيين كما هو مفترض، يشكل عامل ضغط جديداعلى الوفد الفلسطيني، تماما كما هو انكشاف الظهر الفلسطيني طيلة أيام العدوان! كل ذلك دعا الفصائل الفلسطينية إلى إرسال وفد يمثلها إلى مفاوضات القاهرة.
مع التفهم الكبير لكل العوامل الضاغطة على الوفد الفلسطيني وعلى شعبنا في القطاع بكل تضحياته ومعاناته، وردم بيوته، وتشريده، والتنكيل به، ومع عدم الدعوة بالطبع إلى انتحار فلسطيني، لكن للحقائق الصهيونية التي سقناها محلها في الصراع، الأمر الذي يدعو إلى مراجعة المواقف الفلسطينية برمتها من عملية التفاوض، والألاعيب الإسرائيلية المتمثلة في ظاهرة، قصف ـ هدنة ـ قصف.
إن للصراع مع العدو قواعده أيضا: لا هدنة مع بقاء الاحتلال، إضافة إلى أن الكيان لا يفهم غير لغة القوة.. قدر شعبنا: المقاومة والصمود. إنه لم يختر معركة، بل ان العدوان والمعارك مفروضان عليه فرضا، ووفقا لما قاله الثائر الأمريكي اللاتيني الكبير خوسيه مارتيه، «من الخطأ افتعال معركة، لكن من الجبن والعار أن تهرب من معركة جرى فرضها عليك».
شعبنا العظيم لم يسبق ان هرب من معركة، وهو لم ولن يهرب من معارك أخرى، وهذا ما أثبتته الوقائع (ما قاله اطفالنا ونساؤنا وشيوخنا وعموم أهلنا على الفضائيات من انهم مع المقاومة وقراراتها). المهم أن يدرك ساستنا، فلسطينيين وعربا، حقيقة إسرائيل، كذلك الكثير من محللينا السياسيين، الذين يتفاءلون بالتسويات في المفاوضات مع العدو. نحن بحاجة إلى استمرار المعركة مع هذا العدو، وإيقاع الخسائر البشرية بين صفوف جنوده، وإدامة المقاومة طالما بقي الاحتلال. نعم، نحن بحاجة أيضا إلى استمرارية إرعاب مستوطنيه، حتى نجبره على الاستجابة لحقوقنا أولا، ولشروطنا الأخرى، أي شروط كانت. إن كثيرين منا لو عرفوا حقيقة إسرائيل لما كانت اتفاقية أوسلو، ولما كانت «مبادرة السلام العربية»، ولما كانت التوقعات المتفائلة من مفاوضات القاهرة.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد