محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، التي جرت في تركيا مؤخرا، كانت تتويجا لسلسلة من الضّغوط التي استهدفت هذه الديمقراطية.
قوى الهيمنة العالمية، لا تقبل بوجود قوة إقليمية مستقلّة في قرارها، خارجة عن سيطرتها، فكيف إذا كانت هذه القوّة الجديدة الصاعدة دولة إسلامية، وكيف إذا كانت تركيا، التي لها ثقلها وتأثيرها في منطقة ملتهبة، والتي لها طموح غير خاف في قيادة تلك المنطقة، وتاريخ يعزّز ذلك؟
تركيا: القادم الجديد
لقد أثبت أردوغان، ومن خلاله تركيا الجديدة، أنّه لا يقبل الإملاءات، أيّا كان مصدرها. ظهر ذلك من خلال أسطول الحرية الذي اتجه إلى غزّة سنة 2010، لفكّ الحصار عنها، وظهر في الموقف من الأزمة السورية، منذ اندلاعها سنة 2011، والتي ناصر فيها ثورة الشعب بكل ما يستطيع، ووضعه وجها لوجه أمام الاتحاد الأوروبي، بل امتدّ إلى مصر، رفضا صريحا للانقلاب الذي أطاح بمرسي صائفة 2013، ومناصرة للشرعية. فكيف يقبل الغرب بقيادة تخرج بتركيا عن بيت الطّاعة الأمريكي والغربي عموما؟
لم تتعوّد القوى الغربية، على اختلافها، وجود حكام من بلاد العرب والمسلمين، يناقشون قراراتهم ويرفضونها، إذا تعارضت مع مبادئهم ومصالح بلادهم. فعبّرت دول الاتّحاد الأوروبي، وكذلك الولايات المتّحدة الأمريكية، مرّات عدّة، عن قلقهما من سياسة أردوغان، ومواقفه، بصيغ مختلفة، ولكنّها كانت واضحة.
لعلّ المتربّصين بالتجربة التركية، أغرتهم الأزمة السّورية في الإيقاع بتركيا، لتقع في وحلها. لكنّ قادة البلاد كانوا أذكى، وكانت تدخلاتهم ومواقفهم فيها محسوبة بعناية فائقة، وبشكل مكّنهم من الإسهام بقدر معقول في مساعدة الشعب السوري والتخفيف من معاناته، والحفاظ على دور فاعل، بعيدا عن اللامبالاة والتّهوّر. وكان إسقاط أنقرة للطائرة الروسية، في ديسمبر 2015، رسالة واضحة للروس، وللغربيين أيضا.
هذه الشّخصية التي نحتها أردوغان لتركيا الجديدة، في الإصرار على استقلالية قرار بلاده، ومناصرة نداء الحرية الذي هتف به الرّبيع العربي، أقلقت محيطه القريب والبعيد، سواء كانوا من أعراب درجوا على الإذعان للآخر وقبول إملاءاته، أو قوى هيمنة، ترفض أن يدخل الساحة الدولية لاعب جديد، يحمل عناصر البقاء، ويتوفّر على مقوّمات مزاحمتها. فمضت في الضّغط عليه، بما تستطيع. وكان ضغطا اقتصاديا واجتماعيا، من خلال أفواج المهاجرين السوريين الذين أقفلت في وجوههم أبواب أوروبا، وكان ضغطا سياسيا واقتصاديا من خلال توتّر العلاقة مع الجارة الشرقية روسيا، وكان ضغطا سياسيا وأمنيا وعسكريا، من خلال الحزب الكردستاني، والإرهاب المنسوب لـ»داعش».
هذا ما نبّه القيادة التركية، خلال الشّهرين المنقضيين، إلى أنّ الضغوط تتزايد على بلادهم، وأنّ عزلها سياسيا يتعزّز، بما قد لا تقوى على تحمّله مستقبلا. فاتّجهت إلى تخفيفه، بمراجعة علاقاتها مع إسرائيل، المفتاح السّحري لرضى القوى الغربية، ومع روسيا، وانتهاء بمصر.
لم يصدر عن القادة الأتراك شيء يعبّر عن تغيير في مواقفهم المبدئية وثوابتهم السياسية. لم يصدر منهم موقف واحد، ولا حتى إشارة خفيفة، تعترف بشرعية انقلاب السيسي، ولا بحقّ الروس التدخل في سوريا، فضلا عن القبول بالإرهاب الصهيوني وهو يقتحم سفينة مرمرة. لن تعثر على كلمة واحدة من مسؤول تركيّ يقرّ بذلك، ولكنّه مكر السياسة ودهاء الدبلوماسية هو الذي دفع قادة تركيا إلى خطوتهم الأخيرة، التي اعتبرها البعض نكوصا وضعفا.
كلّ هذا، سهّل على الإنقلابيين الأتراك المرور إلى تنفيذ حلمهم، وزيّن للمتضايقين من الدور التركي الجديد، من عرب وأوروبيين وأمريكيين، محاولة الانقلاب، فلم تصدر عنهم جميعا إدانة واحدة، بل إنّهم لم يعلنوا دعمهم للشرعية التركية، إلاّ بعد ساعات طويلة من فشل الانقلاب، ودحر عناصره. ولعلّ هؤلاء عبّروا عن حقيقة مواقفهم، من خلال وسائل إعلامهم التي هلّلت للانقلاب، ولم تدنه بكلمة واحدة، إلاّ بعد أن تأكّدوا من فشله. فقد أعلنوا عن مواقفهم بعد منتصف نهار السّبت، بينما ظهرت بوادر فشل الإنقلاب، منذ ساعاته الأولى، فجر السبت.
ورغم أنّ الوقت مازال مبكّرا، لمعرفة حقيقة القوى التي دعمت هذه المحاولة الانقلابية، سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر، فإنّ مخطّطي الانقلاب الأتراك، أذكى من أن يتجاهلوا القوى المناهضة لحكومة بلادهم، والاستفادة منها.
لماذا فشل الانقلاب؟
عناصر كثيرة ساهمت في إفشال الانقلاب في تركيا، وهو ما يعزّز الثّقة، في أنّ هذه البلاد، تتوفّر على قاعدة جيّدة من الثقافة السياسية التي تحميها من مثل هذه الارتدادات الخطيرة. أوّل هذه العناصر، تكمن في تجربة الأتراك مع العسكر. فليست هذه المرّة الأولى التي تحاول فيها المؤسسة العسكرية، أو بالأحرى جزء من منتسبيها، إيقاف المسار الديمقراطي، لذلك، هبّ الأتراك، على اختلاف مواقفهم وانتماءاتهم الحزبية، لنصرة الشرعية، ضدّ الانقلابيين.
الأمر الثاني، هي الديمقراطية نفسها، فهي إذا ولدت سليمة غير مشوّهة، قادرة على حماية نفسها من كلّ من يتربّص بها. ولولا أجواء الحرية، وروح المسؤولية التي تربّى عليها الأتراك، لما رفضت عناصر من الجيش تعليمات رؤسائهم بمساندة الانقلاب، ولما خرج الأتراك، نساء ورجالا، مؤيدين للحكومة ومعارضين، خرجوا بعد منتصف الليل إلى الشوارع، ليواجهوا بإرادتهم، جنود الانقلاب، ورصاصهم ودباباتهم. ولولا هذه الديمقراطية وأجواء الحرية، لما تجرّأ صحافيون، من قنوات تلفزيونية مختلفة، إلى صدّ الانقلاب بما يستطيعون.
العنصر الثالث، يكمن في شخصية أردوغان الزعيم السياسي، لقد نجح رجب طيب أردوغان، في أن يكون زعيما لتركيا، وللأتراك، وليس لحزب الأغلبية فقط. لو كان زعيم حزب فقط، لما قدر حزبه على زحزحة الانقلابيين، ولما حرّكت كلماته القليلة التي وجّهها لشعبه عبر السكايب في إحدى قنوات التلفزيون، إرادة الأتراك، ليهبّوا لنجدة ديمقراطيتهم التي بنوها جميعا.
ليست هذه المعركة الأخيرة التي تخوضها تركيا، في طريق بناء كيانها، وحماية مصالحها، وتثبيت ديمقراطيتها واستقرارها. فقوى الهيمنة لم تألف بعد وجود منافس لها، أو مزاحـــم لها، في عالم انفردت بوضع سياساته الكبرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكنّ هذه المعركة، ستترك بصماتها في واقع تركيا والمنطقة، وفي مستقبلهما القريب، وربّما البعيد أيضا.
٭ صحافي تونسي
علي بوراوي