في الدراما الإذاعية «بسمة صباح» على إذاعة «روزانا» السورية، تقول شخصية لأخرى على الهاتف، فيما تحثها على التوقيع على بيان ضد النظام السوري مع بدايات الثورة: «في بيان عاملينه اسمه بيان الحليب..». معلوم أن الموقعين على البيان لم يسموه «بيان الحليب»، التسمية أُطلقت لاحقاً من قبل مؤيدي النظام، وبالضبط من أجل السخرية منهم، فقد كان نداء عاجلاً للحكومة السورية، وللهيئات الطبية المعنية من أجل إيصال المؤن والأدوية لمدينة درعا المحاصرة.
لقد راجت حكاية حينذاك، لا ندري بالضبط صدقيتها، تعبر عن مدى تلك السخرية، فقد قيل إن بعضاً من الموقعين على البيان، من الفنانين والأسماء المشهورة، حين جرى الضغط عليهم كي يتراجعوا ويبينوا موقفهم على الشاشة الرسمية، اجتمعوا قبل بدء التصوير في مكتب أحد المدراء التلفزيونيين، وحين سألهم صبي المكتب ما يشربون، قاطعه المدير بقوله «شربوهم حليب، هدول بيحبوا الحليب»، في إشارة متهكمة لبيانهم المطالب بإيصال الحليب لأطفال درعا.
المهم الآن، كيف تتبنى جهة إعلامية معارضة، بل وممثلون هم أنفسهم كانوا من الموقعين، ويعرفون الواقعة جيداً، كيف يتبنون تسمية أطلقت للسخرية منهم ومن بيانهم؟! خصوصاً أن الحدث لم يمض عليه أكثر من أربع سنوات فقط.
إذا كان الثوار أنفسهم، وبعد زمن قصير، يكتبون تاريخ ثورتهم بلغة أعدائهم، فبأي لغة سيكتب الأعداء التاريخ، مهزومين كانوا أم منتصرين؟!
شموخ القضاء المصري!
من المرجح أن يصبح فيديو وزير العدل المصري، المقتطع من مقابلته في برنامج «البيت بيتك» على قناة «تي إي أن» المصرية، نجم «الميديا» الإجتماعية بلا منازع خلال الساعات المقبلة، حيث أطلق «رجل العدل الأول» في مصر تصريحاً لا يمت للإحساس بالعدل بصلة، حين قال «ابن عامل النظافة لا يمكن أن يصبح قاضيًا، أو يعمل في مجال القضاء، لأن القاضي لا بد أن يكون قد نشأ في وسط بيئي واجتماعي مناسب لهذا العمل». وأكد «كتّر خير عامل النظافة إنه ربى ابنه وساعده للحصول على شهادة، لكن هناك وظائف أخرى تناسبه، فالقضاء لديه شموخ وهيبة».
حكاية الشموخ هذه هي أغرب ما قاله وزير العدل، إذ ما علاقة الشموخ بالإحساس بالعدل، وربما يكون العكس تماماً هو الصحيح، إذ يحتاج الناس، متهمين أو مدانين، أن تحني هامتك قليلاً كي تتمكن من سماعهم، أما الشموخ فلقد علمتنا سنون النضال القومي الفائتة أنه لن يأتي إلا بالطغيان والتعصب، إن لم يصل إلى الفاشية.
الشموخ تحتاجه، يا سعادة المستشار، إن كنت ترى في القضاء مكانة وتشريفاً يفضلك على جيرانك وأبناء بلدك، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد سيعميك عن رؤية الحق.
إن تصريح الوزير ذاك وحده كارثة، ولكنه كارثة أكبر حين يصدر عمن ينبغي أن يكون إحساسه بالعدل أكبر، عن وزير العدل.
كأن الثورة في مصر لم تقم بعد، فالعبارة هي بنت عبارة أخرى قيلت من قبل أحد مساعدي حسني مبارك في مؤتمر، على ما ذكر صحافي معروف، حين قال منتقداً مجانية التعليم «التعليم في مصر باظ منذ أن جلس أبناء البوابين مع أبناء البهوات في فصل دراسي واحد».
كذلك، لا يمكن لكلام الوزير إلا أن يأتي تعبيراً عن ظلم شامل، فكلامه ليس مجرد زلة لسان، إذ سرعان ما أتى حكم قضائي كأنما ليصادق على كلام الوزير، «حيث قضت محكمة جنح مصر الجديدة بتخفيف العقوبة على فنان كوميدي مصري أدين بضرب عامل تنظيفات، من شهرين إلى أربع وعشرين ساعة». فإذا كانت هذه هي النظرة إلى إبن عامل نظافة حصل بالفعل على الشهادات اللازمة والكفاءة لشغل منصب قاض، فكيف يكون التصرف مع عامل النظافة نفسه!
في أحضان أعدائهم
«قسوة الحرب تدفع بسوريين إلى مستشفيات إسرائيل.. والحياة أهم من السياسة»، هذا هو عنوان تقرير تلفزيوني بثته «سي أن أن» العربية.
بطل التقرير طفل سوري إسمه جمال، دمرت الحرب ساقه، إحتاج إلى تسع حزم من الدم لم تكن متوفرة فدخل في غيبوبة، ثم إلى 18 عملية جراحية كي يتمكن من المشي مجددا، بعد تلقي العلاج في مستشفى زيف في شمال فلسطين.
يقدم التقرير حالات أخرى، ويتحدث عما لا يقل عن ألفي مصاب سوري عولجوا في ذلك المشفى فقط.
يراعي التقرير الحساسية الفائقة لوجود سوريين في مشفى إسرائيلي، فيخفي الوجوه والأسماء. لكنه لا يخفي عبارة لأحد الجرحى حين يقول «إنه لم يكن خائفاً من المجيء إلى هنا، وأن عدوه هو النظام السوري».
تصلح الحكاية لأن تكون أساساً لأفلام تسجيلية ترصد كيف يكون حال المرء حين يستنجد بأعدائه. وربما تكشف الأيام عن أفلام صنعت بالفعل.
التقرير جارح ومحرج للغاية، ولطالما حاول بعض الثوار السوريين إنكار الظاهرة، ظاهرة اللجوء إلى المشافي الإسرائيلية، كأنما في ذلك إثبات لتهمة أعدت سلفاً عند النظام السوري، حول أن الثورة السورية ما هي إلا صنيعة ومؤامرة كونية صهيونية.
لكن هل ينبغي أن يشعر الثوار بالحرج فعلاً؟ ربما كان على أعدائهم، أعني النظام السوري وأنصاره، أن يشعروا بحرج أنهم كانوا من الفظاعة والإجرام بحيث دفعوا بالناس إلى أحضان أعدائهم التاريخيين، الأبديين.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى