كان «العراب» يحتل مرتبة الصدارة قبل أن يطيح به الـ «كباريه»، الذي اخطفت به الممثلة الإسرائيلية «ليزا مينيللي» سلة من جوائز «أكاديمي آوورد» لعام 1973، تاركة لرائعة «فرنسيز فورد كوبلا» جائزتين للنص والصورة لا غير.. فيلمها تحيز ليهود ألمانيا خلال حقبة «جمهورية فايمر»، التي كانت تلفظ أنفاسها قبل أن يحكم الطوق النازي قبضته عليها عام 1933، متذرعا بالحس الإنساني لفيلم يرتكز على الانحلال والعبث وممارسة الشذوذ الجنسي، متحللا من كل المعايير الأخلاقية التي اخترقتها ملكة الليل وراقصة نادي الكيت كات سالي باوليز، مما أدخل الفيلم مكتبة الكونغرس الأمريكية عام 1995 كوثيقة تاريخية دائمة في سجل الأفلام الوطنية، محتلا المرتبة الخامسة في قائمة مؤسسة الأفلام الموسيقية عام 2006، ومصنفا كواحد من أعظم مئة فيلم أمريكي، فهل ستسأل لمَ لمْ يعتذر العالم للشاعرة الجنوب إفريقية (أنغريد جونكر) لأن فيلمها الذي وثق لنضالها ضد سياسة الفصل العنصري لم يحظَ ولو حتى بمقالة تليق بنلسون مانديلا وقد افتتح أول برلمان ديمقراطي منتخب في جنوب إفريقيا عام 1994 بأبيات من شعرها؟!
لن نسأل ما الفرق إذن بين «كباريه» الكيت كات، وبين «حارة اليهود» طالما أننا نعيش أزمة انتماء درامي لقضايانا وتاريخنا، فنقتحم العصر السامي بسيوف صدئة، وأبطال من ورق، ودراما مهزومة، ونسخ مشوهة من ملكة الليل (سالي – مينيللي)!
ماذا لو كنت يهوديا؟!
الفقاعة الدرامية المسماة بـ «حارة اليهود»، هي جريمة مكملة للكتاب العربي الذي صدر عن أحدهم قبل سنوات، وقد تقمص فيه شخصية العدو، متذرعا بمحاولة الفهم والتحليل فاختار أن يسأل قارئه العربي السؤال المحرم: ماذا لو كنتَ يهوديا؟!
هل فعلا يمكن لك يا ابن عروبتك المتخمة بالهزائم والخيانات والذبائح البشرية والجغرافيا المختطفة والمقدسات المغتصبة والتاريخ المشوه والأعضاء السرية المبتورة، أن تضع نفسك مكان قاتلك؟
أي ذريعة فنية وإنسانية هذه التي تهين وتلغي كرامة إنسانيتك وتدوسها تحت النعال بحجة أنسنة ذبّاحك! كيف يأتمنك عدوك على إنسانيته وأنت تطيح بإنسانك وتحوله إلى مسخ!
لن أطالب بدراما استقصائية تبحث في كتب التاريخ عن أكثر من (أنغريد جونكر) شرقية، ولكنني سأطالب فقط بمكتبة كونغرس عربية تضم وثائق درامية تؤرخ للمسوخ وتكرم العاهرات وبنات الليل والشاذين الدراميين، وضحايا هتلر في «هولوكست» درامي عربي يرتكب أفظع محرقة في التاريخ وهو يقوم بعمليات إنقاذ فضائية، يخرج بها الاسرائيلي من الفرن ليشوي العربي، افتداء للسامية، حسنا إذن لن نرفع الرؤوس ولا الكؤوس لهذا الفن، إنما سنقول له ببساطة: طز.. ولن أكتفي!
لوبي عربي «يا ويلي»!
رغم أن هوليوود انحازت للعرق اليهودي على الدوام إلا أنها ضمت أبطالا من أعراق مختلفة كعمر الشريف وسلمى حايك، أنطونيو بانديراس وصوفي مارسو بطلة أجمل الملاحم الهوليوودية «آنا كارنينا» لكاتبها العظيم تولستوي، وكريشنا بانديت بانجي «بن كنغسلي»، وقائمة تطول من الممثلين السود العظماء في تاريخ السينما الأمريكية وغيرهم أبطال من جنسيات وأديان وثقافات متباينة، وظلت بكل ما تحتويه من فسيفساءات فنية أمريكية خالصة، لم يضرها هذا التلقيح الثقافي ولا اعتبرته خطرا على خصوصيتها أو تدميرا لهويتها الثقافية أو حقنا إصطناعيا دخيلا بقدر ما نجحت بدمجه والتفاعل وتبادل الإنصهار الحيوي معه لتتوج سينما عالمية لا منافس لها إلا ذاتها.
في برنامج «ريتنغ رمضان» الذي تبثه قناة «أبو ظبي»، كان للفنانين أيمن زيدان وأمل عرفة وورد الخال رأي آخر، فالخال تساءلت عن سبب إحجام الفضائيات العربية عن شراء مسلسل لبناني بحت إلا إذا كان بطله سوريا أو عربيا، في حين سخر أيمن زيدان من الأعمال العربية، التي لا تحمل هوية محددة وتجنح إلى الشتات والإنفصام والخلط الذي ينقصه الإنسجام والمنطق الدرامي الذي يبرره، بينما رأت أمل عرفه فيمن يلجأن للهجة السورية من أجل التمثيل في أعمال شامية لسن سوى دخيلات لا يعبرن عن الثقافة المحلية، ولا يمثلنها، ولا يمكن أن يرتقين للنسخة الأصلية ابنة بيئتها، في تلميح واضح لأمل بوشوشة.
جاء حاتم علي في ذات البرنامج ليتبرأ من كونه عراب هذا النهج، مستدركا بعض أعماله التاريخية التي ضمت أبطالا عربا في نسيجها الذي لم يكن له أن يقتصر على حياكة محلية قد تفتقر في كثير من الأحيان إلى خيوط ضرورية يكتمل بها الشغل اليدوي للنول الدرامي دون نقصان أو خلل.
ألم يكن للدراما المشتركة فضل في قطف ورد الخال من حرس الحدود، وقد رأيناها في أجمل أدوارها العربية في عشق النساء وصلاح الدين الأيوبي وأسمهان؟ ثم ما الذي ينتقص من سورية أيمن زيدان وأمل عرفة أو يشوه الخصوصية ويفسخ القماشة الوطنية للعمل العربي المشترك؟
نتساءل عن جدوى هذا الطرح بعدما كان التوق كبيرا إلى خوض غمار وحدة درامية عربية في سنوات خلت، عانت بها الدراما العربية من عنصرية الفضائيات المصرية وتحيزها للدراما المصرية دون سواها، معتبرين أنها لا تعترف بأية أعمال فنية لا تخرج من صلبها، وقد آلمنا كثيرا أن نرى حروبا عنصرية يشنها فنانون مصريون ضد أي ممثل سوري أو لبناني تحت ذريعة اللهجة وعدم تمثيل الواقع المصري، كما يمثله أبناء طقوسه وعاداته وروحه، وقد استنكر فنانون عرب هذا التوجه العنصري واعتبروه معول ردم لا يشيد سوى المعوقات أمام تلاحم فني عربي يثري ويغني المشهد والحراك الفني في هذا الشرق!
نحن الآن بين لوبيين عربيين، الأول يمثله مسلسل «حارة اليهود»، الذي يحقن الدراما العربية بأمصال عنصرية تتذرع بالتصدي للتطرف ضد اليهود، لتمارس نفاقها تحت هذا الغطاء لدولة الاحتلال، وتنجح بما لم تنجح به السياسة ألا وهو: التطبيع!
أما اللوبي العربي الأخطر، فهو الذي يروج للدراما المحلية ويسعى لإخراجها عنوة من الخارطة الدرامية العربية، مصرا على هوية قطرية تتحيز للبلد على حساب العروبة وللشلل الفنية الضيقة على حساب الفن بمفهومه الشمولي ومضمونه الإنساني الرحب، وهنا تكمن الطامة الكبرى، لأن هذا اللوبي برؤيته القمقمية لا بد سيتيح المجال لتمدد اللوبي الأول ومطمطة قدميه فوق نعش درامي لا تمشي في جنازته سوى الأشباح!
نيللي كريم تمزق وجهها
ليس المهم في العمل الفني أن ينجح الممثل في أداء الشخصية فقط، فهذا أمر مع الوقت يصبح روتينيا، إلى درجة تجعل من التقمص الروتيني المحبك مدعاة للملل بالتالي الفشل.
هناك فنانون قادرون على الإمساك بالشخصية، والدخول في أقنعتها بوجه واحد، وهنا الخطر الأخطر، لأن الانفعالات الأدائية ستبقى وفية للفنان إلى الحد الذي يخون فيه دوره وهو يخطئ يقينه بالوفاء.
بنظرة متأملة لدوري نيللي كريم في «سجن النساء « و»تحت السيطرة» تخرج بوجه ممزق لعملين ينتميان إلى الواقعية السوداء – إن جاز التعبير- التي تصور البطلة سجينة ظرفين: الإدمان، والظلم، بحيث تتشابك الخيوط والصراعات النفسية بين الشخصيتين إلى الحد الذي يمكن لممثل أو ممثلة واحدة أن تؤدي حالات التأزم والقهر والبكاء والتأمل والسعادة والغضب بذات الوجه حتى لو اختلف القناع طالما أن المؤدي واحد في الحالتين.
براعة كريم لم تكن في الإمساك بالشخصية ولا باحتفاظها بوجهها إنما بإسقاطه، فتعبيراتها التي رأيناها في سجن النساء، لم تتكرر في هذا الموسم، وهنا يكمن الإبداع: باختراع وجه جديد، وعدم الاكتفاء بتبديل الأقنعة!
«ريتنغ رمضان»
تعود قناة «أبو ظبي» إلى سابق عهدها، وأيام مجدها، لتنعم على البرامج الحوارية ببرنامج «ريتنغ رمضان»، الذي يرعى تنافسا جماهيريا على اختيار أفضل مسلسل رمضاني لهذا العام، بتطبيقات مجانية، وتسهيلات تضمن للماراثون الدرامي معاينة مباشرة لتقييم الجماهير العربية، دون أي تدخل أو اعتبارات خاصة لطالما جرت وبال الاتهامات على الكثير من الجوائز العربية.
خصوصية البرنامج ليست فقط بإعطاء المجال الكامل للمشاهد واحترام حقه كشريك بالتقييم والترشيح ومنح الجائزة الكبرى لمن يرى أنه يستحقها، إنما أيضا بعودة البرنامج إلى أدبيات الحوار الراقية والرزينة، التي تحترم الضيف ولا تستغله لصالح تجارب اختبار أسلوبية في الطرح، توظفه لاستقطاب مؤشرات رقمية عالية على حساب كرامته وخصوصياته وأخلاقيات الضيافة ولباقتها.
أضف إلى هذا أهم استثناء شجاع للبرنامج، يتمثل في طرح قضايا درامية وفنية حقيقية وشائكة، لم يُعط الفنان مجالا لطرحها في برامج اعتمدت في استضافتها للفنانين على «لت الحكي» والثرثرة والنميمة بين «أبناء الكار» لا أكثر!
لي وقفة أخرى مع أهم القضايا في مقالة لاحقة تقف عند هذا البرنامج بما يليق بجديته وفرادته.. فإلى الأسبوع المقبل إن لم ينلنا من التفجيرات الفضائية جانب يضطرنا لكتابته من المقبرة!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر