قلة هي الأعمال الدرامية التلفزيونية التي تعلق بذاكرتنا الجماعية. ليس لأن مجمل الأعمال لا ترقى لمستوى الإدها،ش بل لأننا قليلا ما نصادف ما يلامسنا من الداخل منها. وقليلا ما نشاهد عملا يتجاوز حدود الفرجة ويوهمنا بأن ما نراه هو نحن، حدّ البكاء والحزن والقلق والفرح اللامفهوم، الذي ينتابنا ونحن نشارك أبطال العمل الدرامي أفراحهم.
أعرف سلفا أن هذه السنة لن تحمل لنا عملا بمستوى «غدا نلتقي» لرامي حنا ووليد أبو الشامات، لكنها حتما حملت لنا مفاجأة «ليالي الحلمـــية» الذي يتزاوج بشكل مثقل بالحنين بمراحل طفولتنا وصبانا، نحن الجيل الذي بدأ يدق أبواب خريف العمر.
وصدقا أخبركم أن ثنائية «أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ» رحمهما الله ثنائية نادرا ما تحدث في العالم العربي وتنجب عملا إبداعيا بهذه الفخامة وهذا السحر. على الأقل هذا شعوري الذي يشاركني فيه ملايين المشاهدين، الذين منذ الإعلان الأول عن أن «ليالي الحلمية ستعود للشاشة للصغيرة خلال سهرات رمضان، وهم يعيشون على دقات قلوبهم التي تشبه دقات الحب وشغف اللقاء بالحبيب.
نعم نشتاق سليم باشا البدري، الذي قام بدوره يحيى الفخراني بتلك الفخامة التي يحملها أي جنتلمان في سلوكه، ونشتاق نازك هانم السلحدارمجسدة من طرف صفية العمري بأناقتها المفرطة وأرسطوقراطيتها الحلوة، ونشتاق زهرة وعلي…
زهرة بدون علي…
صدمة الغياب التي أحدثها ممدوح عبدالعليم علينا جميعا تفوق الشعور بالفاجعة الدرامية التي صفعت أبطال المسلسل وصناعه، لأنها صدمة صدّعت حتما مسار الحياة في الحلمية، ينتابني الفضول الحارق لأعرف ماذا سيحل بزهرة بعد غيابه؟ وكأن الأمر ليس بقصة اختلقها خيال أسامة أنور عكاشة، ورتب لها إسماعيل عبد الحافظ، بل هي قصة زهرة التي نعرفها جميعنا وهي أكثر من بطلة عمل تلفزيوني، إنّها زهرة العربية الموجودة في أغلب العائلات وخسرت ما خسرته لأسباب تافهة…
إنها ليست بطلة ولكنّها امرأة جريحة ومكسورة ومنكوبة في عواطفها منذ ولدت، إنها المرأة التي عاشت في كواليس الحياة والخلفيات التي تغطيها طقوس حياتنا المعقدة وتغلّفها الأكاذيب الاجتماعية، ثم فجأة برزت عبر وجه إلهام شاهين آخر من أدى دورها في المسلسل ولا نعرف بعدها هل إلهام شاهين هي التي منحت الشهرة لزهرة أم أن زهرة لها الفضل لصنع جانب كبير من شهرة إلهام شاهين. المؤكد أن كلتيهما كانتا مهيئتان لامتصاص كل الطاقات الإيجابية والجميلة من الأخرى مع كل تلك الدموع التي ذرفت وذرفناها معا خلال عرض المسلسل.
في ذلك العمر الباكر كنا نشبه زهرة وعلي وكنا نحلم بغد أفضل، وكنا نقول أن الغد لن يكون داكنا كما في المسلسل، سيكون أفضل. وما أخيب آمالنا وهي تنطفئ الأمل بعد الأمل ونحن نرى واقعا أكثر قتامة من تنبؤات أسامة أنور عكاشة.
ترى ماذا سيحمله العمل من جديد لمشاهدين «هرموا» تحت ظل الخيبات العربية؟ ولكن عملا فنيا بمستوى «ليالي الحلمية» سيبث فيهم روح الشباب؟ خاصة أن ما مضى لم يكن أفضل بكثير مما يحدث اليوم وكانت أعمال مثل «ليالي الحلمية» مثل حبة الدواء التي تسكن الوجع في قلوبنا.
ماذا ستحمل مخيلة الفريق الجديد؟ وهم أيمن بهجت قمر وعمرو محمود ياسين ومجدي أبو عميرة للمشاهد الذي اكتنزت ذاكرته بالشوق لمعرفة تفاصيل كل ما حدث؟ كيف عاشا التغيرات التي حلت بالمجتمع المصري؟ وكيف ستكون قراءتهما لما حدث وما يحدث وما ستؤول إليه النهايات إن كانت هناك نهايات؟
ما أعرفه سلفا هو أن عمرو محمود ياسين تجري الموهبة في دمه، وهو ابن العملاق محمود ياسين والفنانة المعتزلة شهيرة. ولد وكبر وترعرع في حديقة فنية واسعة، لهذا فهو لم يدخل عالم الفن من خارجه، بل انبثق منه ليظهر بملامح أمه الطفولية البريئة وسمرة والده، على نسق ابن البط عوّام. فعام وبدأ يذهب بعيدا في هذا الميدان وأعتقد أن «ليالي الحلمية» ستحمله إلى أبعد أفق مما يمكنه أن يتخيله. الرجل وجد العصا السحرية التي ستمنح لاسمه بريقا خاصا، ولا أدري هل الأمر مقصود أم لا؟ والأرجح أن الفكرة ولدت من عشقه للعمل كما عشقناه جميعا، وأن إتمامه له لتقديم الجزء السادس طريقة راقية لتكريم كل أبطاله، ومن شارك في صنع أجزائه الخمسة السابقة. أما أيمن بهجت قمر فأعتقد أن هذه فرصته الذهبية ليسجل اسمه في قائمة مشاهير كتاب السيناريو في مصر والعالم العربي. أما مجدي أبو عميرة فتوقيعه معروف بأعمال ممتازة شاهدناها سابقا.
ما لا أفهمه هو الحملة المضادة له قبل بدء المسلسل، هل هو اعتراض على إنتاج الجزء السادس وإتمام الحكاية؟ أم أنه اعتراض يخص حقوق التأليف وما شابه؟
لقد أدركت من خلال متابعتي لكثير مما كتب حول رفض استكمال المسلسل، أن الرّفض عندنا عادة غير مرتبط بأسباب مقنعة. فليالي الحلمية ليس «باب الحارة» مثلا كعمل كشف معارضوه هشاشة محتواه، وليس بالعمل الذي يسرد حكاية منتهية لشخص محدد مثل «رأفت الهجّان» على سبيل المثال.
«ليالي الحلمية» حكاية مستمرة لأنها تروي تاريخ مصر. ومن حق كل شخص سواء كان فنانا أو غير ذلك أن يقول رأيه بشأن ما حدث فيها ويحدث، ولعلّ القراءة الدرامية للوضع السياسي والاجتماعي والثقافي هي الأقرب في كشف المستور عن غيرها. أمّا عن مسار الحكاية فأعتقد أن غياب ممدوح عبد العليم هو الذي وجّه مسار الأحداث في اتجاه مختلف. ولو أنه حي يرزق لتولّدت حكاية أخرى… وهذا سبب آخر يؤكد أن الحكاية لا تموت، يموت الأبطال بكل روعتهم وعظمتهم وتبقى الحياة فاتحة فمها لتقول المزيد…
و كأن الحكاية نسخة طبق الأصل عن الحياة حين تمضي بنا غير مبالية نحو وجهة ما نجهلها فيما لا نزال عالقين عند نقطة الحزن والفقدان .
لكن السر ليس هنا… إنه هناك في أعماقنا البعيدة، حين كنا صغارا.
لب الحكاية كلها هو أن الحنين لطفولتنا وصبانا وجمعة العائلة حول «ليالي الحلمية» هو السبب لعشقنا له ومباركة فريقه على استكماله.
صحيح عدد الفضائيات زاد وعدد المسلسلات ضخم خلال الشهر الكريم والسباق الرمضاني محتدم بين من يريدون الاستحواذ على أكبر نسبة مشاهدة من خلال نجومهم، لكن هل تعنينا كمشاهدين حلبة السباق تلك؟ لقد ظلمت أعمال درامية كثيرة في زحام العروض الرمضانية، لكن لا أعتقد أن «ليالي الحلمية» يحتاج للركض ليبقى على رأس القائمة، فالمسلسل قبل أن يبدأ كان على رؤوس قوائم قلوبنا، وقد كان كذلك منذ جزئه الأول منذ تسع وعشرين سنة حين كنا نسافر إلى الحلمية بأرواحنا لنعيش مع كل فرد فيها أفراحه وأتراحه… وسنفعل ذلك اليوم ونحن نترحم على فنانين عرفوا كيف يحولون العمل الدرامي إلى حقيقة، وكيف يمنحون المتفرج دورا خفيا فيه. ألف رحمة تنزل عليكم أيها الرائعون: أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ وممدوح عبد العليم، ورمضان كريم لعائلة « ليالي الحلمية» ولكل الأوفياء للزمن الجميل.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب