تغرق ليبيا بفعل ما يدور في جوارها الشمالي والجنوبي، في أتون حربين لا تبوحان باسمهما، الأولى على سواحلها المتوسطية والثانية في أقصى حدودها الجنوبية. تقود ايطاليا الحرب الأولى، بعنوان منع مراكب المهاجرين غير النظاميين من الوصول إلى سواحلها الجنوبية. وهي عملية عسكرية تحظى بتصديق البرلمان الايطالي، الذي وافق على لي ذراع حكومة الوفاق الوطني الليبية والدخول عُنوة إلى المياه الإقليمية الليبية للقيام بدور الدركي، بحجة محدودية التجهيزات التي يملكها خفر السواحل الليبيين. لكن ايطاليا ساعدت الحكومة المعترف بها من المجتمع الدولي في هذا المجال، بتدريب عناصر خفر السواحل الليبيين على اصطياد المراكب، التي تُقل على متنها مهاجرين غير نظاميين، وإعادتهم إلى السواحل الليبية، قبل بلوغهم المياه الدولية. فما الفائدة من تلك التدريبات طالما أن القوات البحرية الايطالية تقوم بتلك الملاحقات بنفسها؟
أما في الجنوب فتقود فرنسا خلف الحدود الليبية عملية «برخان» التي تستهدف الشبكات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، وحظيت في الفترة الأخيرة بدعم عسكري ألماني نادر في تاريخ السياسة الخارجية الألمانية.
طلب؟ لم يطلب؟
وفيما يؤكد الايطاليون أن رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج طلب منهم تدخلا مباشرا لمراقبة السواحل، أوضحت طرابلس أن كل ما طلبته من روما «هو دعمٌ لوجستي وتجهيزات تقنية لجهاز خفر السواحل بُغية الحؤول دون تدفق المهاجرين والاتجار بهم وإنقاذ أرواحهم». غير أن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الايطالي فابريتسيو تشيكِيتو أماط اللثام عن حجم الحملة الايطالية عندما قال لوكالة «آكي» للأنباء إن روما ستُرسل ست قطع بحرية بينها بارجة لقيادة العملية، بالاضافة إلى عدد من الطائرات والمروحيات وطائرات من دون طيار، وهذا يعني أننا إزاء غزوة عسكرية للمياه الليبية مُكتملة الملامح.
والأرجح أن رئيس الحكومة باولو جنتيلوني اضطُرَ إزاء ردود الفعل المعارضة التي أثارتها الخطوة الايطالية لدى الليبيين، إلى تقديم إيضاحات مفادها أن تدخل القطع البحرية الايطالية «لا يشكل انتهاكا لسيادة ليبيا، ولا يعتمد على أساطيل وأسراب من الطائرات الحربية» مع اعترافه بأن «بعض القطع الايطالية ستعمل من ميناء طرابلس». وبدا الأمر وكأنه يتجه إلى مواجهة عسكرية بعدما هدد الماريشال خليفة حفتر بقصف القطع الايطالية، التي تُبحر في المياه الإقليمية الليبية، وهو موقف اعتبره الطليان «مجرد دعاية»، ربما لصعوبة تنفيذه في ظل اختلال ميزان القوى بين الجانبين. لكن أيا كان ردُ حفتر، فالمؤكد أن ما ستُنفذُهُ القطع الايطالية هو حربٌ على المراكب التي يُسيرُها قادة شبكات تهريب المهاجرين، سعيا لملاحقة هؤلاء واعتقالهم ومحاكمتهم، وأيضا لمنع أي مركب من مغادرة المياه الإقليمية الليبية.
غطاء دولي
يجوز القول إن دول الاتحاد الأوروبي أمنت غطاء دوليا للحملة العسكرية الايطالية بمنحها مساعدة بقيمة 54 مليون دولار لايطاليا (وليس لليبيا)، في إطار الجهود الرامية لتوحيد التعاطي الأوروبي مع الهجرة غير النظامية، في ضوء وصول 95 ألف مهاجر إلى ايطاليا خلال العام الجاري، انطلاقا من السواحل الليبية، فيما قضى 2300 مهاجر نحبهم غرقا منذ بداية السنة.
يلتحف التدخل الفرنسي/الألماني في منطقة الساحل والصحراء برداء الأمم المتحدة، واسمه التجاري «عملية برخان»، وهو يُركز على تطهير المجال المُتاخم لليبيا، أي تشاد والنيجر وشمال مالي من الجماعات المسلحة، التي انتشر بعضها في المنطقة، في أعقاب إخراجه من مدينة سرت على الساحل المتوسطي، وبعضها الآخر زحف من نيجيريا وجوارها نحو الشمال. وفي إطار هذه العملية العسكرية، التي تشمل أيضا موريتانيا وبوركينا فاسو، يُرابط 4000 عسكري فرنسي إلى جانب ألف جندي ألماني في البلدان الثلاثة، مع وجود مركز قيادة في العاصمة التشادية نجامينا يُراقبه ضباط فرنسيون. وتتعقب هذه القوات 400 إرهابي يتحركون في المنطقة حاليا طبقا لتقديرات الاستخبارات الفرنسية. وكانت القوات المشاركة في العملية نفذت عدة هجمات في مطلع السنة الجارية في منطقة حدودية بين مالي وبوركينا فاسو.
وتشكل العملية في مجملها عبئا ماليا كبيرا على فرنسا التي تنفق عليها 500 مليون يورو سنويا، ما جعل أصواتا ترتفع في باريس للمطالبة بوضع حد لهذا النزف، وإن تدريجيا. وجالت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي ونظيرتها الألمانية أورسولا فون دير ليان في الأيام الماضية على مالي والنيجر وتشاد لرفع معنويات الجنود وطمأنتهم إلى أن الحكومتين الفرنسية والألمانية لن تخذلانهم. وتُقدم برلين لعملية «برخان» مروحيات قتالية وطائرات من دون طيار، بالإضافة إلى 800 جندي أرسلوا إلى المنطقة من أصل ألف من المقرر أن يدعموا القوات الفرنسية وقوات البلدان الافريقية الخمسة المشاركة في العملية. وتمنت باريس على برلين تقديم غطاء جوي لقوة «برخان» زيادة على تقديم معونة مالية لتعزيز قدرات جيوش البلدان الافريقية الخمسة المشاركة في العملية.
استقالة مدوية
والأرجح أن إدارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون تميل إلى التخفيف من الحملة العسكرية في منطقة الساحل والصحراء، التي تحمس لها سلفُهُ فرانسوا أولاند حماسة مطلقة بُغية إعادة هيبة فرنسا إلى مستعمراتها السابقة، وتأمين استمرار حضورها الاقتصادي والسياسي والعسكري في المنطقة. ولدى مناقشة الموضوع في لجنة الدفاع في البرلمان الفرنسي الذي يسيطر عليه رجال ماكرون، اغتاظ رئيس الأركان الفرنسي بيار دوفيليي رافضا بشدة فكرة خصم 850 مليون يورو من موازنة الدفاع للسنة الجارية، فلجأ ماكرون إلى «توبيخه» ما حمله على الاستقالة من منصبه. لكن تلك الخلافات لا تغير شيئا في الوقت الراهن من الحرب التي تدور رحاها غير بعيد عن الحدود الجنوبية لليبيا، وهي منطقة خارجة عن أي رقابة من السلطات المركزية في طرابلس. وكان الفرنسيون يأملون أن تكثف ألمانيا من مساهمتها في موازنة عملية «برخان» التي عجزت عن جمعها حتى الآن (وهي تُقدرُ بـ500 مليون يورو).
غير أن القمة الفرنسية الألمانية في 13 تموز/يوليو الماضي بددت تلك الآمال، فالتفت الفرنسيون إلى واشنطن، آملين إقناعها بالمساهمة في عملية «برخان» باعتبارها جزءا من الحرب الدولية على الإرهاب. وعلى هذا الأساس دعوا ممثلي القيادة المركزية الأمريكية لافريقيا «أفريكوم» أخيرا إلى زيارة المنطقة، لكن بلا جدوى أيضا. وهم يتجهون حاليا إلى كل من بلجيكا وهولاندا لمحاولة إقناعهما بالمشاركة في العملية العسكرية في الساحل والصحراء. غير أن باريس تفكر في الوقت نفسه في سحب الكتلة الأكبر من قواتها في غضون ثلاث سنوات، بعد القضاء على الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى» بالتحالف مع جماعات محلية لا سيما في شمال مالي.
دعم القدرات المحلية
وكان وزير الدفاع الفرنسي السابق (وزير الخارجية الحالي) جان إيف لودريان يُخطط لتسليم أسلحة القوات الفرنسية تدريجيا إلى قوات محلية مؤلفة من جيوش بلدان المنطقة الخمسة، بعد تلقيهم التدريب اللازم على استخدام تلك الأسلحة. ولا يُعرف موقف خليفته من هذه المسألة. واستدل لودريان في حينه بنجاح العملية المشتركة بين قوات فرنسية وأخرى محلية مطلع العام الجاري في منطقة «غورما» الحدودية بين مالي وبوركينا فاسو. ويعتقد خبراء عسكريون فرنسيون أن كثيرا من عمليات مكافحة الإرهاب يمكن قيادتها من فرنسا بشرط تحسين وسائل النقل الجوي. وتستهوي بعضهم الرؤية الأمريكية التي تعتمد على الضربات الجوية من دون وجود بشري مكثف على الأرض. ويترتب على ذلك الإبقاء على شبكة من نقاط الارتكاز التي تشمل الاستخبارات والاتصالات ومراكز القيادة، مع التخفيف من مراكز الإمداد اللوجستي، التي يمكن العودة إلى استخدامها كلما تطلب الوضع ذلك. من هنا يتأكد أن الحرب التي تقودها فرنسا والدائرة خلف الحدود الجنوبية الليبية، ستبقى مستمرة مع ما يُرافقها من توغلات في الأراضي الليبية، بعنوان ملاحقة الجماعات الإرهابية.
ولا يمكن وضع حد للانتهاكات المتكررة للسيادة الليبية في هذه المناطق الجنوبية، كما في الشمال، سوى بقيام سلطات مركزية قوية، تكون قادرة على ضبط الوضع الأمني والسيطرة على حدود البلد، بالرغم من شساعتها. وتتوقف هذه النقلة على مدى إيمان السيـاســيين الليبيين بضرورة البحث عن توافق يقود إلى تسوية سياسية للأزمة التي تشلُ البلاد منذ ثلاث سنوات، من دون أفق واضح.
رشيد خشانة