ليست مجرد كأس عالم (5): الولايات المتحدة 1994

وأخيراً، ذهبت إلى الجيش، سنوات طويلة من التأجيل ملأت دفتر الخدمة العسكرية مصدقة بأختام زرقاء، حرصت طيلة إحدى عشرة سنة على جلب ما يثبت أنني مستحق للتأجيل، في حين أنهى كثير من أصدقائي خدمتهم الإجبارية منذ ثمانية أعوام.
فبعد الجامعة كان يجب عليّ المكوث في البيت لتنتهي خدمة أخي الأصغر منّي. وكانت الثلاثون تقبض على شابّ حالم قضى سنواته الأخيرة فلاّحاً مجتهداً، يقضي ساعات فراغه في التدريس.

بنينا بيتاً جديداً على أنقاض بيتنا القديم، خنقنا الذكريات مع كلّ لبنة تنهدّم عمودٍ يتكسّر، ذكريات اليُتم و الفقر والحلم، سافر أخي لدراسة الطب في روسيا، وصار نصف أبناء العائلة منتسباً إلى الجامعة، اعتدنا السفر واعتادت أمنا البكاء في الأماسي و أولادها يسافرون إلى الغرب، حيث الشام وحلب وحمص، وهي تنتظر الحافلات القادمة من الشرق كل إشراقة شمس، الحافلات التي تقضي مع الدروب الفقيرة ليلة كاملة، لتوصل طلاب الجامعة والعساكر والمرضى إلى النصف الحيّ المشرق من بلدنا. وعلى مفرق تحولات كبيرة قسمت العالم قسمين، كنا نقرأ هذه التحولات التي أسقطت من المعادلة السياسية القطب الشرقي و تحالفاته، والرياضة الروسية التي تفوقت على الولايات المتحدة في السباقات الأولمبية التي تتناوب مع كأس العالم لكرة القدم الحضور في كل سنة زوجية.
وصلت حمص منتظماً في دورة أغرار صعبة على ابن الثلاثين، وإن كانت معاملتنا أفضل بكثير مما نسمع به، رغم التدريبات المكثفة صباحاً ومساء وحلاقة الشعر الأسبوعية مع التفقد قبيل النوم يومياً… لا تلفاز… لاصحافة… لا أخبار عن العالم، مع ذلك فقد وجدنا سبيلاً إلى بعض امتيازات الحياة المدنية، فقد تعاطف معنا الحلاق وجلب لنا جريدة الاتحاد الرياضية صبيحة كلّ سبت، واستطعنا التسلل في بعض الأماسي إلى مساكن الجنود لنحضر مشاهد من بعض مباريات المونديال الأمريكي، وبعض المباريات المعادة في الندوة كمباريات المنتخب السعودي والمغربي.
وفيما كان لهيب الأسفلت المنعكس عن شمس حزيران يشوي بطوننا ونحـــن نزحف عليه ظهراً، تحت صراخ أبناء المدن، كانت الحرب الأهلية اليمنية تهدد الوحدة اليمنية بالعودة إلى المربع الأول، فيما جراح حرب الخليج الأولى لم تندمل بعد، وتوقفت مجلة الناقد عن الصدور.
لم نتابع جيداً، بالرغم من أن منتخبنا أو منتخب من ليس لديه في المونديال منتخب، وأعني به البرازيل كان يتفوق، بفضل نجومه الجدد بيبيتو وروماريو. وعرفنا أن إيطاليا ستلتقي البرازيل في النهائي.
كان الضابط المناوب إنساناً تفهّم عساكره الجدد القادمين من الجامعات المختلفة، لم يكن عسكرياً تماماً، وكان محبوباً رغم انضباطه في التدريب. طلب الضابط الاجتماع في الساحة العامة، وبعد أخذ التفقد أعد لنا مفاجأة غير متوقعة، فقد أحضر تلفازاً كبيراً، وطلب منا الجلوس على الأرض لحضور المباراة. للمرة الأولى، أحسست أن الرياضة لا تهمني، بعد ولع شديد بالكرة زاد على خمسة عشر سنة، لم أجد دافعاً يشدني إلى حضور المباراة.
وفيما الزملاء يصرخون، غادرت الساحة إلى مهجعي متعباً، يغلبني النوم، ليخبرني زملائي في الصباح الباكر أن البرازيل فازت بكأس العالم.

عيسى الشيخ حسن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية