لا شك إن الكتّاب والأدباء، هم في أغلبيتهم كانوا وما فتئوا ضد الممارسات الظالمة والجائرة أينما وجدت، وهم لا يلجأون إلى الصمت، بل يعبّرون عن احتجاجهم ورفضهم لذلك الظلم، ونشدانهم العدل والمساواة، وعدم التمييز بين أفراد الجنس البشري، وهم ضمّنوا ويضمّنون ذلك في كتاباتهم الإبداعية، إن كانت في القصة أو الرواية أو الشعر أو المسرحية، أو في الخاطرة أو التعليق وغير ذلك.. وأيضا في تصريحاتهم الإعلامية. كذلك هو الأمر لدى الفنانين وعن طريق أي وسيلة فنية متاحة يجيدون التعبير بواسطتها عن مواقفهم ورؤاهم أو اجتهاداتهم. فهل الكتاب والأدباء والفنانون من أتباع الديانة اليهودية وغيرهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو خارجها، كانوا أو كان بعضهم ضد ظلم كيانهم وممارساته قبل وبعد قيام الكيان الصهيوني في فلسطين، وعلى حساب حق الشعب الفلسطيني، وإنهم عبروا عن قناعاتهم بوضوح ضد الاحتلال والقتل والكذب والعنجهية والصلف والممارسات الشنيعة الظالمة والعنصرية تجاه الآخرين ـ الأغيار ـ من العرب، خصوصا ضد الفلسطينيين من بينهم، التي دأب كيانهم على ممارستها وتنفيذها وتلوينها بمساحيق وتبريرات الكذب والادعاءات المفبركة؟
شهادات كاشفة
لم يعدم تاريخ الحركة الإبداعية وغير الإبداعية، ونصوصها وأعمالها المكتوبة من قبل أتباع الديانة اليهودية من نصوص شجاعة، عبرت بوضوح عما اعتبرته عدلا وحقا، ودانت الظلم والتفرقة والعنصرية، وهذه فقرات من نصوصها:
المفكر المعارض لبعض التوجهات الصهيونية آشير يشعياهو غينزبرغ ـ وجدت شارعا يحمل اسمه في مقاطعة بيروبيجان تعبيرا عن تبني جوانب من رؤيته الإنسانية، والمعروف باسم آحاد هاعام، كتب عام 1891، بعد زيارته فلسطين في ذلك العام، مقالا حمل عنوان «حقيقة من فلسطين» جاء فيه: «ماذا يفعل إخواننا المهاجرون اليهود في فلسطين، لقد كانوا عبيدا في بلاد الدياسبورا – الشتات ـ وفجأة وجدوا أنفسهم وسط حرية لا رادع لها، ولقد ولد هذا التحول المفاجئ في نفوسهم ميلا إلى الاستبداد، كما تكون الحال عندما يصبح العبد سيدا. إنهم يعاملون العرب بروح العداء والشراسة، ويهينون حقوقهم بصورة معوجة وغير معقولة، ثم يوجهون لهم الإهانات من دون أي مبرر كاف، ويتفاخرون بتلك الأفعال فوق كل ذلك، وليس هناك بيننا من يقف في وجه هذا الاتجاه الخسيس والخطير في آن «. كما جاء في كتاب «الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية» للدكتور رشاد عبدالله الشامي في الصفحة 181.
أما الكاتب يزهار سميلانسكي، الذي كان جنديا في الجيش الصهيوني عام 1949، وتوفي قبيل سنوات قليلة، فقد كتب في روايته «خربة خزعة» الصادرة بالعبرية عام 1949، ما يلي: «من ذا الذي سيطرأ على ذهنه ذات يوم، بأنها كانت ذات مرة خربة خزعة التي طردنا أهلها وورثناها، وأننا جئنا، أطلقنا النار، حرقنا، نسفنا، ركلنا، دفعنا وهجرنا»، كما جاء في الصفحة 122 من ترجمتها العربية التي تولاها الأديب توفيق فياض ونشرت عام 1981 .
أما الروائي والكاتب المهم حاليا في الكيان الصهيوني، ديفيد غروسمان، الذي قتل ابنه في الحرب التي شنها الجيش الصهيوني على لبنان عام 2006، فقد كتب مقالا في صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية بتاريخ 9/7/2014، جاء في ترجمته العربية ما يلي: وتمضي الحياة في إسرائيل، نبضها حيوي، والابتكار ديدنها، ولكنها مصابة بمس يشبه فوضى التنزيلات في نهاية الموسم، وهي تشبه المصاب بهوس سوداوي، ويتنازعها شعوران متناقضان؛ قوة فائقة وضعف لا يسبر غوره، وتحسب انها تعيش في ديمقراطية هانئة، ترفع لواء الليبرالية والإنسانية، ولكنها تحتل شعبا آخر، وتلحق المهانة به وتسحقه منذ عقود». ويضيف: «تحت سطح هذه المياه التي نتخبط فيها منذ 47 سنة (منذ احتلال البقية الباقية من فلسطين عام 1967) يتدفق تيار قارس قوي يحمل دفق خطر الزيف التاريخي، والخطأ القاتل، والورم المتضخم تحت أنفنا على شاكلة الدولة المزدوجة القومية، أو دولة الحاخامات والمستوطنين. وفي السنوات الأخيرة ألم القنوط بنا، وهو القنوط الذي يعتري المحكومين بالإعدام، الذين يدركون ألا مفر لهم من العقاب، جراء ما ارتكبوه، أو ما لم يحركوا ساكنا للحؤول دونه».
سكين ومقص
أما الشاعرة تال نيتسان، فقد جمعت قصائد شعرية لنحو 45 شاعرا وشاعرة، بلغت نحو مئة قصيدة، أصدرتها في «أنطولوجيا» من دار المنار في باريس حديثا، تحت عنوان «لإزميل من حديد» وتم عرض ما جاء في المجموعة، كما سجله الكاتب أنطوان جوكي: «لعل أفضل طريقة لإقناع الرأي العام الغربي والإسرائيلي بحقيقة، بل بهول الجرائم التي يرتكبها الإسرائيليون يوميا بحق الشعب الفلسطيني، هي في جمع شهادات على هذه الجرائم من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه»، علما بأن القصائد مكتوبة قبل حدوث الغزو والمجازر التي ارتكبها الجيش الصهيوني بحق الفلسطينيين في غزة والضفة مؤخرا. ومن أبرز ما جاء في العرض: «في القسم الذي حمل عنوان «هل ستحتلون البلد بأكمله» نقرأ قصيدة لميير فيزيليتير، يكشف فيها كيف تحول الخطاب الإسرائيلي الموجه إلى الفلسطيني بسرعة من «هيا زح قليلا، إلى إرحل من هنا وإلا سأقضي عليك». تليها قصيدة لرامي ديزاني، يعبر فيها عن خجله وقرفه من شعبه الذي ارتكب الفظائع بوفرة وبلا رحمة، وصم أذنيه عن صراخ الذين سلبهم أرضهم متنبئا بنهاية هذا الشعب العاجلة». في قصيدة لأهارون شبتاي، يخاطب فيها الجنود الصهاينة: «بأي وسخ ملأوا رؤوسكم/ كي تأتوا هكذا في منتصف الليل، تحت مطر غزي/ لهدم أكواخ بائسة/ ورمي مئات النساء والأطفال في الوحل/ يا جنودا مغفلين من رصاص/هل أن أباكم سكين/ لا يعرف غير الحز/ هل أمكم مقص لا يعرف غير القطع؟».
وفي قسم آخر يحمل عنوان «الثمرة تموت قبل الشجرة» نقرأ قصيدة لتوفيا روبنر، يقول فيها «ليس هذا ما كنا نريده/ كلا ليس هذا ما أردناه/ ماذا نحن من دونهم، ولأي هدف؟». تتبعها قصيدة لأرييه سيفان، يفضح فيها عملية إحصاء القتلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، لدى كل مواجهة، ولاسيما حين يقتل رضيع برصاصة في الرأس، أو عجوز تحت التعذيب». ويتوالى اختصار ما جاء في القصائد، ليعتقد القارئ أنها تصور ما جرى وما يجري في غزة وفي الضفة، مع أنها مكتوبة ربما قبل سنوات. وفي هذا ليس من عجب، فالهجمة الصهيونية القاتلة هي نفسها، والضحايا هم أنفسهم، والمجتمع الدولي يتفرج، أو يدين الضحية أو يساويها بالجلاد، وفي هذا يتجلى عهر المصالح والإعلام، وتوكيد أن الصهيوني له «القداسة» نفسها التي تتيح له إبادة من يريد، وأينما يريد، وكيف ما يريد، ومن دون عقاب أو حساب!
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ