في أي دولة، وأتحدث هنا عن الدول الحقيقية وليس عن مزارع الموز، هناك ما يشبه العقد الضمني بين الحكومة والمواطن. فالمواطن يقر للحكومة تمتعها بالسلطة، أي حقها الشرعي في ممارسة القوة وإنفاذ القوانين المستمدة من دستور البلاد والتي لا تتعارض معه، شريطة أن تلتزم الحكومة ابتداءً بذلك الدستور، الذي يفترض أن يكون تعبيراً فعلياً عن إرادة الناس ولم يفرض عليهم. أما إذا قامت الحكومة بالخروج على ذلك الدستور، عن طريق إصدار قوانين وتعليمات مجحفة تمس شيئاً من أمن المواطن أو تهدر شيئاً من حقوقه، فإن ذلك العقد القائم بين الجانبين ينتقض تلقائياً، لتفقد الحكومة شرعيتها، وليتحلل المواطن من وجوب طاعتها. فكما لا تتردد الحكومة في معاقبة المواطن الذي تسول له نفسه تحدي الدستور، فإن من حق المواطن أن يعاقب الحكومة، بالإضراب عن اتباع أوامرها، إذا ما أقدمت هي على انتهاك ذلك الدستور.
مناسبة إيراد هذه المقدمة هي استمرار خرق الحكومات الأردنية المتعاقبة للدستور برفضها منح أزواج وأبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردنيين حقوقهم المشروعة كاملة، أسوة بزوجات الأردنيين وأبنائهم. فالدستور الأردني ينص صراحة ومباشرة في المادة السادسة منه على ما يلي: «1ـ الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين؛ 2ـ تكفل الدولة العمل والتعليم ضمن حدود إمكانياتها وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع الأردنيين». تلك المادة تجبر الحكومة الأردنية، على النظر إلى الأردنيين والتعامل معهم بعين المساواة التامة، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم. وأي إخلال في حقوق الإناث وحرمانهن من شيء من الامتيازات التي يتمتع بها الذكور، لا ينقض الدستور فقط، بل إنه أيضاً ينقض المعاهدات الدولية التي صادق عليها الأردن، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة «سيداو». مع التذكير بأن مفهوم العنف لا يقتصر على الضرب والإيذاء الجسدي، بل يتعدى ذلك إلى الإساءة المعنوية وتهديد الأمن النفسي والاجتماعي للمرأة.
صحيح أن هناك تباينات في الحقوق والواجبات يقول بها الشرع بين الرجال والنساء، كتلك المتعلقة بتعدد الزوجات أو الإرث، إلا أنها تباينات جاءت من لدن الخالق العليم الحكيم الخبير بعباده، ووراءها اعتبارات موضوعية تتلاءم مع العقل والواقع والطب والتاريخ والطبيعة البشرية، بحيث أتت لا لتظلم المرأة وتحابي الرجل على حسابها، وإنما وجدت لتنظيم حياة المجتمعات وضمان استقرارها والحفاظ على صحة أبنائها الجسدية والنفسية، خلافاً للقوانين البشرية التي غالباً، وربما دائماً، ما تتسم بالتحيز والظلم والقصور وقصر النظر. ومن حيث المبدأ، بينما لا يحق لحكومة تدعي أنها تنتمي إلى بلد يتخذ من الإسلام ديناً رسمياً للدولة أن تعبث بالقوانين الشرعية التي فرضها الله فإنه لا يحق لها أيضاً أن تخلط الحابل بالنابل وأن تعطي للاعتبارات السياسية وزن الاعتبارات الدينية الشرعية. فالحكومة الأردنية تحفظت على بعض المواد في اتفاقية «سيداو» بحجة احترام الشريعة الإسلامية، وهذا توجه طيب، ولكن يبدو أن ذلك التحفظ جاء بنيّة تمرير التوجهات السياسية للحكومة، المتعلقة بحرمان الأردنيات، من أصل فلسطيني تحديداً، من بعض حقوقهن كمواطنات.
لا أذيع سراً عندما أقول إن تمنع الحكومات الأردنية عن إعطاء المرأة الأردنية الحق في نقل الجنسية إلى زوجها وأولادها يأتي بالدرجة الأولى على خلفية التخوف من أن يشكل الأردنيون من أصل فلسطيني الأغلبية الساحقة من السكان، علماً بأنهم يشكلون الأغلبية بالفعل حالياً، حسب ما تشير تقديرات دولية عديدة. ويأتي ذلك التخوف على اعتبار أن ذلك قد يهدد الامتيازات التي تمنحها الدولة لمواطنيها الشرق أردنيين، على حساب مواطنيها الذين تعود أصولهم لغرب النهر. ولا داعي هنا للتبجح والمكابرة والإنكار، فهناك ما لا حصر له من الشواهد الصارخة التي تؤكد ذلك الواقع القائم على التمييز. ولو لم يكن ذلك صحيحاً، لما كانت الدولة معنية بسؤال المواطن عن أصله وفصله وتتبع جذوره حتى الجد العاشر عند كل شاردة وواردة، ولما وقفت ضد السماح للأردنيات بنقل جنسياتهن لأزواجهن وأطفالهن. ومن يقرأ التوصيات التي رفعت مؤخراً من جانب اللجنة المشكلة من عدة وزارات إلى مجلس الوزراء بخصوص «التسهيلات والمزايا» لأبناء الأردنيات المتزوجات من أجانب، يرى بوضوح أنها صيغت والهاجس الفلسطيني يسيطر على أذهان أعضائها.
إن حق المرأة الأردنية في ضمان الجنسية الأردنية لزوجها وأبنائها ليس منحة أو هبة أو منة تتكرم وتتنازل بتقديمها الحكومة، ولا يمكن أن يخضع ذلك الحق لمنطق المساومة والتقسيط ووضعه تحت مظلة التسهيلات الاستثنائية والامتيازات العارضة، فهو حق أصيل شرعي ثابت كفله الدستور.
أكاديمي عربي مقيم في كندا
د. خالد سليمان