قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين وكيفية تدويل معاناتهم كانت موضوع المؤتمر الأوروبي الثاني في برلين يومي 30 و31 مايو، الذي جمع نحو 200 من الناشطين الفلسطينيين في الساحة الأوروبية تحديدا، وعددا من أعضاء البرلمانات ومؤيدي الحقوق الوطنية الفلسطينية، بالإضافة إلى ممثلين من كندا والولايات المتحدة والبرازيل وفنزويلا وفلسطين ولبنان.
تجربة فريدة نجحت في سنتها الأولى عام 2014، وتم تثبيت المؤسسة تحت إسم «المؤتمر الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين». الوجود الألماني في المؤتمر كان ضعيفا، لأن تأييد الحق الفلسطيني في ألمانيا مخاطرة تؤدي بمن يجاهر بها إلى الرصيف. الوحيدة التي تحدت الهيمنة الإسرائيلية في ألمانيا هي عضو البرلمان أنيت غروث، الشاهدة الحية على مذبحة أسطول مافي مرمرة 2010. كما أضاف حضور المحامية اليسارية فيليتشيا لانغر وتكريمها، رغم تقدمها في العمر، مسحة صدق ومكاشفة عن حقيقة السياسة الإسرائيلية التي تعامل الأسير كمجرم حرب يستوي في ذلك الطفل والمرأة والمدني والمقاتل والمتظاهر.
من اللمسات المؤثرة في المؤتمر حديث ليلي العيساوي أم الأسير سامر، الذي حطم كل الأرقام القياسية في الإضراب عن الطعام 287 يوما، وبعد أن انتصرت أمعاؤه الخاوية على السجان المدجج بأسلحة الموت والعنصرية والحقد، خرج من السجن ليعود إليه بعد ستة شهور ليقضي فترة محكوميته السابقة، ومدتها عشرون سنة. كما تحدثت أم سامر أيضا عن معاناة ابنتها المحامية شيرين، التي سجنت مع المجرمات الإسرائيليات فدخلت معهن في عراك يدوي أكثر من مرة، نقلت على أثر ذلك إلى سجن انفرادي ومنعت عنها الزيارات. عبلة أحمد سعادات، زوجة الأمين العام للجبهة الشعبية المحكوم بالسجن ثلاثين عاما نقلت صورة عن معاناة زوجها، الذي لم يثبت عليه أي تهمة من التهم التي وجهت له، خاصة بعد اعتراف أحد الرفاق بقيامه منفردا بتنفيذ عملية اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي السابق رحبعام زيفي، ردا على اغتيال الرفيق أبو علي مصطفى في سبتمبر 2001. وقد شدت الحضور كذلك كلمة طارق زياد أبو عين الذي تحدث عن والده الأسير الشهيد الذي سقط دفاعا عن الأرض جوهر الصراع مع هذا الكيان القاهر الظالم.
من هو الأسير؟
لا نعرف ما هو المصطلح الأصح لوصف آلاف السجناء والمعتقلين في سجون إسرائيل من أبناء فلسطين البواسل. فمصطلح أسير حسب القانون الدولي المجسد في اتفاقية جنيف الثالثة (1949) هو كل من وقع في أيدي العدو، وهو جندي في جيش دولة معترف بها، أو في كيان سياسي يدير دولة حتى لو لم يكن معترفا بها، أو مقاتل في ميليشيا تابعة لكيان يحمل شعارا خاصا وأزياء مميزة ويحمل السلاح علنا، وأخيرا مدني هب ليدافع عن بلده أثناء تقدم جيش نحوها لاحتلالها. معظم هذه التعريفات لا تنطبق تماما على الفلسطينيين، بل أن اتفاقية جنيف الرابعة (1949) المتعلقة بمعاملة المدنيين الواقعين تحت الاحتلال أقرب إلى وصف الحالة الفلسطينينة. هؤلاء المعتقلون مدنيون في غالبيتهم الساحقة، طلابا وطالبات وعمالا وفلاحين وأساتذة وبرلمانيين ورؤساء بلديات وشرطة وممرضات. هؤلاء ليسوا أسرى حرب بالمعنى التقليدي، بل مختطفون من بيوتهم ومدارسهم وكلياتهم وأعمالهم. يعتقل الفلسطيني إذا دخل القدس بدون تصريح، وإذا لم يتحمل معاناة الحاجز وصرخ في وجه الجلاد، وإذا بصق في وجه الجندي لأنه قليل أدب، ويعتقل لأن عضلاته أو شاربه لم يرق لمزاج المهاجر الإثيوبي أو الأوكراني. الاحتلال هو الباطل ومقاومته أمر شرعي… وهذا الرفض ومقارعة الاحتلال حق شرعي وقانوني وأخلاقي، كما نصت على ذلك حرفيا الفقرة الخامسة من قرار الجمعية العامة 3236 الصادر بتاريخ 22 نوفمبر 1974 التي تقول: «إضافة، تعترف (الجمعية العامة) بحق الشعب الفلسطيني في استرداد حقوقه بكافة الوسائل بما يتلاءم مع أغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة».
فهل ما يقوم به هؤلاء الأبطال، من رفض للاحتلال، انتهاك لأي قانون أم أن وضعهم في السجون والمعتقلات هو الانتهاك للقانون الدولي، لأن الاحتلال باطل وما بني على باطل فهو باطل. ولكن لغرض الكتابة بعيدا عن التحليل القانوني سنستخدم مصطلح الأسرى كما أقره مؤتمر برلين. «لمناصرة أسرى فلسطين- مؤتمر الشهيد زياد أبو عين».
الأسرى بالأرقام
خمس الشعب الفلسطيني دخل السجن منذ عام 1967. أي نحو 800000 شخص. من بينهم أطفال ونساء ومرضى ومعاقون، نساء وضعن أطفالهن في السجن. ونحن نناقش موضوع الأسرى في برلين كان يقبع في السجن نحو 5800 والرقم دائما مرن يرتفع وينخفض حسب مزاج الدولة المارقة. يوجد 414 معتقلا إداريا بعضهم قضى عدة سنوات بدون توجيه أي تهمه له. من بين الأسرى 85 حرروا في صفقة شاليط وأعيدوا إلى السجن مرة أخرى. وعدد الأسيرات الآن 25 وعدد الأسرى من داخل الخط الأخضر نحو 100 ويصل عدد الأطفال دون سن الثامنة عشرة إلى نحو 240 ويصل عدد المحكومين بالسجن المؤبد 495 وعدد النواب 10، بعد أن نقص العدد واحدا بعد خروج عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي مؤخرا.
بلغ عدد من استشهدوا مرضا أو إضرابا عن طعام أو تعذيبا 103 (كان آخرهم عرفـــــات جرادات 2013). ويوجد الآن نحو 1000 حالة مرضية من بينها 160 حالة مزمنة. ويتوزع السجناء على 22 سجنا ومركز اعتقال.
معاناة الأسرى
حزن ومعاناة ومسؤولية لا تنتهي بخروج الأسير من السجن، على العكس فالمعاناة قد تكون متعددة الجوانب بعد الخروج أكثر منها داخل السجن. في السجن تكون المواجهة المباشرة مع السجان الذي قرر أن يعامل طالبي الحرية من باب قوانينه العنصرية. بعد استعادة الحرية يواجه الأسرى العديد من التحديات تشمل المتابعة الصحية والنفسية، وإعادة التأهيل المجتمعي وإيجاد مصدر دخل شريف يجنب الأسير المحرر العوز والفاقة. والتحديات تصل منتهاها إذا خرج الأسير بعاهة دائمة بحيث تستمر معاناته النفسية والجسمية لسنين قادمة، ليس للأسير فحسب بل لعائلته وللمجتمع والسلطة. وتقوم السلطات المعنية حاليا بتأهيل العديد من الأسرى، خاصة في موضوع استئناف الدراسة التي انقطعوا عنها بسبب السجن. وقد بلغ عدد من استكملوا دراساتهم الجامعية 5995 ويوجد الآن 1173 أسيرا يتابعون دراساتهم بينما انتفع من التأهيل المهني 12291، كما استفاد من برنامج القروض الصغيرة للمحررين نحو 20000، ولكن يبلغ عدد العاطلين عن العمل من المحررين نحو 20000. وما أسهل أن يتحول الأسير العاطل والمهمش إلى قنبلة موقوتة إذا لم يتم تأهيله بالعمل والزواج وتكوين الأسرة.
انتهاكات حقوق الأسرى
بما أن إسرائيل موقعة على اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والمعاهدة الدولية لحقوق الطفل، فيمكن فضحها وجرجرتها إلى المحاكم المحلية والإقليمية والدولية من هذا الباب. وهناك مجموعة من الممارسات تمارسها إسرائيل ضد المعتقلين والأسرى نذكر هنا غيضا من فيضها:
– إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي لديها محاكم عسكرية لمحاكمة الأطفال. وقد أصدرت الأمر العسكري «132» الذي يعتبر طفلا من هو دون سن 16 سنة وهو مخالف صراحة للقانون الدولي. يصل الأطفال المحكمة مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين ويعطون أحكاما طويلة وجائرة، فهناك طفل حكم بالسجن المؤبد وهناك 3 أطفال حكموا بالسجن 15 عاما. كما يفرضون على الأطفال غرامات باهظة قد تصل إلى 60000 شيقل.
– إسرائيل تمارس التعذيب وبتفويض من محكمتها العليا. ولا تأبه برأي عام أو قانون دولي..
– الرعاية الصحية للأسرى جزء من القانون الدولي حسب نص المادتين 91 و92 من اتفاقية جنيف الرابعة، ويتعين على سلطة السجون توفير الأطباء والأدوية والمعدات. كل ما تقدمه إسرائيل بعض المسكنات وتحرم الأسرى من العلاج الصحيح متعمدة أن يصاب السجين بمرض يحمله معه حتى لو خرج من السجن ليبقى خارج دائرة الفعل والنضال.
– الحرمان من الحقوق التي يكفلها القانون الدولي، مثل عدم الاعتقال التعسفي والحق في معرفة أسباب الاعتقال وتحديد مدة الاعتقال وتوفير محام للدفاع عن المعتقل وإعلام الأسرة عن مكان وجوده والحق في الاعتراض على التهمة والظهور أمام القاضي. ولا يجوز لسلطات الاعتقال الحط من كرامة المعتقل أو تعريضه للتحرش الجنسي أو المخدرات أو أي مواد قد تؤثر عليه جسميا أو نفسيا.
كلمات أخيرة حول الأسرى
نثمن مثل هذه الجهود العظيمة التي تسلط الأضواء على معاناة آلاف المناضلين والأبطال من أبناء الشعب المناضل. كما نثمن كذلك اللجان التي انبثقت عن المؤتمر، خاصة اللجنة البرلمانية والقانونية والطبية وكذلك تشكيل لجان دعم ومساندة للأسرى في أكثر من بلد، والاتفاق على تقديم إسرائيل للمحاكم المحلية، خاصة في أوروبا وإشراك الجاليات العربية في المهاجر لتدويل قضية الأسرة. إلا أننا نود أن نؤكد على ما يلي:
– إن التعاون الأمني بين أجهزة السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال يهزم منطق العمل على إطلاق سراح الأسرى، ويكشف ازدواجية الخطاب؛
– إن مسألة الأسرى يجب أن توضع في الإطار الصحيح كجزء من نضال الشعب الفلسطيني والعربي ضد الكيان، وحتى لو أطلقت إسرائيل كافة المعتقلين لما انتهى النضال لأن جوهر الصراع ليس الأسرى بل الأرض والشعب المهجر أو المسجون في وطنه.
– الوقت حان لمراجعة اتفاقية أوسلو الكارثية وتقييم ما جرت على الشعب الفلسطيني من كوارث وأحد هذه الكوارث، هي قيادة أوسلو نفسها المتمسكة بوهم التسوية والتي أعفت الاحتلال من مسؤولياته القانونية تحت يافطة المفاوضات وعملية السلام.
– وأخيرا، كما طرح العديد من المتدخلين، آن الأوان أن ينتقل الشعب الفلسطيني لممارسة جماعية موحدة للنضال الجماهيري والسلمي المستمر والشامل، الذي لا يتراجع ولا يخمد ولا يفتر مصحوبا بنضال سياسي لتعزيز برنامج المقاطعة، وسحب الاستثمارات والعقوبات ومطاردة إسرائيل قانونيا في كل المحافل الإقليمية والدولية، وحشد الدعم الدولي لمحاصرة إسرائيل وعزلها وطردها من كل منظمة دولية أو مهرجان أو ألعاب أو تجمع. عندها يصبح قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والمتواصلة جغرافيا والقابلة للحياة أمرا ممكنا. وبدون ذلك سيبقى أبناء فلسطين ينتظرون طبخة الحصى التي وعدتهم أمهم أنها ستنضج قريبا كي يأكلوا ويشبعوا قبل أن يخلدوا إلى النوم.
٭ أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز بنيوجرزي
د. عبد الحميد صيام