مؤتمر فتح فرصة الخروج من مملكة الأشباح

حقق المؤتمر السابع لحركة فتح الأهداف التي انعقد من أجلها، فلا أحد كان يتوقع أن يعلن المؤتمر موجة جديدة من الثورة، كما أن أحداً لم يطالب الأعضاء بذلك، وجميع المطالب الفلسطينية اليوم تنصب على تخليص المشهد الفلسطيني من حالة الفوضى الممتدة منذ حصار المقاطعة نهاية سنة 2001 وعلى اللجنة المركزية التي أفرزها المؤتمر أن تحرص على استثمار هديتين مهمتين ومؤثرتين، تحملان دلالات سيمتد أثرها على امتداد المرحلة المقبلة.
الهدية الأولى تمثلت في كشف الوزن الحقيقي للأصوات التي ناهضت المؤتمر، وراهنت على القيادات السابقة التي أقصتها الحركة نتيجة الفشل السياسي والميداني، الذي أدى إلى حالة الانشقاق والاستقطاب بين رام الله وغزة، فأتى المؤتمر ليشهد الحد الأدنى من المناكفات الفلكلورية لدى التنظيمات الفلسطينية، وكان (الطخ) على المؤتمرِ ينحصر في تراشقات محدودة من بعض المنابر الإعلامية، ومن ورائها حملات (فيسبوكية) لم تتمكن من أن تحدث أثراً على مجريات الأحداث في رام الله، ومع أن بعض الحريصين على ما تبقى من الصف الوطني الفلسطيني طالبوا بالتريث والتمهل للحيلولة دون اهتزازات جديدة في المشهد الفتحاوي، أرادوا أن يتجنبوا عملية تفجير المؤتمر من الداخل، إلا أن مجريات الأمور أدهشت الجميع وكشفت أن مشكلة المؤتمر لم تكن إطلاقاً في التوقيت، ولكن في وجود الشجاعة الكافية لمواجهة الأسئلة الصعبة على المستوى الفلسطيني، الذي يواصل خضوعه لعملية عزلة ممنهجة إلى حد كبير من أطراف عربية فاعلة.
مع الهدية الأولى تظهر أيضاً إمكانية إفراز قيادات جديدة، وفي مقدمتها مروان البرغوثي الذي تصدر انتخابات اللجنة المركزية، وكذلك ناصر القدوة الذي بدأت بعض الأطراف تطرحه لخلافة الرئيس عباس، وهو ما يضرب عميقاً حظوظ محمد دحلان، الذي لا يمتلك الشرعية النضالية التي للبرغوثي، وتعوزه الكاريزما الشخصية التي يحتاجها رئيس يمكن أن يمثل فلسطين، في عملية ستكون شاقة ومجهدة من أجل إعادة القضية للمشهد العام في المنطقة، بعد أن تراجعت وراء أحداث الربيع العربي.
المناهضون للمؤتمر والمشككون في الحركة يعتمدون على مبدأ التخوين بالجملة، وهو الأمر الذي لا يقره أي من المتابعين للقضية الفلسطينية وتطوراتها في السنين الأخيرة، فرغم وجود الفساد والتجاوزات على نطاق يمكن أن يعتبر مقلقاً داخل فتح، وعلى مستوى السلطة الوطنية، ومع الإقرار بوجود الانتهازيين والمنتفعين والمتكسبين بين صفوف المشاركين في المؤتمر، إلا أن ذلك لا يعني إطلاقاً أن يعتبر المؤتمر في حد ذاته تفريطاً أو خيانة، ولا يمكن لأي شخص مهما بلغت ادعاءاته الوطنية وأوهامه النضالية أن يقنع الفلسطينيين، بأن مئات من المشاركين ممن دفعوا من أعمارهم ومستقبلهم أثمان الأسر والمطاردة يجتمعون على الباطل، وأنه وحده يستطيع أن يحتكر الخطاب الوطني الفلسطيني.
أما الهدية الثانية فتمثلت في قدرة الحركة على التواصل البناء مع حركة حماس، التي حضرت المؤتمر بما يشكل الخطوة العملية الواسعة، بعد اللقاء السابق بين الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ونائبه اسماعيل هنية، وربما كان اللقاء في حد ذاته بالنسبة للرئيس عباس الدافع الاساسي وراء تجاهله لجميع المناشدات المخلصة والملغمة على السواء لتأجيل المؤتمر، وكانت حماس بدورها تتقدم خطوة إضافية في تصريح واضح ومباشر، بأن مشاركتها ليست خطوة بروتوكولية ولا رفعا للعتب، وإنما تقع ضمن الإحساس بالمسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني عامة.
تعززت الهدية الثانية بمستوى الحضور من وفود عالمية مرموقة لأعمال المؤتمر، وهو ما يمثل اعترافاً بالمكانة التي تحوزها فتح ضمن الحركة الوطنية الفلسطينية، وأتت شهادات رئيس الاشتراكية الدولية وممثل الاتحاد الأوروبي وممثل الأمين العام للأمم المتحدة، لتصب في التأكيد على هذه المكانة وعلى أهمية الخطوة التي اتخذتها الحركة تجاه تجديد هيكلها القيادي، وهو المطالب عملياً اليوم بأن يثبت بأن تصعيده كان خطوة ضرورية وغير قابلة للتأجيل، وأن يستطيع أن يصنع فارقاً يذكر في إعادة تفعيل الحركة الأكثر تأثيراً في الساحة الفلسطينية.
تخلصت الساحة الفلسطينية من أشباح خيمت طويلاً على المشهد، وكانت تفوت على الفلسطينيين حتى فرصة الانتحار، في وقت كان يبدو أنه المخرج الوحيد لواقع مأزوم وكارثي، لأن الاتهامات كانت جاهزة في ذلك التوقيت للطعن، في أهلية القيادة واستثمار الخراب الفلسطيني للترويج للمشروعات الشخصية الضيقة والانتهازية، واليوم فإن السؤال يجب أن ينصب على الشرعية داخل ما يعرف بأراضي السلطة الفلسطينية، ويتوسع ليصبح سؤالاً عن الشرعية في صفوف الفلسطينيين في الشتات، الذين أصبحوا سؤالاً يشتمل على مفارقات منطقية تعريفية، وأعباء أخلاقية تأسيسية، وفي حالة توانت القيادة الجديدة للحركة عن التصدي لفكرة منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة النظر في دورها ومضمونها الحاليين، فإن ذلك سيجعل المعركة على تمثيل الشعب الفلسطيني تنتقل لخارج الأراضي المحتلة، وسيدفع بالجميع للمربع الأول، ولذلك على حركة فتح أن تدرك أن زمناَ جديداَ يحضر بشروط مختلفة هذه المرة، وأن عملهم سيجري تحت وطأة متابعة حثيثة تترافق مع حملات التصيد والتربص المجانية والمدفوعة.
لا شيء يدعو للتفاؤل على الجانب (الاسرائيلي) وأسوأ ما يمكن أن تفعله الحركة اليوم هو محاولة تقديم أوراق اعتمادها لدى (تل أبيب)، فالحركة جزء من السلطة الوطنية التي يجب أن تستقبل عملية واسعة لإرساء شرعية جديدة وشاملة، وأن تدخل في عملية موجعة من أجل المكاشفة والمحاسبة، تكون هي المدخل للمصالحة التي يمكن أن تظلل انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة، تنتج حكومة تستطيع أن تستعيد ثقة العالم، بعد أن بدأت منسوبات الثقة في السلطة الوطنية تتراجع بصورة فادحة، نتيجة استثمار حالة الخوف المتبادل وشراء الحلفاء والأنصار في صراع الأشباح، في التغاضي عن ملفات فساد وتبديد تتطلب وقفة جدية وحاسمة تجاهها.
الانتخابات الفلسطينية المرتقبة التي تأخرت لسنوات أصبحت اليوم ممكنة، ومؤتمر فتح كان بروفة لقدرة الفلسطينيين على ممارسة الديمقراطية، وعلى الفلسطينيين أن يعترفوا بأن الديمقراطية هي أحد أسلحتهم في مواجهة شاملة مع العدو بسلوكه السرطاني، الذي كان يشجع جميع الممارسات غير الديمقراطية ويرعى السلوك المافياوي في بعض القطاعات والمجالات في الأراضي الفلسطينية، وعلى الرئيس عباس أن يستعجل الاستحقاق الديمقراطي، وأن يفتح الطريق أمام الجميع من أجل المشاركة، وعدا ذلك فإن المؤتمر لن يستطيع أن يترجم نفسه من الوضع التنظيمي إلى الفعل الوطني، وسيبقى مجرد خطوة إضافية في ملحمة أو مهزلة (محلك سر) التي استنزفت إلى اليوم نضالات وتضحيات أربعة أجيال منذ النكبة، وما زالت تمتلك الشهية لأن تلتهم المزيد.

٭ كاتب أردني

مؤتمر فتح فرصة الخروج من مملكة الأشباح

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية