الجزائر ـ «القدس العربي»: يعيش المنتخب الجزائري لكرة القدم في دوامة منذ رحيل المدرب البوسني وحيد خاليلوزيتش بعد مونديال 4201، فالمنتخب الذي بناه المدرب البوسني حقق أكبر إنجاز في تاريخ الكرة الجزائرية بالتأهل إلى الدور الثاني من مونديال البرازيل، قبل أن يقصى على يد الفائز باللقب لاحقا الماكينة الألمانية في مباراة «تاريخية» لم يكن فيها الفوز فيها للألمان سهلا.
بعد المونديال اختار المدرب «رمي المنشفة»، رغم أن الجماهير كلها كانت تريد بقاءه، وحتى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة تدخل وطلب منه الاستمرار على رأس المنتخب، لكن خاليلوزيتش فضل الرحيل، متأثرا بـ»ديكتاتورية» محمد راوراوة الرئيس السابق للاتحاد الجزائري، لتبدأ رقصة المدربين على رأس المنتخب. خمسة مدربين في أقل من أربع سنوات، آخرهم وأكثرهم إثارة للجدل رابح ماجر، نجم المنتخب في الثمانينات وبداية التسعينات، صاحب العقب الذهبي الذي أهدى للجزائر اللقب الإفريقي الوحيد في تاريخها سنة 1990.
تعيين ماجر كان مفاجئا وصادما، فلا أحد كان يتوقعه، لعدة أسباب، أولها أن «مصطفى» اسم الشهرة لماجر )سبق له أن درب المنتخب في بداية الألفية الحالية، وفشل في مهمته، واستقال بعد صراع مع راوراوة، وظل لسنوات يعيش في ثوب الضحية، ولا يتوان في انتقاد رئيس الاتحاد والمدربين بسبب أو بدونه، فكل شيء بدون ماجر لا يصلح ولا معنى له، حتى إنه قال مرة إن خاليلوزيتش مدرب مغمور وأن الجزائر هي التي صنعت له اسماً، بل وقلل من أهمية التأهل إلى نهائيات كأس العالم، مؤكدا أنه أمر سهل. ماجر أرغى وأزبد وقصف كثيرا انطلاقا من بلاتوهات مكيفة، لم يكلف نفسه عناء التعلم للحصول على شهادات التدريب، ولا النزول إلى الميدان لصقل معارفه وتجاربه، ولم يتوقع أن مهمة تدريب المنتخب ستؤول إليه يوما، و أن السحر سينقلب على الساحر.
بداية ماجر مع «الخضر» كانت صعبة، فالصحافة أثارت ومنذ البداية قضية عدم حصوله على الشهادات التي تمكنه من تدريب منتخب، وهي اتهامات لم يستطع ماجر وضع حد لها. ومع المباريات الأولى للمنتخب، رسمية وودية وظهور الفريق بوجه شاحب، وغياب الأداء والنتائج، بدأ ضغط الجمهور والصحافة يتزايد، وبدأ صدر «مصطفى» يضيق، وكان أول مؤشر عليه انفجاره في وجه صحافي يعمل في الإذاعة الحكومية، صارخا: «تيزي فو تيزي فو» (اصمت… اصمت) قبل أن يقرر مقاطعة الصحافة، ثم يطل بعد فترة عبر التلفزيون الحكومي ويطلق ما تحول إلى نكتة عنوانها «ألو بورتو». ماجر ضرب تاريخه الكروي بالعقب وأصبح أكثر مدرب تعرض إلى السخرية والانتقاد في تاريخ المنتخب الجزائري. ورغم أنه حاول مؤخرا عقد صلح مع الصحافة، بمنح عدة حوارات لقنوات تلفزيونية جزائرية في يوم واحد، إلا أن القدر شاء أن يزيد الضغط عليه، فقد قرر اتحاد الكرة فجأة إعفاءه وطاقمه الذي يتشكل من المدربين المعروفين جمال مناد ومزيان إيغيل من الإشراف على منتخب المحليين، ما وضعه في حرج أمام الجمهور والصحافة. وزادت متاعبه عندما قرر فجأة استدعاء ثلاثة محترفين سبق أن لعبوا للمنتخب، وكان هو قرر الاستغناء عنهم بدعوى فتح الباب للمحليين، ما فسر على أنه تخبط وعدم وجود رؤية واضحة لديه، وكم كانت صدمة ماجر كبيرة عندما فوجئ بأن اللاعبين الذين استدعاهم رفضوا تلبية الدعوة. ويعتقد الصحافي الرياضي زكريا حبشي أنه لم يكن هناك معيار واضح لإختيار مدرب المنتخب، خاصة بعد الإنتقادات اللاذعة من وسائل الإعلام والجماهير عندما تم تعيين المدرب الإسباني لوكاس آلكاراز، كون سيرته الذاتية لاتسمح له بقيادة منتخب بحجم الجزائر ونتائجه خير دليل، فالجمهور كان ينتظر أن يتم تعيين مدرب كبير بعد المشاكل التي حدثت بين اللاعبين والمدرب رايفاتس، ويبدو أنّ رئيس الاتحاد أراد مجاملة المحليين واعطاءهم فرصة، وهذا ما حدث بتعيين ماجر الذي لم يُزاول مهنة التدريب لأكثر من 12 سنة، ضاربا بالمعايير عرض الحائط، ورد فعل الجمهور كانت واضحة، فالكل يطالب بمدرب يعيد هيبة المنتخب. واعتبر أن ماجر وجد منتخبا جاهزا ولا علاقة له بالمشاكل بين زطشي ورورواة، وكان يمكن له أن يحافظ على اللاعبين ويكسب ودهم بدل الكلام «الفارغ» وتحويل المنتخب الى حقل تجارب، مشيرا إلى أنه أعاد المنتخب إلى نقطة الصفر، لأنه لم يوفق في خياراته لا هو ولا الإتحاد الذي فشل في جلب لاعبين من الدوريات الأوروبية مثل حسام عوار مهاجم ليون الذي أبدى رغبته في اللعب مع المنتخب في وقت سابق، كما لم يمنح ماجر فرصة لآخرين مثل لاعب ليل الفرنسي ياسين بن زية، وأيضا تهميشه لسفير تايدر ورياض بودبوز والحارس وهاب مبولحي وسفيان فيغولي، مقابل منحه فرصة لمحليين لا يملكون الخبرة ولا حتى المستوى الذي يؤهلهم للعب في المنتخب، بما يوحي أن هناك اما مشكلة لماجر مع المحترفين أو خضوعه إلى أوامر فوقية.
ويرى سعيد فلاك الصحفي الرياضي أن الجميع يعلم أن مستوى ماجر التكتيكي ليس كبيرا، لكن الناس الذين ينتقدونه، ينسون أن مستوى الفريق مع المدربين السابقين مثل رايفاتس وجورج ليكنس وألكاراز كان متواضعا جدا، مع أن ليكنس مثلا مدرب سبق له الإشراف على منتخبي تونس وبلجيكا، مشددا على أن مشكلة المنتخب عميقة، كما أن المنتخب مع رابح ماجر لم يلعب مباريات قوية ورسمية كثيرة حتى يمكن أن نقيس مستواه، لأن المباريات الودية ليست مقياسا حقيقيا. وذكر فلاك أن ماجر لم يأت بنية التركيز على المحليين، هو أراد «أفرقة» الفريق، فبالنسبة إليه اللاعبون الذين تعودوا على الملاعب الأوروبية لا يمكنهم التأقلم مع المناخ الإفريقي، بدليل ما كنا نراه في نهائيات كأس أمم إفريقيا في كل مرة، وهو من حيث المبدأ محق، ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها، بل يجب أن يكون نتاج عمل يبدأ من الفئات الصغرى لتحضير لاعبي المستقبل، هو أراد تطبيق ما كان موجودا في الثمانينات عندما كان لاعبا، وعندما كان المنتخب يتشكل أساسا من لاعبين محليين، ولكن حتى ذلك الفريق لم يفز بأي لقب إفريقي، واللقب الوحيد الذي فازت به الجزائر كان سنة 1990 على أرضها.
أما ما يتعلق بمدى تأثر ماجر بما يجري حوله، أوضح فلاك أن كل شيء مرتبط بمدى استمرار اتحاد الكرة في دعم المدرب، مع أن مؤشرات توحي أنه تم التخلي عنه، بدليل أنه أعفي من مهمة تدريب المحليين، كما أن الاتحاد لم يتحرك بعد إعلان فيغولي ومبولحي عدم تلبية دعوة المدرب، لأن عندما أبلغ فوزي غلام الاتحاد بأنه مصاب، طلب منه أن يأتي ليتم فحصه في الجزائر، والتأكد من إصابته، في حين أن هذه المرة، وحتى الآن، لم يطلب الاتحاد من فيغولي القدوم للخضوع إلى فحص طبي، فالمفروض أن اللاعب يحضر إلى المعسكر، ثم يقرر الجهاز الفني للمنتخب تسريح اللاعب أو اللاعبين، إما لنقص اللياقة أو بسبب الإصابة، وحده رفيق حليش سيحضر للتأكيد على أنه مصاب. واعتبر فلاك أنه من الصعب تصور أن رئيس اتحاد الكرة خير الدين زطشي هو من يريد رأس ماجر، لأنه يكن له احتراما كبيرا، بل الأمر ربما يتعلق ببعض أعضاء الاتحاد، بسبب النتائج وضغط الجمهور، وربما لأسباب أخرى، ولكن الأكيد أنه إذا قرر ماجر «رمي المنشفة» والاستقالة، فلن يتمسك به زطشي، موضحا أنه غالبا سيبقى ماجر حتى استئناف التصفيات المؤهلة إلى نهائيات أمم إفريقيا 9201، فإذا خسر أمام غامبيا في سبتمبر/أيلول المقبل وتعثر مجددا أمام بنين في أكتوبر/تشرين الأول فستكون الإقالة مصير ماجر لا محالة.
كمال زايت