ما يثبت عدم جدواه يُستعاض عنه بسواه

 لقد وعى المفكّر المسلم وظيفته في إصلاح حياة الإنسان في الدنيا والآخرة بالتّمييز بين مطالبها وشروط بقائها المادية والمعنوية، وبالسعي إلى تخليصها من مواطن الانحراف عن سبل الحق فهما وممارسة للفهم، وإلى تجنيبها مظاهر الخلط في تأويل النواميس والشرائع .
ويُردُّ هذا الفهم في أصله إلى منابت مكوّن الموروث الثقافي عن الأوائل وما اتّصف به من الإغراق في الفكر المثالي ومنزع التجريد الذهني على النّحو الذي وصل عليه، إلى البيئة الثقافية العربية الإسلامية، وهو ما يفسّر محاولة الفلاسفة المسلمين تقديم الإضافة في العلوم الحكمية، لغة ومنهجا واشكالات فلسفية ومواضيع مبتكرة، اعتقادا بشرفها، وبأفضلية النّموذج العقلي، فعملوا على استخلاص المعاني وتشريع القيمة حبّا في العلم والعمل والعلم، والتماس الحلول بحثا عن الحكم الصائب والعمل الأجدى والأنفع ماديا وروحيا، تفكيرا وسلوكا، ليؤكد بذلك الخطاب الفلسفي الإسلامي أهمية العقل والعلم في الحياة الإنسانية عموما، وعلى صعيد الخيار الاعتقادي خصوصا، من جهة فهم يرى أن العلم لا يمكن أن يُقال عنه أكثر مماّ يقوله هو عن ذاته لحظة إنجاز المعرفة العلمية انجازا فعليّا، أو من مدى قدرة العلم على تجاوز أخطاء الفهم البشري في تفسير قوانين الطبيعة والكون، لأنّ العلم يتقدّم في الأصل بتجاوز الأخطاء والأحكام التي ترتقي إلى مرتبة المعرفة في وقت ما ويمكن أن تفقد قيمتها، وتنحط منزلتها في وقت آخر، فترتفع بالتالي أحكامها العلمية للاستعاضة عنها بأحكام علمية أخرى في حدود نظرة علمية دقيقة ومحكمة.
بان لنا بذلك أنّه لا وجود لدستور نهائي لعقل علمي سويّ وثابت، لأنّ العقل  العلمي عقل متجدّد ومتطوّر ومنفتح دوما، نظريا وعمليا وتطبيقيا في الوقت نفسه، فما من شيء تصوّرناه ممكنا إلّا وكان ممكنا حتى إن خالف حصوله ما تصوّرناه عليه، لكون العالم التصوّري الإنساني كلّه متضمّنا في الوجود الانساني وهو دائما دون ما يقبل التصوّر بالنسبة إلى العقل الإنساني، فضلا عمّا هو حاصل فيه بما هو وجود متعيّن حدّده الله بمقتضى علمه بالكلّ وجعله مناسبا للعالم، الذي استخلف فيه الإنسان، أمّا سائر الصفات المشتركة فقد لا يمكن الإحاطة بها، ولا ريب أنّه كلّما كان الإنسان بها أعلم كان بالموصوف أعلم وأنّه ما من تصوّر إلاّ وفوقه تصوّر أكمل منه.. فإنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم الأشياء كما هي عليه من غير احتمال زيادة. أمّا نحن فما من شيء نعلمه إلاّ ويخفى علينا من أموره ولوازمه ما لا نعلمه، ما يجعل المُمكن الذّهني مهما جمح الخيال دون الممكن الوجودي الذي لا نحيط به علما بأسمى ما لنا من مدارك. ومن ثمّة فلا يمكن إمكانا أن نطلق علمنا حتى لو أردنا، لكون خيالنا يبقى دائما ليذكّرنا بمحدودية العلم بالقياس إلى الخيال، فضلا عنه بالقياس إلى الوجود وذلك هو القصد بطور ما وراء العقل عند الغزالي الذي لا ينفي وفق هذا المفهوم الثقة بالأوّليات وأهمّها مبادئ العقل.
تلك إمكانيّات الإنسان مهما بلغ لن يعلم إلاّ القليل من وجود نفسه، فضلا عن الوجود كلّه، فالإدراك الإنساني مهما سما فإنّه يبقى دون الوجود الإنساني، فضلا عن الوجود المطلق. وإنّ كلّ ذلك لا ينفي اعتبار أنّ خصائص التفكير في العصور الوسطى غيرها في العصور القديمة أو في العصر الحديث، وهو في نظرنا الفهم المساعد على أنّ كلّ عصر إنّما يصبو إلى مزاج ما من العبقرية يحتاج إليه أكثر من غيره، والاختلاف بين عقليتين لا يجعل إحداهما أفضل من الأخرى، بل إن هذا الاختلاف «ضروري» جدّا و»طبيعي» ويعبّر عن واقع حي محسوس. وكلّ ما يثبت عدم جدواه يستعاض عنه بسواه.
كان حينئذ الارتباط بأصول التكوين والتحصيل ارتباطا أساسيا لتثبيت سلطة معارف الأعلام الأوائل أو جيل الريادة والتأسيس ولو عرف فلاسفة الإسلام أرسطو من خلال كتبه وكتب المدرسة المشائية وحدها لأنشأوا بلا ريب مذهبيا غير المذهب الذي تركوه لنا. ولكن مدرسة الإسكندرية قامت بينهم وبين المعلم الأوّل، وأثّرت فيهم تأثيرا عميقا، وممّا زاد هذا التأثير قوّة أن تلك المدرسة كانت تهمّهم مباشرة لاشتمالها على آراء متّفقة مع الأغراض الدينية، لذلك رأينا فلاسفة المسلمين يعرفون (فورفوريوس) و(ثامسطيوس) و(الإسكندر الأفروديسي) أكثر ممّا يعرفون تلاميذ أرسطو القريبين منه، حتّى أن الشروح الإسكندرانية كانت في نظر المسلمين جزءا متمّما للمذهب الأرسطي كما ذهب إلى ذلك كثيرون.
لا يمكننا القول بأنّ ثمّة حضارة إسلامية صافية تولّدت عنها الفلسفة الإسلامية وتبلور خطابهـا الفلسفي متشرّبا من معطيات ارثها الخاصّ وينابيعها المفردة، فقد نفذت إلى الإسلام تيارات ثقافية ودينية متعدّدة تفاعلت فيه ومعه في جوّ من التبادل الثقافي والإثراء المعرفي اغتذى في إطاره العقل الإنساني في فهم نظام العالم وبنية تكوينه، ومن الطبيعي أن تنشأ عن هذا التفاعل أفكار جديدة ينعكس أثرها الإيجابي في تطوّر الفكر البشري.
والسؤال المطروح اليوم يكمن في الرّهانات الحقيقية أمام الفكر العربي والاسلامي لكي يساهم في إنتاج المعرفة وتوسيع أفقها الإنساني والكوني شكلا ومضمونا في أصل حال الفهم والإفهام والتفهيم وتحقيق الإقناع تحليلا وتركيبا ونسج خيوط الإبداع صياغة وتأليفا.
كاتب تونسي

ما يثبت عدم جدواه يُستعاض عنه بسواه

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية