دخلت المنظرة السياسية حنة أرندت مغامرة فكرية كبرى بذهابها للقدس من أجل تغطية وقائع محاكمة الموظف النازي أدولف إيخمان، الذي اختطفته الموساد من ملاذه في الأرجنتين، حيث كان يختبئ خلف شخصية مستعارة، وكانت ثمرة هذه المغامرة، كتاباً أثار الغضب في إسرائيل، وأوقع أرندت في مشكلات جمة مع النخبة الأمريكية.
الكتاب أتى بعنوان «ايخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر»، كما أتت الترجمة العربية التي اعتمدت وصف التفاهة، مع أن الحري بها أن تترجم Banality على أنها الاعتيادية، فأرندت ناقشت مدى حدود مسؤولية إيخمان الذي اتهمته إسرائيل بالمشاركة في المحرقة، ورأت أنه كان ينفذ الأوامر، وأن الشرور التي وقعت على اليهود في الحرب العالمية الثانية من الصعب أن تكون ذات صفة شخصية، حيث أن الشر في حد ذاته يرتكبه ذلك اللا- أحد الذي ينتجه المجتمع الشمولي.
عالم اللا- أحد الشمولي ينتج أساساً من شخصية المجتمع الشمولي، الذي لا يعترف بفردانية الشخص، ولكن يبدو أن هذا العالم ينطلق أيضاً من ظروف الفردانية المطلقة التي يعيشها العالم مع وسائل التواصل الاجتماعي، بمعنى أن تعدد القدرة على إنتاج الرأي وترويجه، بحيث يصبح عدد الآراء والتوجهات مساوياً لعدد الأفراد، وربما أكثر منهم باعتبار الأشخاص المتناقضين، فإن فردية الإنسان تصبح غير ذات معنى، ويصبح من الصعب البحث عن مسؤولية جهة معينة عن أي شيء، فالجميع مثلاً يمتلك نظرياته بخصوص الشأن السوري، يوزع إداناته واتهاماته في كل اتجاه، يشكل رأيه من نتف من الأخبار بعضها، أو كثير منها، مجتزأ أو محرف أو حتى مزيف بالكامل، يكتب مواقفه التي تتشكل من عصبيات قديمة مستقرة لديه تجعله يرى الخبر من خلالها، بدون أن يعطي لنفسه فرصة التفكير، وبذلك يتفتت أصلاً مفهوم الرأي العام، فالجميع يتحدث والجميع يشكك في الجميع، والجميع لا يمكنه أن يصل إلى نتيجة، وبالمحصلة فالفردانية التي تجعل من كل شخص يتصور أنه فيلسوف ومنظر تجعل من المنطقي ظهور ترامب ونتنياهو وشخصيات أخرى كثيرة، أصبحت الشكوك تحوم أصلاً حول صحة قواها العقلية، قبل أن تتوجه لدراسة أو توقع أو تحليل أدائها السياسي.
توجد ظاهرة يدعوها علم النفس بـ(تأثير المتفرج) ويعتبرونها مسؤولة عن تفسير عدم تدخل المتفرجين في حالة وجودهم في مجموعات للحد من العنف الذي يمارس على أحد الضحايا، ففي حالة اعتداء شخص أو مجموعة أشخاص على ضحية ما في ميدان مكتظ بالبشر، فإن احتمالية أن يتدخل المتفرجون لتخليصه أو مساعدته تصبح محدودة للغاية، لأن الضمير الفردي يتماهى في الجماعي، ويشعر كل فرد بأن الآخرين يمكنهم أن يتحركوا، وأنهم طالما لم يفعلوا ذلك، فهو معفى من الناحية الأخلاقية من تركه الضحية بدون مساعدة أو مساندة، ليس بالضبط، ولكن القدرة على إنتاج الموقف بصورة مباشرة من خلال مواقع التواصل، والقدرة على تقديم التفسيرات والتبريرات ونشرها وترويجها تجعل المسؤولية الفردية تتغيب وراء حدود مفرطة لممارسة الفرد لحريته في التعبير والدفاع عن ذاته، فهو يقدم لنفسه صك البراءة، من خلال تعليقه الذي يتركه على صفحته الشخصية، وبالتالي لا يصبح لأي سلطة اجتماعية أن تضعه تحت جزء معين من المسؤولية وتدعوه لأن يتحمله.
في المجتمعات الديمقراطية لعبت الصحافة دوراً مهماً في خدمة الأيديولوجيات المتصارعة، وكانت حرية التعبير محدودة في الممثلين الأيديولوجيين الذين يعملون في الصحافة، والتفاعل كان يأتي بفارق زمني ومن قبل من يكترثون فعلاً، ومن يمتلكون المعرفة بالمحاججة في الحد الأدنى للرد على الصحافي أو الكاتب الذي يكون ملتزماً أمام حزبه أو مجتمعه أو فئته أو طبقته أو حتى متماهياً مع السلطة التي تحركه سياسية كانت أم اقتصادية، ولذلك كان الخلاف حول أي قضية يتم بالوكالة عن فريق معين يتضامن في المسؤولية، ويمكن أن يتحمل المسؤولية، بالطبع الفريق أو أحد أعضائه، أو ممثل الفريق في وسائل الإعلام، ولكن الوضع اليوم يعفي الشخص من البحث عمن يمثله فعلاً، طالما أن حرية التعبير أصبحت في متناوله تماماً، صحيح أن أثرها ينحصر في محيطه التصوري الذي يبنيه من خلال علاقاته الإلكترونية، ولكنه يبقى في المقابل الرصيد المعنوي للشخص، كما أنه يسحب من الممثلين التقليديين للرأي كل حصانة كانوا يتمتعون بها، فالرد كما أسلفنا كان يحصر إمكانيته في مجموعات معينة من المتابعين، ولكن اليوم يمكن تشويه أي منتج أو صاحب رأي بمجرد الجلوس وراء شاشة الكومبيوتر وتخصيص الوقت الكافي وبحد معين من المثابرة من أجل تسفيه الرأي والتشويش عليه، بدون أن يكون ذلك مترافقاً مع نقده أو نقضه.
العالم يعيش اليوم مرحلة جديدة من اللا- أحدية تتشظى فيها قدرة الشخص على التأثير، وقدرته على تطوير ذاته من خلال اندماجه في فريق سياسي أو اجتماعي معين، فالدخول في فريق أو جماعة بالنسبة لكل فرد يتطلب تنازلات متعددة من أجل استمراره في الحصول على المزايا الملموسة وغير الملموسة لبقائه في الفريق، فالشيوعيون مثلاً لا يحملون أفكاراً متشابهة حول الدين والتقاليد وتفاصيل اقتصادية كثيرة، ولكن وجود الحزب يؤسس لآلية الوصول إلى موقف يلتزم به الجميع حتى لو لم يتبنوه، وهذه الحالة فقدت مع مجتمع التواصل الاجتماعي، فظهرت تشكيلات سربية وسرابية من الشيوعيين والفوضويين والخضر وحتى النباتيين، يمثل كل فرد منها موقفاً متمايزاً عن الآخرين بدون أي تكلفة معنوية كالتي كانت توقعها الأحزاب والجماعات والروابط على أعضائها.
لا أحد يمكن أن يدعي قدرة تمثيلية للآخرين، ففي لحظة معينة سيجد من يحسبهم في فريقه خارجين عليه ومنقلبين على عقدهم المعنوي معه، وهذه الظاهرة ستمتد أصلاً لتكوينات الدول القائمة، وسيغير بصورة حتمية من شكلها على الأقل في المدى المنظور، وربما كانت ثورات الربيع العربي التي خرجت من رحم وسائل التواصل الاجتماعي هي البشائر الأولى لمجتمع من الفوضى العالمية، ومن الشخص الذي لا يمكنه أن يندرج من جديد بصورة فاعلة وبنائية في المجموعة، فهو ينفعل معها بسهولة، ولكن بمجرد أن تتحقق الأهداف فإنه سينصرف لرؤاه الشخصية، ويعتبرها معركته التي لا تحتاج إلى مزيد من التحالف، وثمة فارق مخيف بين المنفعل والمتفاعل.
الرأي العام كان ظاهرة فرضت نفسها بعد انهيار التجارب الشمولية في أوروبا، وتحديداً النازية والفاشية، ولكن اليوم يشهد العالم أفول ما يسمى بالرأي العام، فالرأي أصبح ورطة لصاحبه، وبالمفهوم الوجودي مسؤولية لا يستطيع أغلبية الناس تعريفها بالشكل الصحيح، عدا بالطبع عن ممارستها بطريقة منتجة، وكأن غياب الحرية يماثل تماماً حضورها الزائد والفائض، وفي الحالتين فإن اللا- أحدية تصبح هي الإطار الذي يصبح وراء توليد الشر ورعايته.
كاتب أردني
سامح المحاريق