متلازمة العلمانية والدين في الجيش الإسرائيلي هل أصابها خلل؟

■ منذ أن تم طرح الفكرة الصهيونية لدى اليهود، جرى السعي إلى تثبيت توجه في أدبيات طرح الفكرة وفي تطبيقاتها العملية، تقضي بالدمج بين ما هو علماني مع القيم الدينية التوراتية.
وهكذا مرت مراحل وتطورات وحقب زمنية مختلفة، وبقي هذا التلازم بين التوجهين مستمرا وفي حالة تفاعلية. وأحيانا ولظروف معينة، كان يتم تغليب هذا الجانب على الجانب الآخر. وفي أحيان أخرى كان يحصل العكس بناء على معطيات الواقع والحياة، والمتطلبات المصلحية النفعية المباشرة..
وهكذا استمرت الأمور بعد فرض وإقامة الكيان، حيث لم تغب القيم التوراتية الدينية يوما عن وقائع السياسة العلمانية ومتطلباتها العملية. وهكذا استمرت وتستمر هذه الثنائية التبادلية، أحيانا بتوازن لا يتم فيه الافتئات من قبل هذا الجانب على الجانب الآخر، وأحيانا أخرى يتم تغليب جانب من الجوانب، فتحصل صيحات التحذير، كما هو حاصل في الفترة الأخيرة، حيث أخذت ظواهر دينية توراتية تزداد تفشيا في أوساط معينة في الجيش الإسرائيلي، على سبيل المثال، منها «توطد الأسس الدينية التوراتية في الجيش وجعلها قيمة بديلة لروحه الصهيونية الرسمية»، أي أن «الجرعة» التوراتية الدينية أخذت تزداد، وتتم محاولات لجعلها «قاعدة» التوجه والتعامل والسيادة.
هذا ما أشار إليه تحقيق صحافي نشرته صحيفة «هآرتس» الليبرالية نهاية الشهر الماضي. ومن الأمثلة التي يذكرها التحقيق عن محاولة فرض القيم التوراتية، يمكن ذكر «صلوات جماعية قبل الخروج في معركة، ورفض الغناء وإقصاء النساء ومرافقة حاخامات للجنود في أرض المعركة، واستبطان أوامر تتعلق مباشرة بعقائد دينية، وتعاون بين الحاخامية الرئيسية وقياديين في الجيش، من أجل ترسيخ قيم دينية توراتية في روح القتال والحياة اليومية للجيش».
ومن الحالات التي يوردها التحقيق الصحافي أيضا «رفض جنود اعتلاء مركبة عسكرية للقيام بعملية عسكرية في يوم السبت، بداعي أن في ذلك انتهاكا لقدسيته، أو رفض جنود الاستماع إلى محاضرات ألقتها مجندات، أو رفضهم تناول وجبة عشاء بمشاركة مجندات، أو أن تنام مجندات في القاعدة العسكرية ذاتها التي يبيت فيها الجنود الذكور، أو أن تكون الهدية السنوية لأرامل الجنود في العيد كتب توراة وأناشيد دينية». فهل هذا التوجه يؤدي إلى بروز سلبيات وأخطار على الجنود أنفسهم، وعلى من يواجههم ويقابلهم من الطرف الآخر؟
ذكر البروفيسور يعيل ليفي، حسبما جاء في المصدر السابق «إن خطرا جديدا برز ويبرز نتيجة هذا التوجه، يتمثل في أن يسمح الجنود لأنفسهم بالمس بسهولة بمواطنين فلسطينيين أبرياء. كذلك فإنها تبرز موت الجنود في سبيل الله. يضيف البروفيسور يعيل، أما الأخطر في الموضوع فهو أن هذه الحرب التي تحمل طابعا دينيا لدى بعض الجنود، تبرر لهم التطهير الإثني للفلسطينيين». ويضيف البروفيسور يعيل ليفي أيضا، أن وزير الدفاع موشيه يعالون «قام عمليا بالسماح للحاخامية الرئيسية بالتدخل في إدارة الجيش، على نحو يلقي بظل ثقيل على قدرة الجيش في التحرك، حسبما ترغب به غالبية المواطنين» وما يحصل يجعل موضع شك قدرة المستوى السياسي على أمر الجيش بإخلاء واسع لمستوطنات في الضفة الغربية، في حال رأى أن الظروف تتطلب ذلك. وما حصل من رفض خلال إخلاء مستوطنات غزة سيتقزم حيال واقع يتعاظم فيه نفوذ الحاخامات والتدخل الكبير لمرجعيات دينية خارجية». فما هي خطورة هذا التوجه الذي أطلقت عليه صحيفة «لوموند» الفرنسية (25/10/2014) عنوان «القتل باسم الله» يشرح إيلي بارنافي، وهو مؤرخ إسرائيلي خدم سابقا في الجيش الإسرائيلي، إنه إذا ما سيطرت التوجهات الدينية على القيادة وعلى الجنود «فإن الدين يضيف إلى الحرب بعدا فريدا يجعلها أكثر شراسة وتدميرا، ويجعل الإنسان المشارك فيها مقتنعا بأنه يخضع لإرادة تتجاوزه وتحول قضيته إلى حق مطلق». يضيف المؤرخ بارنافي «أن الجندي المحارب باسم الله، يقاتل من أجل إقامة القانون الإلهي، كما صيغ لمرة واحدة ونهائية في الكتاب المقدس. ومن زاوية النظر هذه، الكافر هو عائق يقف بوجه طريق خلاص الجميع، عليه إلغاؤه بسرعة ومن دون رحمة». فهل هذه الاقتحامات والحروب التي شنها ويشنــــها الجنود والمستعمرون الصهاينة، إن كان في القدس أو في الضفة وغزة، وفي الأراضي المحتلة عام 1948، وفي ما يتعلق بالمسجد الأقصى، هي من أنواع الحروب والاقتحامات التي تم توصيفها من قبل؟
إن فظاعة القتل والبطش والتدمير، وكثافة الغارات والنيران الإسرائيلية، خلال العدوان الأخير على غزة ـ على سبيل المثال ـ تحمل في ثناياها طبيعة الإفناء والقضاء على كل من واجهها ولم يواجهها أيضا، ولم يكن لأي «مقدس» لدى الطرف الآخر الفلسطيني أي حرمة أو استثناء، خصوصا إذا ما تذكرنا أن نحوا من 500 طفل كانوا من ضحايا العدوان الأخير، وإنه تم تدمير نحو مئة ألف بيت جزئيا أو كليا، هذا عدا الضحايا الأخر، والبنى الأساسية والحياتية الأخرى. فهل هذه الحرب التي تم توصيفها من قبل الباحثين الإسرائيليين أنفسهم، وهل ما يجري في القدس وفي الأقصى وفي الضفة، والمضايقات الأخرى المستمرة في غزة هي من النوع السابق؟

٭ كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية