كان الصباح في القدس عاديًا، فالمدينة تحاول أن تنفض عن رموشها آخر السواد وتفيق بكسل التين من نومها. تفتش عن جرعات هواء نقي يسعف رئتيها المتعبتين من ليل طويل لا يعرف الأحلام الجميلة.
تحت نافذتي تتزاحم طوابير مركبات خاصة يسوقها آباء وأمهات يحضرون أولادهم الصغار للمدارس القريبة منا. شارع الحي ضيق وغير مستعد لاستيعاب هذه الهجمة الصباحية اليومية وما يصاحبها من حركات «نرفزة» تملأ الحي فوضى وصخبًا يوحي بأننا قريبون من بداية معركة «التحرير» الجديدة.
أغلقت نوافذ بيتي وعدت أراجع أوراق القضية التي سأذهب من أجلها إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، لأحاول، مرّةً أخرى، أن أقنع ثلاثة قضاة بضرورة الإفراج عن موكلي، أبو همام، محمد جمال نعمان علاء الدين النتشة. أصل مدخل المحكمة فأجد طابورًا طويلًا من المجندين الإسرائيليين وقد اصطفوا في ساحتها الكبيرة أزواجًا من الذكور والإناث وانتظروا، كما كنا نفعل في مدارسنا صغارًا، بإذعان واضح تعليمات مدربيهم. في وجوه بعضهم ظهرت بقايا رقة ومسحة من طفولة. توجهت إلى واحدة كانت تقف بشكل عامودي ثابت وتنظر نحو المبنى بعينين تائهتين، وحاولت أن أسألها عن الحكمة، في رأيها، من وراء إحضارهم إلى «قصر العدل» وهم سيصبحون عما قليل جنودًا في جيش جل همه «ذبح» العدل والسيطرة على رقاب شعب آخر وإذلاله. لم أنجح في الوصول إليها. على مقربة مني ومنها وقفت مجندة من أصول إثيوبية وسارعت بالتوجه إليّ قائلة بحزم عسكري «سيدي سيدي لا تتكلم مع الأولاد». حاولت أن أوجه إليها سؤالي فأعرضت ورفضت الدخول في التفاصيل واكتفت بافهامي أنهم يعرّفون هذه الأجيال بعد تجنيدهم مباشرةً، بمؤسسات دولتهم المهمة ومن يدافع عنها في وجه الأعداء، وقد يكون، هكذا حاولت أن تفهمني السمراء، هذا المعقل، بعد الجيش، أهمها.
في البهو الأنيق هدوء وقلة من الناس. ممثل نيابة الدولة يبادرني بتحية الصباح. هو شاب نحيف أبيض الوجه في أواخر عشرينياته، يضع على رأسه « كيباة» سوداء. يقف مادًا يده لمصافحتي بدماثة لا تغيّر من غضبي الظاهر على أسياده ورؤسائه العسكريين والمدنيين. أمازحه مداعبًا وكفه بين أصابعي، بأن الدولاب سوف ينقلب في يوم ما وقد يصير «أبو همام» ورفاقه حكام البلاد وأصحاب الفرح والوجع والعدل. ينظر إليّ متفحصًا فيما إذا كنت أتحدث بجدية أو لا. فأستطرد قائلًا «عندها ستأتيني كي أكون واسطتك عندهم. إنتبه كيف تعاملنا اليوم». لا أعرف كم أثرت عليه كلماتي ولم يهمني ذلك، فما حيلة «العاجز» إلا فطنة عابرة وحسن البيان وقصيدة عصماء ساحقة! لقد شعرت بعد كلامي إليه براحة ورضا. سألته فيما إذا أحضر أخبارًا مفرحة لموكلي! ابتسم بدون خجل ولا تكبر، وكأنه يقول لي، من مثلك يعرف الجواب. فسألته، ألم تشبعوا منه وهو الذي دفع ويدفع فاتورة انتمائه الفلسطيني وكقائد معروف في تنظيم «حماس» منذ أكثر من عشرين عامًا.
أجلس في قاعة المحكمة على مقعدي، تحيطني برودة ووحدة. في الجو أشم روائح القهر والخسائر. لم أشعر بهيبة من المكان كما كنت أشعر في سنوات عملي الأولى. حاولت أن أشغل بالي بقراءة أخبار عن شكوى يتقدم بها مئات الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين لدى النائب العام الفلسطيني، ويطالبونه فيها بفتح تحقيق شامل بتهمة الخيانة وهدر الأموال العامة، بحق مسؤولين في الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية عن بيع عقارات وأراضي الوقف المسيحي ونقلها إلى جهات غريبة. كنت فرحًا وأنا أقرأ هذه الأخبار، فتوقفت فرحتي عندما دخل القضاة على مهل وبحركات يحترفونها باسم الرزانة والاعتدال. قبلهم ادخل «أبو همام» وقد جيء به من سجن «رمون» الصحراوي. نظرت إليه فتخيلت أنه ولد وتلك البسمة مطبوعة على جبينه، لم يبد قلقًا. كانت إرادته تتكلم وصبره كنز لا يفنى. سألني عن جديد في قضيته وعرف أننا سنتابع فصول مسرحية الكذب والزيف.
هيئة القضاة لا تبشر بالخير ولا حتى بأنهم سيدعونني أخسر «بذوق» وأناقة. رئيسهم حاول إسكاتي من البداية، مع أن قضيتي كانت الأولى في برنامج قصفهم الصباحي، فطلب ألا أطيل وأسمح لهم أن ينتقلوا مباشرة إلى قراءة ملف موكلي السري. رفضت بغضب مصرًا على أننا لسنا بحاجة لهم إذا ما حصروا مهمتهم بقراءة الملفات السرية. صرخت فسكتوا وقلت لهم: أعطونا من وقتكم الذهبي ما يكفي لإفراغ حقنة مسكن في جروح موكلي، وتظاهروا كأنكم تصغون لنا ولو من باب أصول الكذب عند الأكابر واحترامهم له، وأوهمونا بأنكم جئتم بدون موقف مسبق ولو إجلالًا لعهر تاريخ الزيف عندكم، وعلو عدل بنادقكم وغلبة رائحة البارود على العطر في أعناق الورد وعروق البنفسج. فماذا تقولون لابن الستين هذا وانتم تبيحون دوس حريته منذ حوالي العقد بدون تهمة أو مواجهة أو محاكمة؛ أوَ لا تعرفون أن معاناته بدأت عندما اعتقله احتلالكم في المرة الأولى إداريًا عام 1989 لمدة عام، ثم تلاه اعتقال آخر مماثل عام 1994، ثم حكم سنة 2002 لمدة ثمانية أعوام ونصف العام، بعد إدانته في محكمة عسكرية كقيادي كبير في حركة «حماس» وبكونه مسؤولًا عن عدة نشاطات وأعمال عدائية ومعادية. والأهم في الأمر أن كل ذلك القهر لم يزده بين أبناء شعبه إلا بهاءً وقدرًا ففي عام 2006 تم انتخابه، وهو أسير في سجونكم، عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني المعطل منذ ذلك التاريخ، فأمضى فترة محكوميته كاملة، لكن منطق الانتقام كان أقوى من الحق، فأبقوه في السجن بأوامر اعتقال إدارية لمدة عامين ونصف العام، حيث تم الافراج عنه فقط مع نهاية عام 2012 ليبقى حرًا لمدة ثلاثة شهور ناقصة، أعيد بعدها إلى الأسر بأوامر اعتقال إدارية جددت تباعًا لمدة ثلاثة أعوام انتهت في شباط 2016. فبقي حرًا لمدة سبعة شهور فأعادوه بعدها إلى الأسر إداريًا حتى يومنا هذا.
لم تتغير تقاطيع وجوههم، فأمثالهم يتقنون تغييب المشاعر وردمها في صدورهم ويحسنون لعب أدوار الحكماء المتعمقين في ذواتهم، حتى أنهم يبدون أحيانًا كأصنام من شمع آدمي تفكر بسكينة واتزان مستورين. أفرغوا القاعة من الجمهور واجتمعوا لوحدهم مع رجال المخابرات العامة، واطّلعوا، هكذا فهمت من قرارهم، على ملف موكلي السري. أعادونا بعد نصف ساعة إلى القاعة التي بدت رمادية وجوّها صار أبرد، فقرأ علينا رئيس الهيئة قرارهم. سمعته وتذكرت طقوس الببغاوات وذكاءها. لا جديد تحت قبة ذلك الهيكل فمنذ متى يغير الكهان تراتيل العبادة وقوانين السماء. رفضوا التماسنا وأبقوا أبو همام في الأسر لأنه، هكذا كتبوا في قرارهم، يشكل خطرًا على أمن وسلامة الناس. تركت صرحهم وكنت غاضبًا على أنفسنا وعلى أبناء شعبي وقادته، فمتى سيقاطعون هذه المحكمة، محكمة القمع العليا؟ متى سيستعيدون كرامة الحق والوطن؟ ألم يكفنا خمسة عقود من الذل والتذلل وانتظار الدبس المراق؟ عندما وصلت محيط بيتي كانت ساعة انتهاء دوام المدارس. الشوارع «مجلوطة» والصافرات تملأ الفضاء فوضى وقهرًا.
لم يبق حمام على شرفاتنا والدوري رحل إلى حيث سيجد أمانه. بهدوء أنتظر فكاك الأزمة وأمامي بعض السائقين يتنطنطون بين السيارات ويقومون بحركات تلائم نزلاء «المرستانات» وسيدات يجلسن وراء المقاود بحرقة ويفقد بعضهن أعصابهن فيتحولن، والماكياج يسيح على خدودهن، لمصارعات لا يعرفن الخوف ولا الخجل.
بجانبي يسير شيخ بصحبة عكازه، ينظر صوبي ويراني سارحًا ساهمًا ومن شفتي يسقط بعض الخسارة وتفر بسمة كسيرة، وقف للحظة وحياني بصوت خفيت وتمتم: «خَرجْنا، هيك بدها إسرائيل» وغاب في غابة من السيارات والغبار.
كاتب فلسطيني
جواد بولس