في خطاب استمر أكثر من ساعة ونصف الساعة، وازدحم بمشاعر متضاربة من الغضب والحزن والتهديدات والضحكات والإحصائيات والتلميحات والتصريحات والهفوات، لا يجمع بينها إلا الارتجال الذي كان سيد الموقف.
وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام المصريين ليعيد صياغة كثير من الثوابت التي كانت رسمت ملامح علاقته بهم، بل لقد بدا الخطاب وكأنه مناسبة لتوبيخ الحكومة والبرلمان والشعب معا، بينما لم ينج من هذه «الملحمة» سوى القوات المسلحة والشرطة، بالإضافة إلى بعض دول الخليج.
ومن السهل على المراقب أن ينظر إلى الخطاب باعتباره الأكثر ضررا بالنظام والرئيس نفسه، والأكثر خطورة بالنسبة إلى مكتسبات رئيسية وحقوق دستورية تتعلق بحرية التعبير وحق مساءلة الحكومة واحترام حقوق الإنسان، والعلاقة المضطربة بين أجهزة الدولة، وغير ذلك. ويمكن التوقف هنا عند قليل من المحاور الرئيسية التي تظهر حجم الخسائر الباهظة لاعتماد الارتجال السياسي كوسيلة في التعامل مع قضايا شديدة التعقيد والحساسية.
أولا- بمنتهى البساطة، أعلن الرئيس فجأة أن هجوما إرهابيا يقف وراء سقوط الطائرة الروسية في سيناء، ما يقوض مصداقية الحكومة المصرية التي أصرت خلال الشهور الأربعة الماضية على انها «لا تملك أي دليل على وجود عمل إرهابي وراء الحادث، وأن التحقيقات مازالت مستمرة». ومن البديهي أن يكلف اعتراف الرئيس بالفرضية الإرهابية مصر عواقب قانونية جسيمة قد تشمل تغريم الحكومة أموالا طائلة، كتعويضات لأسر الضحايا. وليس واضحا إن كان الرئيس تعمد فعلا الإدلاء بتصريح خطير كهذا، أم أنه جاء «صدفة» ضمن محاولته إثبات وجود مؤامرة خارجية تستهدف ضرب السياحة، إلى جانب العلاقات المصرية الروسية. وإذا كان النظام واثقا حقا في وجود سبب ارهابي، لماذا أصر على الإنكار طيلة أربعة شهور؟ وكيف يمكن تبرير هذا التحول في الموقف الرسمي فجأة، في الوقت الذي يفترض أن مصر أصبحت تقترب من استعادة السياحة الأجنبية؟ وهل فكر أحد في الأضرار الجديدة التي يمكن أن يسفر عنها ظهور شكوك جديدة في مصداقية الحكومة؟ وينطبق الامر نفسه على إشارة السيسي إلى وجود عمل إرهابي وراء مقتل الطالب الإيطالي بعد تعرضه للتعذيب في «محاولة لإفساد العلاقات مع إيطاليا». فهل لدى الرئيس معلومات مختلفة عن تلك التي أعلنتها سلطات التحقيق؟ وهل فكر أحد في عائلة الطالب الإيطالي التي تعد الساعات للوصول إلى معرفة الحقيقة عندما سيفاجأون بأن رئيس مصر يلمح إلى سيناريو جديد لم يسمعوا عنه من قبل؟
ثانيا – صدر عن السيسي مزيج من التهديدات الغامضة، فسرها البعض بوجود صراعات بين مؤسسات الدولة المصرية خاصة عندما صاح غاضبا ومتسائلا (إنت مين.. إما تاخدوا بالكم من المصريين معايا وإما تسكتوا). وتساءل البعض إن كان المقصود بعض أجهزة الدولة التي تصر على ارتكاب انتهاكات واسعة ضد بعض المواطنين، بل وترفض تطبيق قرارات رئاسية بالإفراج عن بعض الشباب المعتقلين، كما حدث في الذكرى للخامسة لثورة يناير؟ أم أنه يشير إلى بعض النواب المدعومين من أجهزة معينة في حربها ضد أجهزة أخرى؟ أم المقصود هم بعض الإعلاميين الذين تجاوزوا الخطوط الحمراء بتوجيه انتقادات غير مسبوقة للنظام والرئيس شخصيا، ووصل بعضها إلى الدعوة لعقد انتخابات رئاسية مبكرة؟
ثالثا- يندر أن نعثر في أي خطاب رئاسي تحفظه الذاكرة في مصر على كل هذه التصريحات الصادمة لرئيس جمهورية، بدءا من (اسمعوا كلامي أنا بس)، مرورا بـ(لو كان ممكن اتباع كنت اتبعت عشان مصر) و(مفيش ممارسة ديمقراطية في المستقبل القريب)، وانتهاء بـ(ركزوا على الجزء المليان من الكوب فقط مش الجزء الفاضي). ولقد بذلت أبواق النظام جهدا استثنائيا مساء الأول من أمس لـ»تدوير الزوايا»، بتقديم تبريرات اعتذارية لهذا التصريحات التي لا يمكن لأي محلل سياسي موضوعي إلا أن يعتبرها «كارثية سياسيا»، وما كانت لتحصل لولا إصرار الرئيس السيسي غير المفهوم على اللجوء إلى الارتجال. وباختصار شديد كان يمكنه أن يدعو المصريين إلى أن يثقوا في تحليلاته للوضع الاقتصادي، لكن لم يحصل في أي بلد في العالم ان رئيسا طلب من شعبه ألا يسمع لأحد غيره (..). ومن الطبيعي ان يتحدث الرئيس عن وجود معوقات قد تؤجل التوصل إلى صيغة ديمقراطية كاملة في الحكم، بدلا من النفي الشامل لأي ممارسة ديمقراطية. ومن الممكن أن يقول إنه يبذل أقصى جهد ممكن لتحسين الوضع الاقتصادي، بدلا من العبارة الصادمة (لو اقدر اتباع كنت اتبعت)، مع التقدير الكامل للدموع التي ظهرت في عينيه بعد أن صدرت عنه، وأخيرا من حق الرئيس أن يدعو الجميع لعدم إهمال الجزء المليء من الكوب، لكن ليس من حقه ان يطالب الإعلام أو الشعب بعدم النظر إلى الجزء الفارغ.
ثالثا- من النقاط المهمة في السياسة الخارجية التي كانت تحتاج إلى تطوير، قول السيسي إن مصر لا تحصل حاليا على أي مساعدات أو منح من دول الخليج، بل على عقود تجارية مؤجلة، وهذه تخضع لحسابات مالية معروفة ومصالح متبادلة بما في ذلك دفع فوائد عند السداد. وكان من السهل ربط هذه الحقيقة بأن مصر تتبع سياسات إقليمية ودولية مستقلة، ومن هنا جاء رفضها طلبا من المملكة العربية السعودية إرسال قوات برية إلى سوريا، وان كانت وافقت على المشاركة في تدريبات «رعد الشمال»، من منطلق الحفاظ على الأمن القومي العربي. وبكلمات أخرى فإن مصر ليست مستعدة ولا قادرة أصلا على مقايضة ابنائها بالمساعدات أيا كانت المصاعب الاقتصادية التي تعانيها.
وأخيرا فقد كشف الخطاب عن وجود مشاكل هيكلية في الأداء الرئاسي تتعلق بالشكل والموضوع معا، نرجو أن يكون الارتجال سببها الأكبر، وليس الرغبة في فرض سياسات شمولية سلطوية تقوم على العودة إلى عهود القمع، متناسية انه لا توجد تنمية اصلا من غير ديمقراطية واحترام للحريات وحقوق الإنسان.
٭ كاتب مصري من «أسرة القدس العربي»
خالد الشامي