تظاهرت المذيعة المصرية منال آغا في برنامجها «سمك لبن تمر هندي» على قناة «الحدث اليوم» بأنها تعرّضت للعنف من قبل زوجها. ظهرت في بداية الحلقة بوجه مليء بالكدمات، آثار الدم والصفعات تصفع المشاهد.
صوتها لا يكف عن الندب، مع خطبة مديدة عن تعنيف الزوجات، الأمر الذي يخص عموم المصريين، كما قالت، فلا يختلف فيه مهندس أو وزير أو مثقف، وكان لها هي أيضاً نصيبها، ولم ترد أن تعطّل الحلقة، اختارت أن تواجه مع مشاهديها تلك الحقيقة التي نعيشها كل يوم.
اعتذرت المذيعة عن منظرها ذاك، وطلبت أن نتحملها بقية الحلقة، لكنها بعد الفاصل أطلّت بوجه اعتيادي، فرِحة بأنها تمكنت من خديعتنا، وقالت حتى أن حلقتها تلك ليست عن التعنيف الأسري، وإنما كل ما في الأمر أنها أرادت أن تجري مقابلة مع فنان، ماكيير، للحديث في تفاصيل فن الماكياج، وقدمت خطبة جديدة حول ضرورة أن لا ننخدع بأي مظهر، فالماكياج أكبر مزوّر.
أول ما يخطر في بال المشاهد لدى إطلالتها الأولى، أنها فعلت ذلك عن قصد، استعملت الماكياج فعلاً للتضامن مع ضحايا العنف الأسرى، وهو ما رأيناه مراراً هنا وهناك مع ناشطين حقوقيين.
لكن مذيعة الـ «سمك لبن تمر هندي» بعيدة عن أي نوع من التضامن الإنساني، وبالعكس، بدا من تصرّفها ذاك وكأنها تريد أن تطعن في ما نعرفه جميعاً عن التعنيف، والتعنيف الزوجي خصوصاً، بدا وكأنها شرعت في حملة ضد أي نوع من التضامن مع المعنّفين، فما ذلك إلا أكذوبة صممها الماكـياج!
قد تكون المذيعة لم تقصد إلا المزاح، أو إضفاء لمسة إثارة على حلقتها، لكنه مزاح ثقيل الظل، هذا على الأقل.
مِلْحُ الفن
إن أردت أن تتعرف على الفنان الفلسطيني محمد بكري يمكنك أن تكتفي بمصدرين، الأول هو مقابلته في «راديو شمس»، التي تبث من مدينة الناصرة الفلسطينية، وفيها قال الرجل بكلام صريح لا لبس فيه، حين سئل عن بسام الشكعة، أحد الموقعين على بيان يستنكر استقبال بكري في بيروت «مين هدول يا خوي؟ مين بيكون بسام الشكعة؟ شو محلّه من الإعراب؟»، بالإضافة إلى شتائم أخرى بحق الشكعة وبقية الموقعين، شيء من قبيل «اللي بيقول عني خائن أمه خاينة».
أما المصدر الثاني فهو مقابلته مع برنامج «بيت القصيد» على قناة «الميادين»،
والتي قال فيها رداً على سؤال زاهي وهبي «أنت قلت إن من يتهمك هو الخائن من يوم ولدته أمه، وفهم البعض أنك تقصد المناضل الشكعة»، فجاء جواب بكري «هل تصدق ذلك! أن إنسان زيّي، محمد بكري، اللي عامل هاي الأفلام وهاي المسرحية والمشوار الفني الطويل، يسخر أو يشتم إنسانا عظيما ضحية عملية إسرائيلية إجرامية، أنا محمد بكري أحكي على واحد زي بسام الشكعة؟!»
يتصرف بكري ولا كأن فضاء الميديا مفتوح ومكشوف إلى هذا الحدّ، أو كأن الناس غائبون عن الوعي، ولا كأن بإمكانهم في لحظات الوصول إلى المقابلتين للتأكد.
وفي مقابلة «بيت القصيد» نفسها تطرّق بكري إلى فيلمه «يرموك»، الذي يتناول الحدث السوري من باب مخيم اليرموك، ونفى مجدداً أنه يقصد مخيم اليرموك، وقال إن «يرموك» لا تعني المخيم، بل فعل «يلقون بك»، ووفقا له، فإنه بسبب هذا الالتباس قام لاحقاً بتغيير اسم الفيلم إلى «السواد». وفي هذه لا يتعامل بكري مع جمهوره كشعب غائب عن الوعي، إنما كشعب «شاطّة ريالته»، ولا يصلح إلا للعصفورية، وإلا يستحيل عليه أن يصدق حجة بكري تلك. (بالمناسبة، انظروا إلى صحف الممانعة التي تحتفي ببكري كيف تعتبر أن فيلم «يرموك» «أقام الدنيا ولم يقعدها على فيسبوك، لأنّه يمتلك شجاعة تحميل عرب الانحطاط والظلاميّة مسؤوليّة المجزرة العظمى بحق السوريين والفلسطينيين».
وفي وقت لم تحتو مقابلة «راديو شمس» إلا على شتائم، لم تكشف مقابلة «الميادين» إلا عن خواء لدى فنان له هذه المسيرة الطويلة، وهذا الاسم اللامع. لا جواب لامعاً، ولا كلام يعكس عمقاً ثقافياً ومعرفياً (يعجبني حين يستلهم من خطاب حسن نصرالله فيقول عن «المتشائل» إنها ما بعد بعد المسرحية!(
وعلى أية حال قد لا يكون من المعيب أن يكون الناس بهذه السطحية، لكن من دون شك أن يصل المرء إلى هذا العمر ويستطيع أن لا يكون شفافاً وصادقاً (هذا تعبير له إسم آخر خارج الكتابة) مع الناس إلى هذا الحد، فهذا لعمري خطير. الأخطر أن بلهاء كثيرين لن يترددواً في الدفاع عن هكذا أخلاق.
فيديوهات – متاريس
لم تشتعل حرب من قبل كحرب الفيديوهات في مدينة السويداء السورية هذه الأيام، حيث شريط الفيديو هناك هو المتراس، الذي يستظل بظله المتحاربون.
تعيش المدينة، وربما من تسنّى له من عموم السوريين، لحظة بلحظة حكاية خطف لفتاة قاصر (سبعة عشر عاماً). أهلها خَطفوا (في ضوء خطف ابنتهم) ثلاثة من الخاطفين قدّموا تالياً اعترافات مصورة، بعدها قتلوا وجرى إلقاؤهم في ساحة عامة مع تلك الوريقة، اللافتة التي تقول «هذا مصير كل خائن». ثم تمكنوا خطف من اعتبروه الرأس المدبر، وراحوا يسرّبون اعترافاته بالقطّارة.
على الضفة الأخرى، ظهرت المخطوفة في فيديوهات متتالية، كما لو أنها جزء من مسلسل مكسيكي، ظهرت البنت لتقول إنها ذهبت برغبتها، بنيّة الحب والزواج خارج الطائفة، ولما لم يصدّق الناس الحكاية، بدأت تتوالى شرائط الفيديو التي تصور حفلة العرس.
لكن كل ذلك يبدو أنه لم يعد يقنع الناس، فالعيون مفتوحة على كل شيء، ومن تربى على متابعة صناعة الدراما السورية، ومتابعة «راكوراتها» بدقة لن تنطلي عليه هذه المسلسلات بدائية الصنع.
تعليقات كثيرة كانت تقول بتهكم لماذا لا تجري الاستعانة بالمخرج نجدت أنزور لإخراج مسلسل العرس. هناك جواب مفحم على ذلك: من قال لكم إنهم يريدون نفي التهمة عن أنفسهم تماماً؟ فمن المرجح أنهم يقدمون أي رواية لمناصريهم، القابلين بتصديق أي شيء، أما للآخرين فيبدو أنهم سيحرصون دائماً على الإيحاء بأنهم هم وحدهم وراء المشهد: من يفجّر، ويدمّر، ويفركش، ويقيم الأعراس ساعة يشاء!
ستالين مصمم الفوتوشوب
بعد مشاهدة فيلم وثائقي عن ستالين يميل المرء إلى الاعتقاد أن الزعيم
السوفييتي جوزف ستالين هو المصمم الرئيسي لبرنامج «الفوتوشوب». فقد كان الرجل يقوم بقتل الرفاق، ثم يستعين بفنان كبير على محوهم من كافة صور الأرشيف، خصوصاً إن كانوا من الواقفين بجانبه تماماً في الصورة، وبالطبع كان ذلك المحو أقرب إلى معجزة في تلك الأزمان.
اليوم العملية مقلوبة، يُحذف الرفاق من الصور، ثم يحذفون من كل أرشيف آخر، تمهيداً لقتلهم.
كاتب فلسطيني
راشد عيسى