يثير موضوع الاستشراق أكثر من مسألة خلافيّة، دارت حولها مساجلات شتّى تكاد كلّها تتلخّص في ذلك السؤال الذي طرحته مجلّة الهلال (العدد42): «هل ضرر المستشرقين أكثر من نفعهم أم هل نفعهم أكثر من ضررهم؟». وهو سؤال يعيدنا إليه الأستاذ محمّد طاع الله في مصنّفه المتميّز «خصومة الاستشراق:الخطابات والرهانات»، وإنْ بصيغة مختلفة كما في الفصلين الثاني والثالث اللذين أعود إليهما بشيء من التفصيل. وقد توزّع هذا العمل على سبعة فصول هي: الإسلام في المخيال المسيحي والاستشراقي، والردّ على الاستشراق ودلالاته في هوامش الترجمة العربيّة لدائرة المعارف الإسلاميّة، والخطاب التخويني في الردّ على الاستشراق، وأنور عبد الملك والنقد الإيديولوجي للاستشراق، وادوارد سعيد والتحليل الحفري للخطاب الاستشراقي، ومحمّد أركون في نقد الاستشراق أو خطاب المنهج، وردود المستشرقين على انتقادات المشارقة.
ولئن سلّم الباحث برأي ادوارد سعيد في أنّ الاستشراق في صورته الرسميّة كان وليد القرن الثامن عشر، فإنّه يلفت الانتباه إلى أنّ هذه الظاهرة ترجع إلى اللحظات الأولى لظهور الإسلام، وتجسّده أمام رجال الكنيسة المسيحيّة في صورة الديانة المنافسة والمعادية، بعبارته. وكان الراهب السوري يوحنّا الدمشقي (ت.132هـ) «أوّل» من صنّف في الإسلام، في سياق خطاب سجالي حجاجي ما انفكّ يسِم أكثر هذه المباحث الاستشراقيّة. وهو ما قد نعترض عليه، فهذا الراهب لم يكن مستشرقا، بالمعنى الذي استتبّ لمصطلح «الاستشراق» من حيث هو علم الشرق بجغرافيته وتاريخه وثقافته وحضارته؛ وإنّما هو ابن هذه البيئة التي نشأ بها الإسلام ودرج، شأنه شأن اليهوديّة والمسيحيّة، وخطابه يواصل السجال الديني اللاهوتي الذي نقف عليه في النصّ القرآني نفسه، وكان له شأن في العصرين الأموي والعبّاسي؛ ممّا يمكن أن ندرجه في باب الحِجاج. ومثله، وإنْ على مسافة منه، أعمال ديركلوني برئاسة الراهب «بطرس المبجّل» Pierre le Vénérable (ت.1156م) ورعاية منه، مثل ترجمة القرآن إلى اللاتينيّة عام 1143م. وهذه وغيرها تنخرط في سجال تقليدي ومماحكات لا طائل منها. وكان محمّد أركون قد أوضحها، ومثالها مشكلة النبوّة والوحي، وابن الله… وما إليها من قضايا ومسائل لاهوتيّة خلافيّة لا حلول لها.
ويمكن القول إنّ دراسات الأوروبيّين المخصوصة بحضارة الشرق العربي والإسلامي وثقافته وفنونه وعلومه وعقائده ومذاهبه، ترجع كما يرى الألماني رودي باريت إلى القرن الثاني عشر. ولم يشترك فيها كلّهم، فالألمان مثلا لم يكن لهم شأن في هذه الدراسات؛ وهم الذين أغنوها أكثر من غيرهم على ما يبدو، إلاّ في القرن 16عندما بسط العثمانيّون سلطانهم على قلب أوروبا؛ فكان كريستمان (ت.1613م) أوّل من قام بتدريس العربيّة وسعى إلى نشرها؛ وأعدّ لطباعة الحروف العربيّة قوالب خاصّة من الخشب. وعمله ينضوي إلى فرع من الاستشراق يختصّ بفقه اللغة، قد يكون بدأ معه؛ ثمّ تعزّز في منتصف القرن التاسع عشر.
على أنّ الاستشراق لم يتّخذ وجهة «علميّة» إلاّ في الأزمنة الحديثة، أي بعد أن تحرّر من نير الرؤية اللاهوتيّة، ووقفت طائفة من العرب والمسلمين، على حقيقة تخلّفهم عن ركب الحضارة؛ ودار بينهم وبين المستشرقين، سجال فكريّ، انتصاراً لهم أو عليهم، وبعض هؤلاء العرب كانوا من نجباء تلاميذ المستشرقين، ومن الذين ترسّموا مناهجهم في الدراسة والتحقيق. وكان ذلك منذ غزو بونابرت (1789) مصرَ، بعساكره وعلمائه، وما تلاه من استعمار البلاد العربيّة، واستنزاف عمقها الحضاري. ولعلّها اللحظة الفارقة في تاريخ الاستشراق وفي دوافعه، وفي استفحال الشكّ والريبة في الآخر، أو هذه الحرب «الحضاريّة» الباردة المنسيّة.
وقد ساق ميشال جحا عشرة دوافع: ديني تبشيري، واستعماري، وسياسي، وعلمي، وتجاري، واقتصادي (النفط العربي)، وجغرافي واستراتيجي، وشخصي، وأدبي (حكايات ألف ليلة وليلة)، وحملة نابليون على مصر. وكان بالإمكان اختزالها في ثلاثة دوافع: دينيّة وعلميّة وسياسيّة. ونقدّر أنّ نجيب العقيقي في مصنّفه «المستشرقون» أو محمّد عوني عبد الرؤوف في كتابه الدليل «جهود المستشرقين في التراث العربي بين التحقيق والترجمة»، من العرب القلائل الذين نظروا إلى الاستشراق، بعين موضوعيّة. والمصنّف الأوّل، وهو أشبه بموسوعة، مرجع لا غنى عنه لمن يروم البحث في هذا الموضوع. ويمكن أن نشير على سبيل المثال إلى الفصول التي خصّصها لكراسي اللغات الشرقيّة في دول أوروبا وأمريكا، وللاكتشافات الأثريّة التي قام بها علماء ومستشرقون غربيّون، والمتاحف الشرقيّة التي كانوا من باعثيها، ولـ»دائرة المعارف الإسلاميّة» التي صدرت بالألمانيّة والفرنسيّة والأنجليزيّة ثمّ ترجمت إلى العربيّة، وترجمة أمّهات كتب التراث وتحقيقها، من آداب وشعر وعلوم وكتب تراجم وطبقات. وهذه وغيرها كانت من ركائز النهضة الأوروبيّة، بل هي تضيء ظروف ميلادها وملابساتها، ومنجزاتها في الآداب والعلوم، أي ما قد يراه بعضنا اليوم رماد ضوء أو بكاء على طلل.
ومع ذلك فالنهضة الأوروبيّة كانت محصّلة تفاعل بين ثقافات وحضارات، ومنها ثقافة العرب وحضارتهم. وما نعدّه اليوم تعتيما إعلاميّا على هذا الجوانب المضيئة؛ حيث يُقدّم العرب على أنّهم صُنّاع إرهاب، لم يكن كذلك منذ مائتي عام؛ فقد نشر الباسكي ايستيبان أرتيغا عام 1791 مصنّفه المخصوص بتأثير العرب في نشوء الشعر الحديث في أوروبا، وأعقبه سيسموندي بكتابه عن الأدب في الجنوب الأوروبي. والاثنان يقرّان بأنّ الشعر الأوروبي الحديث يدين، شكلا ومحتوى، لشعر العرب في الأندلس؛ بما في ذلك نظام الفروسيّة وصورة المرأة أو الحبيبة المقدّسة. وثمّة أكثر من دراسة تبيّن أنّ في «كوميديا» دانتي، التي اُشتُهِرت بعد موته بـ»الكوميديا الإلهيّة» ـ وهي قاعدة اللغة الأدبيّة الإيطاليّة الموحّدة ـ أكثر من وشم عربي: غفران المعرّي وفتوحات ابن عربي أو قصص الإسراء والمعراج التي كانت قد ترجمت إلى اللغات الأوروبيّة قبل دانتي بقرون.
على أنّ ما يعنينا في هذا العرض، إنّما هو الموقف من الاستشراق أو ما يسمّيه الباحث طاع الله «حساسيّة». وهو استعمال لغويّ حديث (مترجم)، ومصدر صناعيّ من حَسّاس. والمقصود به قوّة الشّعور بالأحوال الانفعاليّة كاللَّذات والآلام و سرعة التَّهيّج أو الكناية عن شعور ما بالانقباض ممّا يراه الشخص الحسّاس من المنكرات. ومثال ذلك ما ساقه العقيقي بشأن ترجمة القرآن أو معانيه، للمستشرق الأنجليزي جورج سيل (ت.1736م)، فقد مهّد بمقدّمة عن الإسلام «حشاها بالإفك واللغو والتجريح». ومردّ هذه الحساسيّة في تقديره إلى ثلاثة عوامل: أوّلها غيرة مفرطة يبديها المسلم حيال تراثه، وبخاصّة ما يتعلّق منه بالدين واللغة والهويّة.
وهي في نظره غيرة تبلغ أحيانا درجة من التقديس لا مسوّغ لها. وثانيها تزامن الظاهرة الاستشراقيّة على امتداد القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين مع الحركة الاستعماريّة والتبشيريّة، بل ارتباطها بها في مواقع غير قليلة. وثالثها طبيعة المنهج الاستشراقي في مقاربة التراث الإسلامي وخاصّة النصّ الديني المؤسّس مثل القرآن.
ويقوم هذا المنهج على المعالجة الفللوجيّة واللسانيّة والأنتروبولوجيّة والتاريخيّة التي لا تبالي بقداسة النصوص، وإنّما تبحث في نشأتها وفي طرق انتقالها. ومن أمثلتها في الدراسات الاستشراقيّة «تاريخ القرآن» للألماني نولدكه. وهذا منهج يمكن أن يربك الضمير الديني عند المسلم، وخاصّة «الأصولي»، ويتعارض مع مسلّماته الإيمانيّة. وهو ما يجعل العرب ينظرون نظرة شكّ وريبة إلى المستشرقين، ويفسّرون الاستشراق تفسيرات سياسيّة استعماريّة؛ على نحو ما نجد عند أكثر الذين هاجموا الاستشراق أمثال أحمد فارس الشدياق والأمير شكيب أرسلان وعبد القادر يوسف ومحسن جمال ومالك بن نبي، مقارنة بالذين نافحوا عن الاستشراق أمثال طه حسين وزكي مبارك وعائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ) وعبد الرحمن بدوي وصلاح الدين المنجّد ومحمّد كرد علي.
هذا بالرغم من أنّ الأمر يتطلّب منّا كلّما تعلّق الأمر بالمسألة الدينيّة من منظور استشراقي؛ أن نبحث في الجذر المشترك الذي انبثقت منه هذه العقائد التي ينفي بعضها بعضا؛ فيما هي تدين بظهورها لظروف وملابسات تاريخيّة مخصوصة.
ولهذا يصعب أن يكون هناك «حوار» ـ لا لأنّنا ضدّ الحوار كما يقول أركون ـ وإنّما لأنّ هذه الكلمة تضفي مشروعيّة مؤسّسة على ذاتيّتين اثنتين، وعلى متخيّلين جماعيّين يدخلان في صدام مباشر على أسٍّ من تصوّراتهما الموروثة. وعليه لابدّ من زحزحة هذه الحدود أو العمل على إزالتها، عسى أن نبلغ مستوى من الفهم المشترك، ونتوقّف ـ كما يقول أركون ـ عن كوننا عبارة عن قلاع مغلقة تتصارع وتتحارب؛ ثمّ ننخرط بعدئذ في البحث المتضامن، بصفتنا نفوسا تتخبّط في الحدود نفسها، أي تلك الخاصّة بالمنزلة الإنسانيّة.
وواضح أنّ منهجا كهذا لا يسفّه الإيمان أو العقيدة، وإنّما هو يشرحهما ويفسّرهما، ويخلّص الناس من دغمائيّتهم، ومن المماحكات العقيمة التي تفصل بعضهم عن بعض.
محمد طاع الله: «خصومة الاستشراق:
الخطابات والرهانات».
منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة
في القيروان، ومجمع الأطرش للكتاب المختصّ. القيروان 2015.
365 صفحة
منصف الوهايبي