مخبأ الفرح

حجم الخط
2

المقولات التي تختصر السعادة، مقولات لا تصنع السعادة ولا تؤدي إليها مهما حاولنا تطبيقها، ذلك أن كل شخص له فرادته، ولكل شخص كيمياؤه الخاصة للتفاعل مع محيطه ومعطيات الحياة التي يمكن أن تصنع سعادته. في المقابل أيضا كل المقولات التي تضعنا أمام طريق مسدود لإيجاد السعادة، طرق بائسة لتحطيم الآمال وتحويل حياتنا إلى جحيم.
وسأروي لكم قصة مارك الذي انتسب لكلية الشرطة في إحدى المدن الفرنسية ونجح نجاحا كبيرا في مهنته، لكن صعوبة المهنة، ويومياته المليئة باللصوص والقتلة وتجار المخدرات، والأخطار التي يتعرض لها يوميا، والإصابات التي يعود بها أحيانا للبيت، جعلت زوجته تدخل في نوبات خوف، ثم انعكست هذه المخاوف على مارك الذي دخل فترة اكتئاب حادة، نتج عنها مشاجرات يومية مع زوجته، انتهت بالانفصال أخيرا. كانت مهنة أحلامه ترمي به شيئا شيئا فشيئا في قاع الحياة، وحرمته حياته الاجتماعية، وسلبته أغلى ما يملك، زوجته ورفيقة حياته وحبيبته.. وهذا ليس جديدا على حياة رجال الشرطة، دخل في متاهة شرب الكحول، الأدوية المهدئة، المنومات، ثم شعر بالتعب من كل هذه الدوامة، رغم أن أصدقاءه كانوا دوما إلى جانبه، إلا أنّه قرر أن ينهي تلك المتاهة ويستعيد حياته. فجأة أخذ موعدا مع طبيب نفسي وبدأ يخضع لجلسات، أخرج خلالها كل ما لديه، وطلب مساعدة زوجته بعد انفصال دام سنتين. ولأن رابط الحب بينهما قوي فقد عادت لتقف إلى جانبه وتمنحه الدّعم اللازم له ليرمم نفسه المجروحة، ويستعيد «مارك» ما قبل الشرطة. وبالمختصر أراد أن يجد السعادة التي كان يمتلكها سابقا.
نقول عندنا ثبات الحال من المحال. وهذا صحيح لأن لا شيء يبقى على حاله، فالتغيرات تهجم علينا من كل الجبهات، وحتى نحن، نتغيّر رغم أننا لا نصدق ذلك. بالنسبة لمارك وحسب نصائح طبيبه النّفسي فإنّ كل ما يلزمه هو قليل من التّغيير في حياته ليستعيد كل ما كان لديه، وربما قد يحصل على مكاسب جديدة. لكن السؤال الكبير كان كيف؟
في لقاءاته المتجددة مع زوجته السابقة ارتاحت نفسه وهدأت العواصف الصاخبة في داخله. وبدأ يفكر بالاستعانة مع طبيبه، عن إمكانية تفريغ شحنات الغضب المتراكمة في داخله بالكتابة.. فبدأ يكتب ما تعرّض له من أخطار وضغوطات وسرد تفاصيل عن جرائم مرعبة حقق فيها ولاحق مجرميها. وهذه طريقة علاج جيدة ينتهجها بعض الأطباء النفسيين. بعد فترة إنتبه هو وزوجته أنّه أنجز مخطوطا، قابلا للنّشر، فبحثا معا عن ناشر. وبعد عدّة محاولات، وجدا ناشرا نشر كتابه «حين كنت شرطيا»… ولإطلاق الكتاب حضّر الناشر حفلة توقيع، ونظم لقاءات عدة لكاتبه، ما جعل الشرطي السابق يدخل عالم المؤلفين، والأدباء والإعلام. نال الكتاب استحسانا كبيرا في الأوساط الإعلامية وهذا شيء حسن من نفسية مارك الذي شعر بأنه خرج تماما من اكتئابه الحاد. نجاح مارك جعل الناشر يطلب منه إنجاز كتاب ثانٍ.
وكانت مهمّة إنجاز الكتاب الثاني أسهل بكثير من الأولى، وأكثر نجاحا، بل إنها جذبت إليه مخرج سينما عرض عليه أن يكتب له سيناريو لكتابه. ولأنّه لا يعرف كيف يكتب السيناريو، فقد طلب مهلة، انتسب فيها لمدرسة صغيرة لتعليم طرق كتابة السيناريو، ثم كتب السيناريو، وقدّمه للمخرج، وسرعان ما أنتج الفيلم الأول له.. والآن وبعد سنوات من المعاناة، يعتبر مارك أحد أهم كتاب سيناريو القصص البوليسية في فرنسا. وفتح ورشته الخاصة لتعليم كتابة السيناريو. هل كل ما عاشه مارك سهل؟ بالطبع لا. هل التغيير سهل؟ بالطبع لا.. فقرارات التغيير تحتاج لشجاعة أولا، ولحكمة لتفادي الأخطاء القديمة. كما تحتاج لكثير من الاقتناع أن الألفة مع حياتنا التي نعيشها والتي لا تمنحنا الفرح الذي نريد ألفة كاذبة، لن تفيدنا في شيء مع أنّها تُشعرنا بنوع من الأمان من الدخول في المجهول. أغلب النّاس ضحايا هذه «الأُلفة» وهذا الشعور الوهمي أنّهم بخير، وأنّه عليهم أن يتقبّلوا حياتهم كما هي، وأنّ السعادة غاية مستحيلة التحقق. نعم نحن نعيش في مجتمع يقمع النّفسيات والأفكار والآمال والأحلام، لكن هل نحن مجبرون لنبقى داخل دائرة الإحباط هذه؟
وهل تعتقدون فعلا أن حياة هؤلاء النجوم والمشاهير لم تواجه قبل بلوغهم مساحة الضوء مصاعب ومتاعب ومحبطات؟ تتشابه التجارب الإنسانية في المجمل، ولكنّها لا تتشابه في طريقة النضال والقتال من أجل تحقيق الأهداف والغايات.
لقد استضفت في برامجي شخصيات مختلفة، منهم من خرج من قرى ضائعة ومنسية، وواجهوا ظروفا صعبة من أجل التعلّم، وتطوير أنفسهم، وفعلا خرجوا تماما من دوائر الألفة الوهمية، والمحبطات التي صنعها المجتمع ويعتبرها قوانين ممنوعا تماما كسرها، وحققوا غاياتهم ونجاحات غير متوقعة.
تذكرت في الحقيقة وأنا أتابع قصّة مارك، قصّة أخرى لسيدة لبنانية، كانت تمارس التعليم الجامعي كمهنة في بلد أجنبي وأيضا أصيبت باكتئاب ومتاعب جمة يصعب اختصارها في هذه العجالة، لكن الذي لفت نظري قرارها الجريء للعودة للبنان، رغم تخويف وتحذير الجميع لها من العودة، بسبب أوضاع لبنان الاقتصادية وغير المستقرة على عدّة صعد…
كان قرارها صعبا. ومع هذا تركت كل النّعيم الأوروبي خلفها، وقررت أن تبدأ حياة جديدة في لبنان… بعد فترة نقاهة قصيرة، قررت أن تفتح فرنا للمناقيش… إنه الجنون في حد ذاته.
فرن، وطحين، وعجين، وزعتر وزيت وأجبان… وحياة أبسط بكثير مما كانت تعيشها، ولكنّ النتيجة مذهلة، وهي أنها حققت السعادة التي حلمت بها دوما وعاشت الفرح الحقيقي مع حياتها الجديدة. هل تكون التغييرات دوما في صالحنا؟ يفترض أن تكون كذلك إن كانت لدينا قناعة داخلية أن خروجنا من دائرة المألوف ستمنحنا أجنحة لنرفرف بها بعيدا عن مآسينا السّابقة. يفترض أيضا حين نبلغ هذه القناعة أن لا نصغي للأصوات التي تلاحقنا أن ما نحن عليه أفضل، وأن التغيير سيء …
صحيح، النصيحة بجمل كما يقال، لكن الناس عادة ينصحون وهم يقيسون الأشياء حسب أهوائهم ورغباتهم وشخصياتهم… في الواقع بين «الأنا» و»الآخر» فروقات شاسعة، وفي غالب الأمر نحن بحاجة لاسترجاع أنفسنا حين نكون تعساء… بحاجة إلى «الأنا» لتشفى من اعتداء «الآخر» عليها… وبحاجة كثيرا لإرضاء هذه «الأنا» لا من باب الأنانية وأخذ حق الآخر، بل من باب ترميم الذات، وحمايتها من شروخ تحدث حين نمارس الضغط على أنفسنا لصنع هيكل لنا يبهر الآخرين أو يرضيهم.. قد يكون الفرح في الطابق السفلي لمطالبك، فيما أنت تركض على سلم لا ينتهي نحو الأعلى.

شاعرة وإعلامية من البحرين

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية