نيويورك ـ «القدس العربي»: تعتبر قمة سنغافورة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس مجلس شؤون الدولة في جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، كيم جونع أون، تاريخية بكل المقاييس إذا ما أخذنا بعين الاعتبار توتر العلاقات بين البلدين لدرجة أن ترامب هدد في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي بإزالة الدولة عن الوجود فرد عليه كيم بأن صواريخه بعيدة المدى تستطيع أن تدمر المدن الرئيسية في الولايات المتحدة ليس في الساحل الغربي القريب على بلاده فحسب بل وفي كل أنحاء البلاد. لقد وصل التوتر مداه عندما قامت كوريا الشمالية في الرابع من أيلول/سبتمبر بتفجير ما بدا أنه «قنبلة هيدروجينية» بعد أن أكملت اختباراتها في حقل الصواريخ بعيدة المدى والتي بلغ عددها عشرين خلال عام 2017. والقنبلة ذات حجم صغير يمكن أن يحملها الصاروخ البالستي إلى مسافات بعيدة.
شعر النظام في كوريا الشمالية أن الولايات المتحدة ستأخذه بجدية أكبر ويبدو أن ترامب أيضا شعر أن التهديد والوعيد لا يزيد النظام في بيونغيانغ إلا إصرارا وعنادا وجرأة بعد أن كسر حاجز الخوف. كما أن ترامب توصل إلى قناعة أن كيم جونغ أون لن يتردد في إطلاق ترسانته من الصواريخ إذا وجد نفسه بين خيارين الاستسلام أو الدفاع عن وجوده ونظامه. إذن كان لا بد من أحد الزعيمين أن ينزل عن الشجرة التي تعلق بها فأعلن ترامب فجأة أنه على استعداد للقاء زعيم كوريا الشمالية فالتقط الفرصة كيم جونغ أون، وقبل الدعوة لأنه ليس لديه ما يخسر. بل إنه سيفاوض من موقع القوة مستندا إلى ترسانة من الأسلحة تستطيع أن تحول كوريا الجنوبية، حليفة الولايات المتحدة، و30 ألف جندي أمريكي في المنطقة العازلة إلى رماد في حالة ما تعرضت بلاده إلى العدوان. انها المفاوضات من على أرضية القوة. سيفاوض كيم سنوات ليختبر مدى مصداقية الولايات المتحدة في عهد ترامب خاصة أنه زعيم متقلب ولا يتورع عن تغيير موقفه. إذن الاختبار الحقيقي ليس في البيانات الختامية ولا في التصريحات المغرقة في التفاؤل بل في مدى إلتزام الدولتين بتعهداتهما.
قمة سنغافورة قد تذكرنا بقمة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مع الرئيس الصيني آنذاك ماو تسيتونغ عام 1972 والتي غيرت مجرى العلاقات بين الطرفين وإلى الأبد، وفتحت الدولتان صفحة من التعاون عادت بمنافع جمة للبلدين. فهل نحن أمام إعادة تجربة نيكسون ـ ماو أم أن الخلافات العميقة بين الطرفين ستعود لتعكير العلاقات؟
أود أن أراجع مجموعة من المحطات التاريخية التي قد تؤثر على مستقبل العلاقات:
الحرب الأمريكية الكورية: دخل البلدان حربا مدتها ثلاث سنوات أسفرت عن مقتل ملايين الأشخاص بينهم 36 ألف جندي أمريكي. بدأت الحرب في حزيران/يونيو عام 1950 عندما تدفقت قوات كوريا الشمالية عبر الحدود وبدأت هجومًا مفاجئًا. في البداية كان الجيش الكوري الجنوبي الضعيف يقترب من شبه الجزيرة قبل أن تدفع قوات الأمم المتحدة بقيادة الولايات المتحدة الغزاة إلى عمق كوريا الشمالية. تدخل الجيش الصيني في وقت لاحق، ودفع قوات الأمم المتحدة مرة أخرى. وانتهى القتال بهدنة في 1953. ولم يتم بعد استبدال معاهدة الهدنة بمعاهدة سلام، تاركة شبه الجزيرة في حالة حرب من الناحية التقنية.
مواجهات وتجسس وقتلى: عام 1968، هاجمت قوارب البحرية الكورية الشمالية سفينة التجسس الأمريكية «يو إس إس بويبلو» وألقت القبض عليها قبالة الساحل الشرقي لكوريا الشمالية. قتل أحد البحارة الأمريكيين وتم أسر 82 آخرين. وقد احتُجزوا في كوريا الشمالية لمدة 11 شهراً وتعرضوا للضرب والاستجواب قبل إطلاق سراحهم بعد أن وقع كبير المفاوضين الأمريكيين بيانا اعترف فيه أن السفينة دخلت بشكل غير قانوني المياه الإقليمية لكوريا الشمالية. وفي صيف عام 1976 تم ضرب جنديين أمريكيين حتى الموت من قبل الجنود الكوريين الشماليين المحاصرين خلال معركة حول الجهود الأمريكية لقطع أشجار الحور العالية في المنطقة منزوعة السلاح التي تشطر الكوريتين. استجابت الولايات المتحدة الغاضبة من خلال ارسال قاذفات ب -52 تحمل رؤوسا نووية لتطير فوق المنطقة المنزوعة السلاح لترويع كوريا الشمالية. وتراجعت حدة العداء بعد ذلك حينما عبر الزعيم الكوري الشمالي كيم ايل سونغ، جد كيم جونغ أون الحالي، عن أسفه إزاء عملية القتل.
تحسن العلاقات أيام كلينتون: وفي عام 1994 وقّعت الولايات المتحدة على اتفاق لنزع السلاح النووي مع كوريا الشمالية أنهى شهورا من مخاوف الحرب الناجمة عن تهديد الشمال بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي وتحويل مخزونها من الوقود النووي إلى قنابل. وبموجب الاتفاقية التي يطلق عليها «الإطار المتفق عليه» جمدت كوريا أنشطتها النووية ووافقت على تفكيك منشآتها النووية مقابل بناء مفاعلين نوويين يعملان بالماء الخفيف لتوليد الكهرباء والنفط. وفي عهد الرئيس جورج بوش انهار الاتفاق عام 2002 عندما اتهم مسؤولون أمريكيون كوريا الشمالية بإدارة برنامج نووي باستخدام اليورانيوم المخصب. توقفت المساعدات الأمريكية خاصة من المحروقات. فما كان من كوريا الشمالية إلا أن أعلنت عن انسحابها من اتفاقية عدم الانتشار النووي. وعندما تكون دولة خارج الاتفاقية فمعنى ذلك أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير مخولين بدخول البلاد والتفتيش وهو ما أعطى كوريا الشمالية فرصة لتطوير قدراتها الصاروخية والنووية.
محاولات فاشلة: عادت الولايات المتحدة إلى مائدة المفاوضات مع كوريا الشمالية عام 2003 وهذه المرة في إطار المحادثات السداسية التي تضمنت أيضا كوريا الجنوبية والصين وروسيا واليابان. وخلال المحادثات التي استمرت حتى عام 2008 أوقفت كوريا الشمالية الأنشطة النووية مرة أخرى وعطّلت بعض العناصر الرئيسية في مجمعها النووي الرئيسي مقابل منافع أمنية واقتصادية وطاقة. لكن المحادثات انهارت بسبب طلب الولايات المتحدة تطبيق أنظمة قاسية من عمليات نزع السلاح. وأعلنت كوريا الشمالية أنها انسحبت رسميا من المحادثات عام 2009 احتجاجا على الإدانة الدولية بشأن إطلاق صاروخ محظور بعيد المدى.
وبدل أن تحاول الولايات المتحدة إعادة فتح الحوار مع نظام كوريا الشمالية لجأت إلى مجلس الأمن الدولي وبدأت تستصدر قرارات تتعلق بالعقوبات. وكلما اتخذ مجلس الأمن قرارا جديدا يتضمن سلة عقوبات إضافية كلما سارعت كوريا الشمالية في تنفيذ برنامج التسلح وتطوير قدراتها النووية والباليستية. كانت في سباق مع الزمن، ستفاوض عندما تفجر أول تجربة لقنبلة هيدروجينية، يومها ستذهب إلى طاولة المفاوضات مرفوعة الرأس وتقول للولايات المتحدة: أنا على استعداد للتخلص من ترسانتي النووية ولكن هذه هي شروطي.
بعد تولي كيم جونغ أون السلطة أواخر 2011 بدأ بإجراء عدد كبير من تجارب عديدة على الأسلحة كجزء من هدفه المعلن المتمثل في بناء صواريخ ذات رؤوس نووية قادرة على الوصول إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة. وفي 2017 شهد العالم مخاوف من اندلاع حرب في شبه الجزيرة الكورية وتصاعدًا حادًا بعد أن أجرت كوريا الشمالية تجربتها النووية السادسة والأقوى في ايلول/سبتمبر وثلاث تجارب لإطلاق صاروخ بالستي عابر للقارات. وفي هذه الفترة تم تبادل الكلام اللاذع والإهانات الشخصية والتهديدات بين ترامب وكيم.
سلات العقوبات: بدأ مجلس الأمن بإصدار عدد من القرارات العقابية الصارمة ضد كوريا الشمالية منذ أول تجربة نووية عام 2006. حيث طالب القرار 1718( 2006) بوقف التجارب النووية ومنع تصدير كوريا الشمالية بعض الإمدادات العسكرية والسلع الكمالية. وقد أنشا المجلس لجنة عقوبات تتكون من كل أعضاء المجلس يساعدها فريق من الخبراء. وأصدر بعدها سبعة قرارات قاسية جدا كان آخرها القرار رقم 2375 الذي اعتمد في 11 ايلول/سبتمبر الماضي بعد التجربة الهيدروجينية الأخطر. وقد استهدف القرار خنق كوريا الشمالية عن طريق وقف استيراد النفط الخام وواردات المنتجات النفطية المكررة، وحظر المشاريع المشتركة وصادرات المنسوجات والمكثفات من الغاز الطبيعي والواردات السائلة، كما حظر على المواطنين الكوريين الشماليين العمل في بلدان خارج بلدهم.
قد يكون هذا سر الاختراق. لقد تردت الحالة الإنسانية في كوريا الشمالية بسبب العقوبات وأصبح الفقر المدقع منتشرا في البلاد وهناك نحو أربعة ملايين يعيشون على المساعدات الإنسانية.
إذن لكل من الزعيمين مصلحة في الاتفاق لكن الطريق ليست معبدة بالورود ولا نتوقع أن يبدأ كيم جونغ أون بالتعاون في تنفيذ ما اتفق عليه إلا بعد رفع منظومة العقوبات الدولية إن لم يكن كلها مرة واحدة ولكن جزئيا وتدريجيا. وهذا الأمر ليس في يد الولايات المتحدة بل في يد مجلس الأمن الدولي. فهل من مصلحة الدول دائمة العضوية الأخرى أن ترى ترامب يحقق انجازا كبيرا بنزع السلاح النووي من كوريا الشمالية وإعلان شبة الجزيرة الكورية منطقة خالية من السلاح النووي يستحق بعدها الزعيمان جائزة نوبل للسلم؟
11HAD
عبد الحميد صيام