مسلمون ومسيحيون / سنّة وشيعة / لبنانيّون وسوريّون

حجم الخط
1

«مسلمون ومسيحيون»، «سنّة وشيعة»، «لبنانيّون وسوريّون»: ثلاث جبهات للإشتباك، السياسيّ وغير السياسيّ، ملتهبة في وقت واحد في لبنان اليوم، وبشكل يصعب فيه ترجيح مركز الصدارة. 
تتعايش جبهات «الإشتباك الهوياتي» الثلاث هذه، بين «تزاحم» و«تداخل»، فتتجاذب وتتنابذ. تارة يستأثر الاشتباك السني الشيعي بالتركيز اليومي، وتارة يقفز الى الضوء الاشتباك المسيحي الاسلامي أو اللبناني السوري على خلفية أزمة توسع حجم اللجوء السوري الى لبنان، وتداعياته على المعادلات «الديموغرافية المتخيلة» للتركيبة الطائفية اللبنانية. 
والنقلات من التناقض «السني الشيعي» الى التناقض «الاسلامي المسيحي» الى التناقض «اللبناني السوري» تتخذ مسالك شتى يصعب حصرها. 
فالتناقض «الفئوي المذهبي»، السني الشيعي، لا يقصي التناقض «الأشمل» والمزمن، الاسلامي المسيحي،  بل «يفيض عليه». والمبارزة بين «لبنانيين وسوريين» تندفع الى الواجهة، متأثرة بالمشكل السني الشيعي ذات لحظة، منفعلة بالمشكل المسيحي الاسلامي في لحظة أخرى. 
قبل عشر سنوات، كان بالمستطاع الحديث عن صراع مذهبي سني شيعي يطغى على سواه، ويركن الانقسام الديني المسيحي الاسلامي الى مرتبة ثانية، وهذا متعذّر اليوم، رغم اشتداد اقليمية الصراع المذهبي في مرحلة القطيعة الساخنة السعودية الايرانية. فبعد أن كان المسيحيون منقسمين بين «موارنة السنّة» و«موارنة الشيعة»، كتبت الغلبة للنزعة «اللاسنّية» في الإجتماع المسيحي، إمّا لأنها أسهل، في السرد والترداد، وإما لأنها الى «رُهاب الإسلام» أقرب، ومتناغمة مع أحوال مسيحيي العراق وسوريا أكثر، أو لخلاف على القانون الإنتخابي، أو على رئاسة الجمهورية، أو لخيبة الأمل من تحالف «الإستقلال الثاني»، وخيبة أمل قبل ذلك من «ميثاق 1943»، أو لمشكلة مسيحية حادة مع «اتفاق الطائف»، أو لظهور تأويلين جد متــعارضين، أحدهما مسلم سنيّ والآخر ماروني لهذا الإتفاق، ولكيفية تفسير المناصفة الإسلامية المسيحية فيه، وكيفية تشكيل السلطة الاجرائية وتسيير عملها. 
كذلك، توفّر مقدمة «الدستور اللبناني» زاداً خطيراً لهذه النزعة. فهي لا تكتفي بتعريف الميثاق الوطني سلبياً، بل تظهره كتوازن رعب. فتربط «اللاتقسيم» بـ»اللاتوطين» شرطياً، وعلى هذا الأساس تراكم نزعة «لاسنّية» مسيحية من جهة، ونزعة «لاسنّية» شيعية من جهة، المشترك بينهما الظنّ بالسنّي اللبناني، غير المقتنع بكونه في لبنان «أقلية» مع كونه في العالم الاسلامي «أكثرية»،  أنه ينوي، بشكل أو بآخر، تضخيم عدده بالتسرّب الفلسطيني والسوري السنيين اليه.
المفارقة هنا، ان «المسيحي والشيعي» يسبقان «السني» حينها، في احتساب أكثرية فلسطينيي وسوريي لبنان في خانة احدى الطوائف اللبنانية، ويحصل التشكيك بلبنانية السنّة مع أن التيار الغالب فيهم في العقود الأخيرة يتبنى «كيانية لبنان أولاً»، في مقابل ضرب «حزب الله» عرض الحائط بالحدود الوطنية. 
هذه المفارقة تتخذ منحى جديداً مع تزايد أعداد اللاجئين السوريين في لبنان، وظهور واقع سكاني يعطي لأول مرة في تاريخ «لبنان الكبير» أكثرية دينية مطلقة للمسلمين السنّة من حيث عدد السكان، لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، على غير المسلمين وغير السنّة.
ليس صحيحاً في هذا المجال أنّ «اللاسنية» كانت ثابتة الركن دائماً عند مسيحيي لبنان، ففي الحرب العراقية الايرانية تحمس الشارع المسيحيّ لصدام حسين، شريكهم في معاداة حافظ الأسد. وليس صحيحاً أن السلبية تجاه السعودية متأصلة عندهم، ففي الستينيات والسبعينيات فضّلوها على جمال عبد الناصر والفصائل الفلسطينية، بعكس المزاج السني اللبناني العام. 
لكن الحال تبدّلت، ولم يفلح ضعف «الإسلام السياسي» في الطائفة السنية في التقليل من هذه النزعة «اللاسنية» الرائجة مسيحياً، بل انتشر تصوير «الإعتدال السني» الموالي للسعودية في لبنان، كـ»اسلام سياسي باطني»، يخفي الجلباب وراء البدلة وربطة العنق، كما انتشر تصوير «مهدوية حزب الله» على أنها «تذكر بنفحة مسيحية ما». 
وتواطأت «اللاسنّية» المسيحية مع «اللاسنّية» الشيعية، رغم الطابع الديني المهدوي المسلّح لـ»حزب الله»، وارتباطه بالجمهورية الاسلامية والحرس الثوري، وقلة حضور الكيانية اللبنانية في خطابه وشعاراته مقارنة بـ»تيار المستقبل»، ورغم التماس السكاني المتشنّج، المسيحي الشيعي، بين الضاحيتين الجنوبية والشرقية لبيروت، ناهيك عن وقوف الحزب وراء تطيير جلسات انتخاب رئيس الجمهورية الماروني منذ سنتين. 
لكن التوتر «المسيحي السني» يعود فيغذي الانقسام العامودي «الاسلامي المسيحي» بشكل عام، فيستقل هذا الانقسام الأخير نسبياً عن الانقسام المذهبي «السني الشيعي». وهو ما اتضح مؤخراً في ردّة فعل اسلامية مشتركة، على صورة «المسيحي المسلّح» في بلدة القاع، بعد التفجيرات الانتحارية التي لم يتبنها أحد فيها.
فلسان حال «حزب الله» أنه الحامي الحصري للنصارى، ولسان حال «تيار المستقبل» ان الدولة هي الملاذ الوحيد. المسيحيون في المقابل، بدوا مطمئنين الى صورة «المسيحي المسلّح» القاعيّة. ومرد الاطمئنان عند بعضهم قطع الطريق على حجة «حزب الله» انه حامي النصارى، ومرد الاطمئنان عند البعض الآخر، متصل بعيش مشكلة اسلامية مسيحية مديدة. 
تتداخل هذه «اللاسنّية» مع «اللاسوريّة»، فخطاب الكراهية ضد اللاجئين السوريين لا يختزل بـ»رهاب الأجانب» (الاكزينوفوبيا)، وفي المقابل تروج أصناف من المسيحوفوبيا والمارونوفوبيا في كل مرة يجري فيها تبسيط المشكلة المسيحية – الفلسطينية ثم المشكلة المسيحية – السورية، وتفسيرهما بشرّ متأصل في الجبل اللبناني أو في أبناء الكنيسة المارونية، وصولاً الى تحميل أهالي بلدة القاع مسؤولية التفجيرات الانتحارية التي استهدفتهم، بتهمة أن المسيحيين عنصريون!!رشق قوم برمته أو ملَة بكلّيتها بتهمة العنصرية هو شكل فاضح من أشكال العنصرية. لا يلغي ذلك أنّه ثمّة تفاوتا في «المراس العنصري» بين الأقوام والملل، لكن المفارقة هي أنّه كلما كان تعريف ميزة لبنان مرتبطاً بميزة عيشه «الثنائية الاسلامية المسيحية» كرسالة، يصبح أي تغيير ديموغرافي واقعي أو متخيل، حامل للجنسية اللبنانية أو غير حاضر فقط بصفة لاجئ، بمثابة جهاز رعب بالنسبة الى هذه الكيانية، بحيث تستبد العنصرية بطرف منها، ويستبد الجحود بالكيانية في الطرف الآخر. 
اعطاء استقلالية نسبية للتناقض «السني الشيعي» عن التناقض «الاسلامي المسيحي» عن التناقض «اللبناني السوري» بات، في حركة التفكير وفي حركة الواقع، أمراً حيوياً للغاية، لتخفيف حدّة الالتهاب، والابقاء على الحد الأدنى من السلم المجتمعي. التشديد على ان لبنان هو وطن الشعب اللبناني، وعلى ان المجتمع اللبناني يمكنه أن يعيش أنواعا مختلفة من التعددية الدينية والمذهبية والمناطقية داخله، في وقت واحد، ينبغي ان يتكامل مع التشديد على مواجهة كل انفعالية، وخطابات التحريض والكراهية ضد اللاجئين السوريين، وتجنّب كل هلع ورهاب بهذا الصدد، وكل تقييد لحقوق الانسان الاساسية للاجئين السوريين، وفي طليعتها حريتهم في التنقل والحركة، مع السعي في الوقت نفسه لمقاربة خارطة انتشار وكثافة اللجوء بواقعية، وبروح تعاقدية قانونية، وبتعاضد لبناني سوري لوضع «المجتمع الدولي» أمام مسؤولياته، ذلك أن رياء هذا المجتمع الدولي المغتبط لـ»تكفّل» اللبنانيين بحسن ضيافة السوريين، تخلية لمسؤوليته هو، لعب دوراً خطيراً في تسعير النزعة الانفعالية.

٭ كاتب لبناني

مسلمون ومسيحيون / سنّة وشيعة / لبنانيّون وسوريّون

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية