يدخل العام الجديد إلى حياتنا مثل لص ماهر، يأخذ ما يريد من دون أن ننتبه لذلك.
يختلس أيامنا يوما بعد يوم، مثل سابقه ولا يترك في الزوايا سوى إنجازاتنا المتينة الصنع.
شيء لا ننتبه له حتى يغادر ونقف على عتبة سنة جديدة بشعور غريب كله مزيج من قرارات صارمة لتغييرات ننوي أن نعتمدها في حياتنا الجديدة، وطموحات نخطط لها منذ اللحظة صفر لهذا العام. بعضنا ينوي اتباع ريجيم لتحسين وزنه، بعضنا الآخر ينوي العودة للجامعة لدراسة اختصاص جديد، أو متابعة الدراسات العليا، بعضنا الآخر يمسك قائمة أصدقائه ويشطب كل الذين سببوا له الألم والأذى.. يشطب ويشطب ويشطب ويقرر أن تكون سنته الجديدة سنة إيجابية بأصدقاء إيجابيين وصادقين معه.
عملية فرز رهيبة تنتابنا مع بداية العام الجديد، من دون أن ننتبه لذلك، سواء آمنا بحكمة البدايات أم لم نؤمن، فدخول العام الجديد خط فاصل بين فترة مضت وفترة جديدة في حياتنا. أمّا الذين انقرضت عندهم تلك الحاسة التي تشعر بتغيرات الزمن، فمن الصعب أن يقلعوا نحو حياة أفضل، إن لم يرسموا خطا يفصلهم عن حياة الفوضى وحياة منظمة ومنتجة.
صحيح أن العام الجديد يدخل ونحن منشغلون بسهراتنا العائلية أو بسهرات مع الأصدقاء، أو بمشاهدة التلفزيون أو بمخاصمة الجميع واللجوء للفراش باكرا، لكن من دون أن يعبأ بنا، ومنذ اللحظة الأولى التي يدخل فيها علينا يقضم شيئا منا، وكمن يقف أمام شجرة مثمرة ويقطف ثمارها يأخذ ما يريد على مدار اثني عشر شهرا ويمضي..
لا دليل حسي، لكن في اليوم التالي مباشرة لدخوله تتغير الأرقام شئنا أم أبينا.
تهجم التغيّرات التي فرضها العام الجديد علينا من دون أن ننتبه.
طبعا ومثل كل سنة ترتفع أصوات تحرّم الاحتفال بقدوم العام الجديد، من دون إعطاء مبرر منطقي لعدم الاحتفال سوى أنه تقليد غربي، ترسل الرّسائل لمقاطعة هذه الاحتفالات عبر كل وسائل التكنولوجيا الغربية التي نستعملها بتبجح وقلّة حياء على أننا يجب أن نتمسك بتقاليدنا وديانتنا وألا ننجرف في احتفالات الكفار.
ترتفع هذه الأصوات سنة عن سنة…
ومن دون أن نبحلق في هؤلاء العجزة عن صناعة «كشتبان» صغير أو أي شيء يثبت أنهم صح ونحن خطأ ننقسم إلى نصفين، نصف يحتفل وفي داخله فرح ونوايا جميلة للسنة الجديدة، ونصف آخر يراقب المحتفلين ويموت همًّا وكبكاب الغضب والأحقاد تلهو به الأفكار السوداوية في داخله.
نحن فصيلان إذن في هذا العالم…
فصيل قرر سلفا أن يكون عنصرا مضيئا للحياة، وفصيل يخطط كيف يطفئ هذه الشعلة ليدخل العالم في ظلام دامس، وللأسف الفصيل الثاني أيضا يعتقد أنه على حق.
حين قرأت مقولة للكاتبة الكندية أنطونين مايي تقول فيها، إن الثلج يدخل الفرح على القلوب في لحظة ويجعل الناس ينسون متاعب عام، لم أصدقها كثيرا إلى أن عشت ذلك بنفسي ليلة رأس السنة مع أصدقاء لي في إهدن في لبنان.
قفزت العبارة إلى رأسي وأنا أعيش لحظات فرح غمرتني عند سقوط الثلج، ولم أكن وحدي أقفز مثل الأطفال، بل كان الجميع يرقص فرحا، ثم سهرة عائلية مع الصديقة العزيزة جاهدة وهبة وأقاربها.
سهرة ليلة رأس السنة لم تكن سهرة عادية، رغم أني سهرت سهرات من كل نوع ولون. من الحفلات العائلية إلى الاحتفاليات الثقافية الكبيرة، إلى سهرات تلفزيونية إلى مهرجانات كبرى إلى أعراس الأقارب والأصدقاء.. حضرت الكثير لكن سهرة تبدأ بهطول الثلج وتكون احتفاء بالحكايات أمام مدفأة من الحطب فهذا ما لم يخطر ببالي، سهرة على إيقاع القدود الحلبية بصوت الفنان السوري محمد خيري، كانت طقسا روحانيا في حدّ ذاته، طقس مليء بالشكر لله على نعمه الكثيرة علينا.
أمّا السهرة كسهرة وانسجامنا معها فهي طقس يخضع لأجوائنا النفسية، لأن السهرة كمفهوم لغوي، هي عادة ترتبط بأمور تنبع من ثقافتنا، لكن حتى لا نبتعد كثيرا عن محتواها الفعلي علينا أن نفهم أن السّهر ليس أكثر من البقاء مستيقظين طيلة الليل، أو لجزء منه. والسهرة جزء من طقوس الحياة، لكننا نقوم بها ليلا لانشغالنا خلال النهار بأعمالنا اليومية.
عن سهرة ليلة رأس السنة فهي سهرة مرتبطة بالزمن، لانتظار أول لحظة من السنة الجديدة، إنّها لحظة زمنية محضة لا علاقة لها بأي طقس ديني. وكتصحيح بسيط للذين يعتقدون أن بدء سنة ميلادية جديدة مرتبط بمولد سيدنا المسيح، فإن تاريخ مولده، كما اتفقت عليه أغلب الطوائف المسيحية، هو الرابع والعشرون من شهر ديسمبر/كانون الأول، مع أنّه احتمال قد يكون خاطئا، لكنه متفق عليه، والاحتفالات خلاله تملأ العالم فيما ثلاثة أرباع العالم تعيش طقوسا مغايرة. وعلى العموم مهما اختلفنا في اختيار تقويم يناسبنا ويناسب أشغالنا فإن كل التقويمات خاطئة في نظري مقارنة مع عمر كوكب الأرض الذي تجاوز الأربعة مليارات سنة، حسبما توصل إليه العلماء.
لكن المهم في كل هذا هو الاحتفاء بالوقت في حدّ ذاته، وأعتقد أننا إن أُصِبنا بهذه العدوى فهذا شيء جيد لنا وليس سيئا. فلطالما عشنا خارج الزمن كله تماما، كما عشنا قرونا في دائرة مغلقة من الماضي، شيء اخترعناه لنرى أمجادا وهمية تغطي حقيقة فشلنا لمجاراة العالم المتحضر. تتشابه أيامنا وسنواتنا بشكل يدمي القلب، نعيش روتينا قاتلا حتى يباغتنا الموت، هذا كل شيء..! وهذا هو مجتمعي الذي خرجت منه وهو يتوق لإصلاح العالم كله برميه في علبة مظلمة لا زمان فيها، ولا مكان، نعيش فيها جميعا كالعميان، أو مثل أهل الكهف الذين سرق النوم قرونا من أعمارهم فما عادوا يعرفون كيف يتعايشون مع زمنهم حين استيقظوا. شخصيا لا أعرف نهاية قصتهم وأتوق لمعرفتها، لأنني أرجح أن السّفر عبر الزمن غير ممتع فكل شخص ابن زمنه، لهذا يبدو منطقيا أن ننتحر ونبيد بعضنا بعضا حين تشبثنا بالماضي طويلا، فيما عجلة الزمن تمضي بنا نحو أزمنة جديدة بكل ما تحمله من تطور ومفاجآت.
ولست أدري إن كانت هذه فكرة جيدة أم لا، لكن من الواضح أن ما يتبادر إلى ذهني ليس بالشيء الجديد، فقد ناقشه كثيرون قبلي في الضفة المستيقظة من العالم.
الآن إن قلت لكم أنني سعيدة ببداية سنة جديدة فهذا لأني اخترت أن أكون كذلك، من دون ضغينة وأحقاد على الآخر، فالمحتفل عادة لا يفكر سوى في فرحه الشخصي وفرح من حوله. أمّا الأفكار التدميرية التي تحوّلنا إلى كائنات تسلب الفرح من الآخرين فقد تخلّصت منها منذ سنوات بعيدة. يجدر بنا أن نتصالح مع الزمن ونحترم البدايات والنّهايات وما بينهما، ونتوقف عن تعاطي الفوضى الزمنية القاتلة التي نعيشها منذ مئات السنين.
أقول هذا الكلام وفي قلبي محبة كبيرة لكم وأمنيات جميلة بحجم السموات والكواكب والمجرّات كلّها… وعام مثمر لكم جميعا.
شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب