مصر بعد تفجير البطرسية..مواجهة المستقبل بأوهام الماضي

تلقت القاهرة ضربة موجعة مع التفجير الإرهابي الذي استهدف الكنيسة البطرسية الملاصقة للبطريركية المرقسية، ومع أن الرئيس عبد الفتاح السيسي حرص على إبداء العناية الكاملة بالمصاب القبطي، إلا أنه يدرك فعلياً خسارته الفادحة التي ترتبط باستعادة مشاعر الغبن والمظلومية القبطية للواجهة.
بما يجعل كتلة أساسية من مناصريه تعيد حسابات اصطفافها وراء ما يمثله، بوصفه ضامناً لأمن الطائفة القبطية، من خلال موقعه الوصائي على جموع الشعب المصري، وهو الدور الأبوي الذي يحرص السيسي على إظهاره بين أداء يتسم بالعاطفية الزائدة، مع إيماءات بالاستعداد لاستخدام القسوة، ولكن في إطار التأديب والإصلاح الأبوي، وهذه وصفة مصرية جربت مرات سابقة وبطرق مختلفة في عصري عبد الناصر والسادات، وإلى حد ما في عصر محمد نجيب القصير والمبتسر، أما مبارك فكان يحاول أن يؤدي دور الأب، ولكن تجربته فشلت لأن أبناء الرئيس البيولوجيين وصلوا لمرحلة النضج واللعب لحسابهم ولمصالحهم الخاصة، وبما يتعارض مع ادعاءاته بالأبوة لبقية المصريين.
تفجير الكنيسة البطرسية يعتبر الهجمة الأكبر والأخطر تجاه الأقباط منذ حادثة كنيسة القديسين في الاسكندرية، التي أسدلت الستار على منظومة مبارك الأمنية، ويكاد الحادث يقوض المنجزات التي تحققت على المستوى الأمني وإعادة مظاهر الانضباط للشارع المصري، خاصة بعد أن تراجعت أعمال البلطجة والحلول الفردية لتطبيق القانون، التي تصاعدت بعد ثورة يناير، وهذه الحقيقة أدت بالأجهزة الأمنية للدفع بأسماء المتهمين واتخاذ اجراءات عاجلة، تواصلت حتى أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الحادث. وهو الأمر الذي كان يعني للمصريين، وتحت غطاء السمعة الأسطورية التي تحصل التنظيم عليها في العراق وسوريا وليبيا، أن خصماً غير اعتيادي يظهر على الساحة وفي قلب القاهرة هذه المرة، وأن هذه العمليات بالتأكيد تتجاوز التدابير الأمنية التقليدية، بما يعطي فرصة لمزيد من الإجراءات والمظاهر الأمنية، ومع أن الإعلان من قبل «داعش» أتى ليخرج المصريين من مأزق تحديد هوية الفاعلين، وما تبعه من تحليلات وتشكيكات ذهبت للادعاء بعودة مدرسة حبيب العادلي للواجهة، إلا أنه أدخلهم في مأزق جديد يتمثل في خصم من الصعب التعامل معه، وهو خصم غير سياسي بالمحصلة ولا يكترث بسمعته أو شعبيته ويقدم التوحش بوصفه أسلوباً للعمل والحياة.
كانت القاهرة بصدد إعلان النجاح في احتواء التنظيمات المتطرفة في سيناء، ويبدو أن الضغط في سيناء أدى إلى انسحاب الكوادر الإرهابية إلى أرض مواجهة جديدة هذه المرة في قلب القاهرة، التي يصعب السيطرة عليها إلا في حالة تعطيل مجريات الحياة اليومية بالكامل، وعدا ذلك فإن مدينة تزنرها العشوائيات والأحياء المزدحمة لا تترك فرصة لأي جهاز أمني للسيطرة، دون وجود مخاطر الانزلاق للعشوائية والعقوبات الجماعية، بما يهدد حصيلة الاستقرار التي تراكمت في العامين الماضيين.
استطاعت الأجهزة الأمنية أن تحقق نجاحات أمنية ملموسة بعد حادثة الأقصر 1997 التي شهدت للمرة الأولى عمليات الذبح الجماعية، التي أصبحت من طقوس التنظيمات الارهابية في العراق وسوريا بعد ذلك، وكان لحبيب العادلي، الذي جرى تصعيده من جهاز مباحث أمن الدولة، دور كبير في إحداث اختراقات واسعة في صفوف التنظيمات الاسلامية، وبدأت عملية المراجعات الشرعية التي استقطبت من خلالها الدولة المصرية مجموعة من القيادات التاريخية للتنظيمات المتطرفة، مثل التكفير والهجرة والجهاد الإسلامي لتحدث خللاً في مرجعيات جماعات العنف العاملة في الساحة المصرية، وكانت عملية استعادة تنظيم الإخوان عبر وجبتين في مجلس الشعب المصري من خلال 17 نائباً سنة 2000 و88 نائباً سنة 2005 جزءا من عملية الاحتواء التي أظهرت نجاحها، وبدت واعدة في إنهاء العنف الإسلامي من خلال تعطيل أذرعه من خلال مختلف أشكال المشاركة، وأتى جمال مبارك ليقلب الطاولة على هذه التسوية، ويقطع شعرة معاوية، فكان يحتاج مجلساً نيابياً بدون أظافر أو أنياب ليحمله إلى منصب الرئاسة رسمياً، وبرعونة انطلق ذراعه السياسي وممثل طبقة رجال الأعمال الجدد أحمد عز ليدير عملية تزوير واسعة أطاحت بالجميع، ولم يكن أمام العادلي الحائر بين الحرس القديم الذي يتزعمه صفوت الشريف والسادة الجدد بزعامة عز إلا أن يلعب دور عبد المأمور مع نجل الرئيس ويطلق أسوأ مرحلة قمعية عرفتها مصر منذ الستينيات.
توجد رؤية حالية في مصر وجدت في تنظيم الإخوان المسلمين من جهة، والحديث عن المؤامرات الخارجية من جهة أخرى، مبررات جاهزة لأي إخفاق أو فشل، وأصبح السلوك العام هو تفويت الفرصة على المتربصين بمصر، من خلال التحمل والتماسك أمام أي إجراءات ستتخذها الدولة والحكومة، وكانت الذراع الإعلامية للحكم تمارس دائماً عملية خلط الأوراق، وأتت حوادث الاعتداء على الإعلاميين لتعبر عن وجود تململ من سلوكهم التسطيحي للأمور والاستخفاف بعقول متابعيهم. ومع أن الإعلاميين الذين تعرضوا للاعتداء في محيط البطريركية حاولوا أن يرتدوا مسوح الأبطال، وأن يعزفوا نغمة المندسين والمخربين، إلا أنه من الضروري أن يتم تحليل أسباب الغضب القبطي على الإعلام، خاصة المتحمس لجميع قرارات الرئيس والحكومة دون تحفظات، فردة الفعل العنيفة أتت أصلاً من الكتلة الموالية للرئيس السيسي ممن وجدوا فيه المخلص من حكم ديني صريح يمكن أن يقصيهم عن المشهد ويتغول على مكتسباتهم البسيطة.
المزيد من القرارات الاقتصادية المتوقعة في الأسابيع المقبلة مع وجود احتقان شعبي مكتوم سيعقد الأمور، ومصر تحتاج فعلاً إلى أجواء هادئة ومستقرة لفترة من الوقت من أجل امتصاص آثار تعويم الجنيه قبل أسابيع، والقضية اليوم لم تعد تحدياً للحد من مخاطر ثورة جديدة، فالمصريون لا يريدون هذه الثورة ولا يسعون لها، ولا أحد يريد أن يزيح الرئيس من موقعه، ولكنهم يطالبون بإصلاحات منطقية وضرورية، وإذا كان الجيش المصري يستطيع أن (يفرش على البلد في ست ساعات) فإن ذلك لا يمثل حلاً على الإطلاق، لأن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر للأبد، والجيش سيكون تدخله من أجل اجهاض مظاهرات أو احتجاجات واسعة، ولكن مواجهة المخاطر الإرهابية مسألة مختلفة، تتطلب أصلاً تعقيم الحواضن السياسية والاقتصادية لوجودها، وذلك دور الحكومة والمؤسسات المختلفة، وهو دور ممتد ومتعدد المراحل، والمهم هو البداية الحقيقية، فصحيح أن الانتشار العسكري وحظر التجول يمكن أن يهبط بالمخاطر إلى الدرجة صفر، ولكنه يمثل حالة من الغيبوبة التي تعطل البلد وتعقد المشكلة وتبتعد بجميع الأطراف عن الحلول الواقعية والمقبولة. المخاطر التي تواجه مصر أصبحت مختلفة شكلاً ومضموناً عن المخاطر التي سيطرت على عقل الدولة قبل 11 نوفمبر، الذي كان اختباراً للمصريين قبل اتخاذ قرارات اقتصادية موجعة، بقيت موضوعاً للتأجيل والتسويف منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي تقريباً، ولذلك فالأمر يتطلب عقلية جديدة تستطيع أن تخرج من مخاوف موجة أخرى من الثورة، وأن تتطلع للدخول في تجربة جديدة من بناء بيئة سياسية واقتصادية مفتوحة من أجل الخروج من الخندق الافتراضي الذي يسكنه المصريون ويواجهون من خلاله خصوماً وهميين يغذي وجودهم المتخيل الإعلاميون المرتزقة، والذين واجهتهم القبضات القبطية العارية لأنهم جزء من عملية استلاب عقل الدولة وسرقة عقل الشعب.

٭ كاتب أردني

مصر بعد تفجير البطرسية..مواجهة المستقبل بأوهام الماضي

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية