مصر ترتدي البدلة العسكرية فقط في مواجهة «الجزيرة»… قرصنة في دمشق… سجن وجلد في طهران بسبب فيلم

حجم الخط
2

بأبسط ما يمكن، قالت «الجزيرة»، في فيلم تسجيلي بثّته أخيراً بعنوان «العساكر»، حقيقة وجوهر النظام المصري. إنها الحقيقة التي يعرفها كل بيت مصري، كل بيت أدى أحد أبنائه الخدمة العسكرية الإلزامية: استعباد العساكر المصريين واستخدامهم بشكل شخصي كحجّاب من قبل الضباط، حيث يكلّفون بتأمين مستلزمات بيوت رؤسائهم، وصولاً إلى تلميع أحذيتهم، الإهانة والشتم والإذلال، وتسخيرهم للعمل في أشغال مدنية شاقة من دون مقابل، كالعمل في تربية المواشي والدواجن وأعمال البناء، ربما بحجة أن الجيش للحدود وللإعمار!
تعتمد «الجزيرة» في فيلمها على مشاهد تمثيلية، إلى جانب شهادات مسجلة لمصريين أخفت وجوههم وموّهت أصواتهم، بالإضافة إلى مشاهد من أرشيف القوات المسلحة، وأخرى مسربة من هنا وهناك لأعمال مذلة يقوم بها العساكر، أو لأشكال العقوبات التي يتعرضون لها، أو ليوميات عيشهم وأكلهم داخل وحداتهم.
كذلك تستضيف القناة ضابطاً أمريكياً متقاعداً سبق أن جرت استضافته كمدير برامج عسكرية في مكتب التعاون العسكري في مصر، حسب ما يقول الفيلم، يتحدث عن فكرة استخدام المجندين كمساعدين شخصيين للضباط فيعتبرها مفجعة، كما يتحدث عن تركيز الجيش في تدريب عساكره على الاستعراض والنظام، فيقول إن الجيش المصري يفعل ذلك أفضل مم يفعل الجيش الأمريكي، في إشارة إلى أن ذلك ما هو إلا تأكيد على الشكليات على حساب الجوهري الذي ينبغي التركيز فيه على القدرة القتالية للعساكر.
إنه فيلم حزين حقاً. لم تسرّب «الجزيرة» فيه أسراراً نووية، ولا فضحت سياسات النظام المصرية واستراتيجياته. لم ترو سوى تلك الوقائع الثابتة التي يراها كل مصري، كما يرى تلك الغيمة الملوثة المرئية بالعين المجردة الجاثمة فوق سماء العاصمة المقهورة.
ليس فيلماً مثيراً، بالمعنى البوليسي، بل هو حزين فقط: تلك البدلات المترهلة، العيون الخفيضة والأجساد المسحولة فوق الإسفلت، على إيقاع موسيقا اعتمدت إيقاع المارش العسكري، والذي يفترض أن يكون حماسياً، لكنه هذه المرة يأتي مع نبرة حزينة، موجعة،
كأنما لتروي، بالموسيقى وحدها، كل خيبة مصر وانكساراتها.

القرموطي لبس البدلة

حرب إعلام السيسي بدأت على «الجزيرة» حتى قبل بثّ الفيلم التسجيلي «العساكر»، كان بثّ الإعلان الترويجي الخاص بالفيلم وحده كافياً لشنّ حرب لم تنته حتى الساعة، قال إعلاميو السيسي «الجواب باين من عنوانه» وراحوا يخبطون يميناً وشمالاً.
وعلى الرغم من مكابرتهم وترديدهم بصوت واحد أن «الفيلم مفضوح وركيك ويستهدف زعزعة ثقة المواطن بالجيش المصري»، فقد استنفروا كل طاقاتهم للرد والهجوم إلى حدّ أن أحد أبرز مذيعيهم ارتدى في إحدى حلقات برنامجه المسمى «مانشيت» اللباس العسكري الكامل وراح يخبط برجليه لوحة رسم عليها شعار «الجزيرة».
لقد جنّ إعلام السيسي حقاً، وكان علينا أن نتوقع ذلك، كما علينا أن نتوقع ممن اعتبر السيسي رمزاً للجمهورية عند «زلّة» لسان من أمين «منظمة التعاون الإسلامي» بحقه، أن يهتز حين يصيب النقد المؤسسة التي تعتبر محل إجماع المصريين، لكن ما العمل والمؤسسة قائمة على استعباد المصريين وإذلالهم.
جنون إعلام السيسي ليس أمراً مفتعلاً ومبالغاً به، كما صور الكاتب والصحافي وائل قنديل في أحد برامج «الجزيرة»، حين قال إن الحملة المصرية مبالغ فيها، وهي نوع من التغطية على خبر مشاركة القوات المصرية قوات النظام السوري في قصف السوريين، فالنظام المصري يعي جيداً أن فيلم «العساكر» يصيب ضمير كل المصريين، أولئك الذين اقتربوا بهذه الدرجة أو تلك من قصص الخدمة العسكرية.
إنها ساعة الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يخفيها، وإذا كان تعذيب وحشي لمواطن مصري في معتقلات النظام قد أشعل ثورة، فماذا يمكن أن يفعل فضح تعذيب وإهانة ملايين المصريين!

الحرية لجدران طهران

اعتقلت السلطات الإيرانية منذ أيام المخرج الإيراني كيوان كريمي (30 عاماً) لينفّذ حكماً بالسجن عاماً واحداً وبـ 223 جلدة، على خلفية ما اعتُبر «إهانة القيم المقدسة» و«الدعاية ضد النظام» في فيلمه الوثائقي «الكتابة على المدينة»، الذي يدور حول رسوم الغرافيتي على جدران طهران.
مرّ الخبر خجولاً هنا وهناك. لم يلتفت إليه الممانعون الذين يملأون عادةً الدنيا صخباً في أمكنة أخرى. لا يطلب المرء تفسيراً لذلك البتة. ليس على القاتل حرج. إنما نتمنى للمخرج الشاب فرجاً قريباً، ولجدران طهران الحرية.

قرصنة في دمشق

موقع وزارة إعلام النظام السوري بثّ خبراً أول أمس يتحدث عن «محاولة تسميم سيادة الرئيس وأنباء عن إصابته بمرض معدٍ خطير». الخبر بقي ليلة كاملة على الموقع قبل أن تعلن وكالة أنباء النظام عن تعرّض موقع الوزارة «لعملية قرصنة الكترونية، حيث قام القراصنة بنشر أخبار كاذبة عن الموقع تمس الدولة السورية وقيادتها»، مع تأكيد على «استعادة السيطرة على الموقع بالكامل».
اللافت أنها كانت واحدة من مرات قليلة لم يصدّق فيها ناشطو مواقع التواصل الاجتماعي الخبر، وعرفوا على الفور أنها عملية قرصنة، الدليل، حسب رأيهم، هو الأخطاء اللغوية التي مرت في متن الخبر ذي السطور السبعة. كثر قالوا إنه ليس معتاداً أن تجد كل تلك الأخطاء في خبر رسمي؟
إنه أمر محيّر فعلاً، كيف يمكن لبلد أن يكون فيه كل تلك الأخطاء، بل الجرائم ربما غير المسبوقة في التاريخ، وتبقى فيه اللغة مضبوطة إلى هذا الحدّ!؟
أي حرص على سلامة اللغة العربية في الطريق إلى الجحيم. يتذكر المرء وزيراً سورياً سابقاً كان لا يكفّ عن القول، في خضم المجزرة، اللغة العربية في خطر! وكأن كل شيء آخر على ما يرام.
لكن ليس علينا أن نستغرب، لقد كانت هذه هي أصول اللعبة على الدوام، الأفكار الكبيرة، بخصوص القومية العربية والمقاومة وقواسم العيش المشترك، كانت هي الطريق إلى الجريمة، كانت غطاءها.
نعم، كانت «الوطنية» دائماً ملاذهم الآمن. حسب قول شهير.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

مصر ترتدي البدلة العسكرية فقط في مواجهة «الجزيرة»… قرصنة في دمشق… سجن وجلد في طهران بسبب فيلم

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية