مصر… زلزال الإرهاب يقلب حسابات السياسة

كان يفترض أن يركز مقال اليوم على ذكرى الأحداث التاريخية الفارقة التي شهدتها مصر في الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو عام 2013، إلا أن اغتيال النائب العام المصري المستشار هشام بركات الاثنين الماضي، باستهداف موكبه بنصف طن من المتفجرات، ثم التصعيد الخطير في الحرب الإرهابية التي تتعرض لها سيناء، أحدثا زلزالا سياسيا، وقلبا كثيرا من الحسابات، ورسما مسارات جديدة من التصعيد في المواجهة بين النظام والجماعات المنتسبة إلى الإسلام السياسي أو العنفي، خاصة «الإخوان».
ولم يكن متصورا أن يعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي صراحة عزمه على تنفيذ أحكام الاعدام والمؤبد، خاصة أنها لم تصبح نهائية او باتة بعد، بعد أن رفض إعطاء إجابة في السابق بشأنها، وقال «إن لكل حدث حديث». لكن اللهجة الغاضبة والصارمة مع ارتفاع الصوت إلى حد الصياح، التي ميزت حديثه اثناء تشييع النائب العام، تظهر بما لا يدع مجالا للشك حجم الضغوط الداخلية التي اسفرت عنها عملية الاغتيال.
وليس سهلا أن يقرأ المراقب هذه الأحداث موضوعيا، في أجواء من الهستيريا الاعلامية والشماتة وتبادل تهم جاهزة لا تستحق التعليق غالبا، من نوع أن النظام متورط في قتل نائبه العام (..) بل وتدبير مجزرتي الكويت وتونس ايضا (..)، او «نسيان» البعض أن يدين الإرهاب، في انعكاس طبيعي لموقفه الحقيقي، متوهما أن مصر قد تلحق بدول اخرى انهارت او اختفت في الإقليم، وهو ما لن يحدث، لاسباب نراها غنية عن البيان.
ومع ذلك فان تلك الشماتة لا يمكن أن تؤثر في تعاطفنا العميق مع بلاد لا يمكن أن تقارن معاناتها وخسائرها بأي حال مع ما تشهده مصر من هجمات متفرقة. لكن كان واضحا أن النظام لم يتردد في الاستثمار السياسي لهذه الموجة الإرهابية الجديدة لاقصى درجة، ولكن من الغريب أن يترك بعض المحسوبين عليه يحرضون عمليا ضد الشعب ويستفزونه بشتم حقوق الانسان، وكأن الانتهاكات، التي زادت ولم تقل منذ تولي السيسي للحكم، هي الحل لإعادة الأمن، مع أن الصحيح هو العكس تحديدا.
نعم لقد صبت عملية اغتيال النائب العام، ثم التصعيد العسكري في سيناء في مصلحة النظام، أما المتضرر الاكبر فستكون جماعة «الاخوان» التي قد تكون صادقة في أنها ليست متورطة بشكل مباشر في مثل تلك العمليات الكبرى، التي تحتاج قدرات لوجستية وكوادر مدربة لا تملكها اصلا، إلا انها ستبقى حتى اشعار اخر متهمة، بل ومدانة في نظر اغلبية المصريين، منذ ارتكبت فعلا ينتمي إلى «الانتحار السياسي الصريح»، عندما ربطت في تصريحات شهيرة بين توقف الإرهاب في سيناء وحقن الدماء في الوادي بعودة الرئيس المعزول محمد مرسي إلى منصبه. والنتيجة انها قد تدفع قريبا ثمنا باهظا من وجودها ذاته في موجة اعدامات واعتقالات غير مسبوقة.
ولقد نجح مدبرو العمليات الإرهابية الاخيرة في إظهار انهم قادرون على توجيه ضربات مؤلمة للنظام، وقتل احد رموزه، وإن البلاد مازالت بعيدة عن استعادة الامن والاستقرار بشكل كامل، في ظل تقصير حكومي، لكنهم في الوقت نفسه هيأوا الفرصة للنظام لتحقيق أهداف طالما بدت شديدة الصعوبة، اذ اعفوا السيسي تحديدا من الحرج الذي كان سيواجهه امام مطالبات دولية واقليمية بعدم تنفيذ احكام الاعدام.
وقد لمح بالفعل إلى المبرر الذي سيقدمه للعالم عندما يصدق على تنفيذ الاعدامات بحق قيادات الاخوان، الا وهو «انهم يصدرون الأوامر بالاغتيالات من داخل المحكمة»، مشيرا إلى فيديو تعمد الاعلام المصري الترويج له، يظهر الرئيس المعزول محمد مرسي في يوم اغتيال النائب العام، ملوحا بعلامة الذبح وهو داخل القفص. اما المبرر الاخر فهو أن اغتيال النائب العام يمثل اعلانا صريحا لحرب تستهدف اركان الدولة، ما يلمس وترا حساسا عند الغرب بشكل خاص، وهو الذي يدرك أن انهيار الدولة في مصر يمثل تهديدا مباشرا لاوروبا ونهاية عملية للشرق الاوسط، كما عرفه العالم لقرون. أما الدولة المصرية فقد بدت مؤسساتها متفقة على أنها لن تضيع ما تراه فرصة تاريخية لاستئصال جماعة «الاخوان» وما يعرف بـ»السلفية الجهادية» التي كانت خاضت حربا طويلة ضدها في التسعينيات، وعادت اليوم بثوب «داعش» مدعوم بمخطط اقليمي واسع لا ينقصه التمويل او الدعم اللوجستي. ومن هنا فإن اغتيال النائب العام والتصعيد في سيناء نقلا الحديث عن مصالحة محتملة مع «الاخوان»من خانة الصعوبة الشديدة إلى شبه الاستحالة، في ظل حالة من الاحتقان لا يستطيع السيسي نفسه أن يغامر بتجاهلها.
وبكلمات اخرى فقد رسمت الاحداث الاخيرة صورة جديدة للمواجهة مع ارهاب غاشم لا يعرف الحوار او التفاوض، سواء في مصر او أي بلد اخر، لكنه في الحقيقة يخدم النظام بدلا من أن يقويه، ويزيد شعبيته ومبررات بقائه، اما الضحية فهي الحياة السياسية، وحقوق الانسان، والامل في تحول ديمقراطي. وهنا يجب التمييز بين حتمية الوصول إلى حل سياسي في النهاية، وتقديم تنازلات تحت القصف والتفجيرات لا يمكن أن تعني الا مكافأة الإرهاب.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية