مطلوب فتوى: ما حكم من يتنازل عن دينه . . . حين تبدل العربية قمصان يوسف بهبوط إضطراري!

حين تصبح القضية الفلسطينية كوحش فرانكشتاين الذي قهر من اخترعه، فإن المسألة تتعدى الإرادة الإعلامية، لأننا وفي هذا العصر المزدحم بالأطباق الفضائية نكاد لا نعثر إلا على أخبار خجولة من قلة الخجل- عن الانتفاضة الفلسطينية، التي كانت قبل عهد تشحن بعض التلفزات وتمدها ببضاعة رائجة، ولكن بما أن العبء الإخباري لم يعد يتسع لقضايا يعجز الهبوط الاضطراري عن استيعابها، فإن إعادة اختراع القضية – إعلاميا – في مواقع التواصل الاجتماعي أشبه بخطأ غير مقصود أو حادثة تسلية أدت إلى كارثة أمنية، ولكن ماذا عن الإعلام الغربي؟ هل يمكن لمن يلعب مع صراصير الكاتب الإسرائيلي «كافكا» أن يسن شريعة إعلامية لا يحكمها المسوخ!
أليس الأمن الإسرائيلي متكفلا بثقل موازينه الإخبارية؟ خاصة أن مسألة الإرهاب في الشرق الأوسط تثير شهية الذئاب البيضاء في الساتلايت الغربي، لأن السي إن إن لم تزل تتعامل مع الجيش الاسرائيلي كجنود السايبورغ الذين خرجوا من عصمة المافيات الصهيونية لينضموا بفضل السادات لفرق الغلمان المخلدين في الجيش العربي للدفاع عن فلسطين… هناك سعار إعلامي على طريقة كلاب الحراسة الفضائيين لم يمنع بعض القنوات المحلية البريطانية من تناول تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بمنظور وثائقي لا يخلو من الحياد الأعور أحيانا، حين يبتلع حقائق خطيرة وهو يلتف عليها بلغة إعلامية حمالة أوجه، تجعل من المجرم مبنيا للمجهول ومن الضحية شريكة في جنحة تسديد الثمن وقد بثت الجزيرة الوثائقية بعضا منها!
اختلفت الجزيرة، ففارق التأثر والانفعال الإنساني والمهني بالتغطية الإخبارية قبل الثورات العربية والآن، ملحوظ بشكل كبير، بينما يقابل هذا البرود تحمئة مشعوطة على قنوات معادية – إن جاز التعبير – تتخذ من القضية الفلسطينية رهانا أخيرا لتربح ورقة المقاومة دون أن تضطر للتنازل عن إسرائيل كجار لا تكتمل جيرته سوى بالحركشة أو بالنغوشة!

مناسك تطبيعية

ماذا تريد بعد أيها الفلسطيني؟ منذ قرن والأمة تبكي عليك، وتبحبح بأناشيدها الوطنية وقصائد شعرائها: لا تصالح، حتى خرج البلغم وزبد السعال من خياشيمها الاحتياطية، وأصبحت تتنفس من تحت الماء، فهل المطلوب من الإعلام العربي أن يبارك الطعن وحملة الاغتيالات الزعرنجية للآمنين والعزل؟
الخطر الأكبر ليس التعتيم ولا الخفوت، إنما عمليات صهر الوعي التي يمارسها الإعلام على مفهوم المقاومة وذهنية الأجيال… فهو وإن خرج من جلباب طغاته إلا أنه لم يزل يواظب على أداء مناسكهم في سوق الأنتيك والخردة التفاوضية، وليس أدل على ذلك من التطبيع الإعلامي الكامل مع الصهاينة، كأن لسان حاله يقول: إما أن تكف عن لعبك القتالية هذه وتحل عن سمانا، أو أن نستضيف عدوك ليمارس نكاياته الحوارية، يكفيك تمطيا كحزام إخباري ناسف أيها المغضوب عليك، أمك ثم أمك على أمك يا شعب فلسطين!

العربية وقمصان يوسف

عداك عن قناة فلسطين التي يسيل لعابها على سيرة التفاوض ليعبئ رشاشات مطافئ لإخماد غليان الشارع الفلسطيني، فتطبق المثل القائل: «الولد العاطل بجيب لأهلو المسبة»، فإن الجزيرة لطالما عبأت فراغا إعلاميا هائلا في ظل حجب قنوات فضائية كالأقصى وفلسطين اليوم والميادين في بعض الدول، فهل نسأل عن الفراغ أم عن التفريغ الإعلامي للقضية في ظل اقتسام الوضع العربي للكعكة الإخبارية بتفاوت محكوم للإملاءات السياسية!
مع كل احترامي لزملائي في «الجزيرة» وهم رواد الإعلام الوطني الشجاع، إلا أن المفاجأة هذه المرة جاءت من ستديو نجوى القاسم، إذ استضافت العديد من الشخصيات الفلسطينية في حلقات نقاشها مخصصة الحصة الأكبر للانتفاضة، بتفاعل ذكي وهي تقبض على جمرة العاطفة بيد حديدية وحذر حريري، لا يسمح للمتلقي بالشك بنوايا الطرح، أو بالتصيد لأي هفوة أو انزياح سياسي طفيف عن بؤرة الوطنية لتروض المشاهد والضيف معا، فإن رأيت عريقات وهو ينافق للسلطة السياسية في السعودية حين أجاب على سؤال منتهى في بانوراما العربية عن تقاعس الخطاب الرسمي العربي، لن تصدق أنه هو ذاته الذي يجيب نجوى القاسم مخاطبا شخصها على السؤال نفسه بتدليل بالغ، بينما تفاعل أحمد الطيبي بأريحية وحماس مع أسئلة القاسم التي طبطبت على غضبه وانفعاله الوطني، وأمام مصطفى البرغوثي تحلت بشجاعة تتوسل التلقائية لما نعتت الانتهاكات الصهيونية بالوقحة، بعكس زميلتها على العربية الحدث التي جنحت إلى الشحتفة والإشفاق على قتل الفلسطينيين، ليتصدى إليها البرغوثي بالأدلة التي تبرهن سقوط شهداء قبل الانتفاضة يفوق عددهم خلالها.. فهل هذا تنويع فضائي جديد يتيح للعربية تبديل قمصان النبي يوسف من خزنة الذئاب؟

هل تتنازل عن دينك؟

لم تعرض القنوات الفضائية ذلك الفيديو لرجل دين يهودي غربي في تظاهرة عامة، يتلقى فيه كيلا من الشتائم وهو يتبرأ من الحركة الصهيونية ويعتذر للفلسطينيين عن جرائمها الإرهابية التي لا علاقة لها باليهودية، مؤكدا على أن الفلسطنيين تعايشوا على مر العصور مع اليهود بسلام تام، وأن تعاليم التوراة تحرم إنشاء وطن يهودي لبني اسرائيل، فقد حكم الله عليهم بالشتات في الأرض عقابا لهم على عصيانهم، رافضا فكرة الحرب الدينية، فهل تدلني على داعية إسلامي تجرأ أن يطالب أمام الشاشات بعدم أسلمة القضية الفلسطينية وسرقتها من حسها الوطني لزجها في زاوية دينية تتعنصر لطائفتها؟ ماذا لو تعارضت الأهداف الدينية مع الرؤية الوطنية؟ هل تجد إعلاما واحدا يجرؤ على طرح السؤال المحرم:
«هل تتنازل عن وطنيتك لصالح فصيلك الديني، أم تتنازل عن عنصريتك الدينية لصالح وحدتك الوطنية»؟

اليهودية تعدل مع الله!

ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع من برنامج «ذا دايلي شو» للإعلامي اليهودي جون ستيوارت، يسخر فيه من العنصرية الأمريكية التي تتحيز لأمن اسرائيل، بتقنياته الساخرة التي تصل به إلى شفا مثلث برمودا الصهيوني وهو يهرول فوق صراطه الإعلامي المستقيم دون أن تسقطه فيه!
هناك برامج عديدة تخرج إعلاميوها من مدرسة ستيورات وعلى رأسها برنامج «هيدا حكي» الذي اشتهر بحسه النقدي في أمور السياسة تحديدا، ولم يكلف نفسه ولو بكلمة واحدة أو طرفة أو جملة نقدية يستعيرها من مشهد هروب الاسرائيليين المدججين بالسلاح من أطفال فلسطين على سبيل الحياد مع العدو، والاكتفاء بمادة مصورة كأي مادة أخرى يعرضها البرنامج عن الرئيس الكوري أو مجالس النواب أو ملوك الطوائف لن أقول من أجل إثراء البرنامج بمتعة هادفة تحصد كما هائلا من القهقهات التي ستعبر في كل حالاتها عن وعي أخلاقي وموقف إنساني ورسالة إعلامية منتمية لقضاياها العربية، إنما فقط من قبيل طزاجة المشهد، وما يحمله من مفارقات الكوميديا السوداء!
ستيورات الذي يبعد عن فلسطين آلاف الأميال، كان أقرب لوجعها من عادل كرم الذي بإمكانه أن يومئ لبحار في عكا لو أطل من شرفة أي بيت في بنت جبيل، ولكنه لم يفعل! ستيوارت إعلامي محترف مزود بملاقط استشعار مهنية وإنسانية، تسخر كل قطب لصالح الآخر بتمازج وانسجام تام، يتناول حدثا ساخنا يؤرق خاطر الساحة، مؤمنا بتأثير برنامجه وتفاعل المشاهد مع السخرية وتصديقه لها أكثر من البرامج التحليلية الصارمة، على الرغم من احتمالها للطابع التخيلي والحقن الهزلي المبالغ فيه، ليتساءل مستنكرا عن الخطر الذي يهدد أمن إسرائيل وهو يعرض صورا لأطفال الحجارة أمام ترساناتها الحربية الجبارة؟ ومشاهدا لضحايا صواريخ حماس التي لم تصب بشرا ولا حجرا في تل أبيب بينما كانت الغارات الاسرائيلية تحصد البيوت والنساء والملائكة، مثيرا نقمة اللوبي الصهيوني عليه، غير مبال سوى بيهوديته، وهذا يكفي ليعدل مع الله…

مصيدة الالتباس

يسجل الإعلاميون العرب في غالبيتهم غيابا مهينا لشرف المهنة في دفتر الحضور الفلسطيني، ففي حين تنحاز كريستينا فرنانديز للسكين، ترى شلة تبييض الصحون الفضائية عندنا تلهث لدرء تهمة التحريض والإرهاب، فهل عرب أنتم؟
لا بد أن نحاججهم بما يدحض استحياءهم من حقوقهم وكرامتهم ورؤوس نعاماتهم، فبريطانيا مثلا قبل الحرب العالمية الثانية استخدمت حرب التحريض الدعائية لإذكاء عزيمة الشعب البريطاني وحثه على مقاومة النازيين، بنشر بوسترات إعلامية تستخدم الآن في المحال التجارية لتسويق البضائع في احتفاء يومي يخلد ذاكرة التحريض الوطني كحق شرعي تكفله القوانين الدولية! فإن كانت حربنا الآن مع عدونا هي حرب نوايا، هل نكتفي بحسن نيتنا؟ ألا يمكن لالتباس بسيط بالتعبير عن النوايا أن يعوم المعنى ويعرضه للاستغلال والتشويه؟ هل سنكتفي حينها بمسوغات العوالم المفتوحة والتكثيف اللغوي في التغريد الالكتروني؟ حذار إذن من حفر الانهدام التويترية يا بلد!

كاتبة من فلسطين تقيم في لندن

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية