معركة المساواة في الإرث تُعيد تونس إلى مربع الاستقطاب الثنائي

حجم الخط
3

تتجه تونس مجددا نحو استقطاب ثنائي بين الأوساط ذات المرجعية الأصولية وتيارات الحداثة، بجناحيها اليساري والليبرالي. محورُ الصراع بين الفريقين لا يتعلق بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يُجابهها البلد، والتي تُهددُ بتقويض التجربة الانتقالية اليافعة، وإنما بسن قانون لتكريس المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة. المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في عيد المرأة السنوي، أنهت ما يقرب من ثلاث سنوات من «الوفاق» بين حركة «النهضة» من جهة وحزب «نداء تونس»، الذي أسسه الرئيس الحالي من جهة ثانية. ومن الواضح أن قائد السبسي، الذي تنتهي ولايته العام المقبل، يسعى إلى ترك أثر في التاريخ، أسوة بالبصمة التي تركها الرئيس الراحل حبيب بورقيبة (1957-1987) في فجر الاستقلال، عندما سنَ قانون الأحوال الشخصية، وأنهى تعدد الزوجات ومنع التطليق وحظر تزويج البنات قبل سن السابعة عشر.

رد محسوب

على الرغم من أن قائد السبسي شكل منذ العام الماضي «لجنة الحريات الفردية والمساواة» والتي نشرت أخيرا تقريرها المُنادي بالمساواة في الإرث، فإن المبادرة فاجأت حركة «النهضة»، حليف السبسي والعامود الثاني في الائتلاف الحاكم منذ انتخابات 2014. فالعلاقات بينهما قامت على انسجام كليٍ اعتبره بعض النهضويين تبعية لحزب «النداء». وسرعان ما أطلقت الحركة العنان لقواعدها لتحريك الشارع ضد المبادرة، ما أدى إلى تعبئة مضادة من الأوساط المؤيدة للمبادرة التشريعية. مع ذلك اختارت «النهضة» ردا محسوبا وجزئيا، مُتحاشية أي استعراض للقوة في الشارع من شأنه أن يُحيي المخاوف من تغوُلها. لكن كُتلتها البرلمانية ستعارض بشدة مشروع القانون الذي يعتزم رئيس الجمهورية إحالته على مجلس النواب، وهو ما حمل «النداء» على السعي لاستعادة أعضاء كتلته، الذين انشقوا عنه على مدى السنوات الماضية، احتجاجا على التحالف مع حركة «النهضة». والمُلاحظ أن أربعة أحزاب صغيرة في الأقل انبثقت من «النداء»، ما جعل حجمه البرلماني يتراجع إلى المرتبة الثانية بعدما كان الكتلة الأولى في مجلس النواب. وستقتضي المعركة على اعتماد مشروع قانون المساواة في الإرث حملة حامية من الحزبين الغريمين لاستقطاب النواب إلى صفهما.

بابٌ مفتوحٌ

الأرجح أن قائد السبسي حاول التخفيف من وقع المبادرة في الأوساط المتدينة فقطع التُفاحة نصفين، إذ أعلن أنه سيترك الباب مفتوحا (في مشروع القانون) لمن يريد الالتزام بأحكام الشريعة في هذا المضمار، فيكون من حق أي مواطن أن يُوصي بمنح الذكر من الإرث مثل حظ الأنثيين. بهذا الموقف الوسطي تفقد المبادرة معناها لأنها تغدو منزوعة من أي طابع إلزامي. واستطرادا فإن الوضع القائم سيستمرُ بالرغم من سن القانون المنوي وضعه. وواضح أن ترك الباب مفتوحا يرمي لتفادي صدام مع أنصار حركة «النهضة» المُعارضين بشدة لخيار رئيس الجمهورية.
الثابت أن علاقات «التوافق» مع قيادة الحركة لن تكون، بعد هذه الواقعة، مثلما كانت قبلها. ويجوز القول إن الطرفين، رئيس الجمهورية و»النهضة»، سارا بخطوات تُرضي أنصارهما، ولو جزئيا، إذ ضمن الأول في احتفالية عيد المرأة دعما معنويا لمشروعه من أطياف المجتمع المدني (الحداثي)، وهو دعمٌ يفتح على رئاسيات 2019، إذ ستذهب مُخرجاته إما للرئيس الحالي أو لمرشح آخر للحزب. علما أن من رجَح كفة قائد السبسي في الانتخابات الأخيرة لم يكن سوى مليون صوت نسائي. غير أن علاقات الثقة تزعزعت مع ذلك الوسط النسائي بعد قيام تحالف بين الحزبين المتنافسين.

احتواءٌ

أما «النهضة» فعملت على إرضاء قواعدها بتوجيه «رسالة الاحترازات» (التحفظات) إلى صاحب المبادرة، مع إطلاق العنان، في الآن نفسه، لبعض قواعدها المُتشددة للتظاهر ضد المشروع، فضلا عن تجنيد جيش من الفيسبوكيين للتصدي له والسخرية من صاحبه. والمُلاحظُ أن «النهضة» لو أرادت لحركت قطاعات أخرى من أنصارها ومن التيارات والتنظيمات المنسجمة معها في مسألة الميراث، مثل حزب التحرير والسلفيين. إلا أن حرصها الشديد على الظهور بمظهر الاعتدال أمام العالم الخارجي، جعلها تخشى من تقويض كل ما بنته، فهي ما انفكت منذ 2011، وحتى قبل ذلك، تقدم شواهد الاعتدال والوسطية، ولذلك لا يمكن أن تمحو اليوم بموقف اندفاعي صورة ما فتئت تُسوِقُها على مدى سبعة أعوام، وهو الحرجُ الذي أشار إليه قائد السبسي، حين قال إن الحركة تحاول أن تُثبت لنا وللخارج أنها حركة سياسية ذات طابع مدني.
مع ذلك فإن التباعد في المواقف بين رئيس حركة «النهضة» راشد الغنوشي ورئيس الجمهورية، بلغ درجة من الاتساع لم يشهدها من قبل، إذ بدأ الخلاف من محاولات قائد السبسي ترحيل الحكومة الحالية، بينما تشبثت «النهضة» بالإبقاء عليها، حفاظا على المواقع المفتاحية التي تحظى بها. ثم ثار خلافٌ جديد على إثر محاولة «النداء» حجب الثقة عن وزير الداخلية الجديد، بُغية إرباك رئيس الحكومة يوسف الشاهد، المدعوم من «النهضة». لكن «الندائيين» خسروا المعركة. ولم تكن الخلافات التي رافقت انتخاب القيادية في «النهضة» سعاد عبد الرحيم رئيسا للمجلس البلدي في العاصمة تونس بأقل حدة من الخلافات السابقة، إذ أصرً «الندائيون» على ترئيس مرشحهم، فبدوا وهُم الحاملون لواء الحداثة، مُعترضين على تولي سيدة قيادة أكبر مجلس بلدي في البلد. في هذه المناخات المشحونة بالصراع والمناورات اختفى التوافق تدريجا، وخاصة بعد الخلاف على المساواة في الإرث، الذي كان القطرة التي أفاضت كأس التباعد بين مواقفهما. ولعل هذا التباعد يُعيدُ العلاقات إلى الوضع الذي شبَههُ قائد السبسي، خلال حملته في انتخابات 2014، بصورة مفادها أن «النهضة» و»النداء» خطان متوازيان لا يلتقيان. لكن في الواقع ما أن انتهت الانتخابات حتى التقى الخطان واندمجا عمليا.

لا يحتمل الانتظار

الأرجح أن البون سيتسع بين الطرفين في ضوء بعض مفاصل تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، ومنها التنصيص على أن «المساواة في الميراث حق لا يحتمل الانتظار» (ص 178)، وذلك بعدما لاحظ أعضاء اللجنة أن «المواريث نظامٌ متجمدٌ» (ص 173). من هنا ينبغي توقُع عودة الحرب الباردة بين حليفي الأمس «النهضة» و»النداء»، كلما اقتربنا من الاستحقاقين الانتخابيين المقبلين البرلماني والرئاسي (المُقررين لأواخر 2019). واستطرادا فالتجييش مُستمر مواكبة للمراحل التي سيمرُ منها مشروع القانون، الذي وعد قائد السبسي بإحالته على مجلس نواب الشعب «قريبا».
هنا تبرزُ مسألة مسكوت عنها، وتتعلق بقرار المؤتمر الأخير لحركة «النهضة» ترشيح رئيس الحركة للانتخابات الرئاسية المقبلة. وشكل المرشحُ فعلا فريقا خاصا يشتغل منذ فترة على الاعداد للاستحقاق الرئاسي المقبل. ولعل هذا سيكون أهم مُتغير في انتخابات 2019، قياسا على الانتخابات السابقة التي خاضتها الحركة بحصان مُستأجر، مُمثَلا بالرئيس المؤقت السابق منصف المرزوقي، وانتهت التجربة بقطيعة بين الطرفين.

دوائر التقاطع

مع ذلك فالقطيعة بين «الشيخين» (قائد السبسي والغنوشي) مُستبعدة، بل على العكس سيستمرُ الحوار (والخلاف)، لكن مع التزام نوع من مدوَنة سلوك مبنية على دوائر التقاطع، التي يخص بعضُها مصالح الدولة العليا واستتباب السلم الأهلي أو ارتباطات تونس الاستراتيجية. والثابت أن كل طرف سيستقوي ببند من الدستور في حربه على الطرف الآخر، وتحديدا البندين الأول (تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لُغتها والجمهورية نظامها)، والبند 46، الذي أكد أن «على الدولة أن تلتزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتدعم مكاسبها وتعمل على تطويرها». ومردُ هذا التنازع على فقرات من الدستور إلى تناقض بعض بنوده مع بنود أخرى، نتيجة ظروف الاحتقان التي وُلد فيها الدستور، والتي أدت إلى اعتماد أسلوب التلفيق والترضيات السياسية اللامبدئية.
هذا عن موقف قائد السبسي، مثلما أعلنه في عيد المرأة، واستطرادا موقف «النهضة» مثلما ورد في بياناتها ورسالتها إلى رئاسة الجمهورية، فما موقف اللاعبين الآخرين في المسرح السياسي؟ وهل ما زال لهم من دور في توجيه الأحداث؟
في أعقاب الانتخابات البلدية اكتسى المشهد السياسي طابعا غير مألوف عُنوانه الجمود، بسبب هزيمة أجسام سياسية عدة وانكفائها بعدما كانت ألسنتُها أطول من قاماتها، وأيضا بسبب الصراعات الداخلية التي تنخرها، والتي انتهت بحزب «آفاق تونس»، على سبيل المثال، الذي حلَ خامسا في الانتخابات البرلمانية، إلى تفكك هياكله واندثار كتلته البرلمانية. والأمثلة المشابهة كثيرة. وستُضطرُ تلك الأجسام إلى التموقع مع «النهضة» أو مع «النداء»، من دون أن تكون لها القوة التنظيمية، التي تبني عليها موقفا مستقلا، فضلا عن قدرتها على إيجاد خيار ثالث، وهو ما سيُعيد الساحة السياسية إلى المربع الأول، مُربع الاستقطاب الثنائي الذي قتل الحياة السياسية وأفقد المواطن ثقته في مصداقية صندوق الاقتراع.

11HOR

معركة المساواة في الإرث تُعيد تونس إلى مربع الاستقطاب الثنائي

رشيد خشانة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية