مع من أبرمت واشنطن الاتفاق في فيينا؟

السؤال ليس استنكارياً، ولا هو مدخلٌ لرؤية ساخرة، فقط يتوجب على العالم أن يحاول التفكير في البناء السياسي الداخلي في إيران، ليستطيع تقدير توجهات طهران، ومدى قدرتها على الالتزام باتفاق يبدو لأول وهلة وكأنه منعطف سيغير جميع التوازنات في المنطقة.
الاتفاق لم يكن ليمر بدون موافقة من القائد الأعلى للثورة الإيرانية، وذلك يعني أن حالة من التوافق انعقدت في أوساط مجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور، بوصفهما الوسيط بين آية الله خامنئي ونظام الثورة، وبين بقية مؤسسات الدولة التي تقع تحت سلطة رئيس الجمهورية حسن روحاني، فالمعروف أن أي نظام في العالم ينتهي أساساً برأس الدولة، الذي يمثل مرجعية السلطات الفاعلة، بينما يختلف الوضع في إيران، فبعد أن ينتهي هرم السلطة التنفيذية بالرئيس، فإن أي قرار أو توجه يمكن أن يكون عرضة للمراجعة والتعطيل والنقض من قبل منظومتي تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور، بحجة فحص توافقه مع الشريعة الإسلامية ومبادئ الثورة الإيرانية.
موافقة آية الله خامنئي ليست مجانية والأكثر من ذلك ليست مطلقة، فعلى روحاني أن يقدم في المقابل أوراق اعتماد جديدة لدى المرجعية الثورية وأذرعها المختلفة، وتتمثل في لملمة الوضع الإيراني الداخلي، خاصة ما يتعلق بالجانب الاقتصادي الذي ينتظر الإيرانيون أن يكون الثمن المقبول والمرتقب للتنازلات في الملف النووي.
روحاني ومجلسه الوزاري كانوا ضيوفاً على مائدة الإفطار التي أقامها آية الله خامنئي في اليوم التالي للاتفاق، وفي بداية الجلسة شكر خامنئي «الجهود والمجاهدة الصادقة الجادة لفريق المفاوضات النووية». لينتقل مباشرة إلى حديث عن مالك الأشتر الذراع التنفيذية للإمام علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – وكان رجل الدولة المجهضة في مشروع الإمام.
الوعظ جزء من الممارسات اليومية لخامنئي، إلا أنه أحد أدوات التواصل السياسي، وموضوع الوعظ وتوجهاته بالتأكيد استقطب اهتمام الرئيس روحاني ووزرائه، ويجب أيضا أن تلفت انتباه المتتبعين للشأن الإيراني، فهل سينصرف الإيرانيون إلى الداخل في المرحلة المقبلة، وسيكون ما حصلوا عليه بمثابة الثمن للتراجع على المستوى الإقليمي، على عكس ما يتصور البعض من أن الاتفاق سيفتح باباً جديداً لاستعادة دور إيران شرطياً للمنطقة.

من سيدفع الثمن؟

يمكن أن اتصالات الرئيس أوباما مع بعض الأطراف العربية أتت لإخطارهم بما يتوجب عليهم أن يتحملوه في المرحلة المقبلة، الاتصال الرئاسي سيشتمل على ذلك بصورة ضمنية، أما التفاصيل، فإنها ستكون لاحقاً من مهمة فرق متخصصة في إنهاء هذه النوعية من الصفقات.
العربية السعودية علقت على الاتفاق سريعاً، وكأنها تحدد شروط قبولها بالثمن الذي سيتضح في المدى المنظور، وصرح مصدر مسؤول، كما وصفته وكالات الأنباء، بالتأكيد على صرامة إجراءات التفتيش على المواقع الإيرانية، ووجود آلية لإعادة تفعيل العقوبات في حالة حدوث أي انتهاكات، وتوجهت بالنصيحة لإيران باستغلال مواردها في التنمية الداخلية وتحسين أوضاع الشعب الإيراني، عوضا عن إثارة الاضطرابات في المنطقة، ملوحةً بردود فعل حازمة من دول المنطقة في هذه الحالة، وعملياً فإن الرسالة السعودية تعبر عن السقف الأعلى لمطالب الرياض، بدون أن تكون بالضرورة معبرة عن الأمر الواقع ومجريات الأمور حالياً ومستقبلاً.
الإيرانيون تمكنوا من التمدد إقليمياً لأنهم مضطرون لذلك، فدولة أيديولوجية لا يمكن أن تعيش إلا في ظل وجود رسالة عليها أن تقوم بصيانتها وتصديرها، ولنقل بأن أي دولة مركزية لا تستطيع أن تعيش بدون هذه الرسالة، فالأمريكيون يحملون رسالة بحماية الديمقراطية والحرية، والأوروبيون حملوا طويلاً رسالة تمدين الإنسانية، ورسالة أي دولة تعتبر أرقى درجات التعبير الميكيافيلي في السياسة الحديثة، فالتجربة التاريخية أثبتت أنها ليست سوى ادعاءات نبيلة تتستر وراءها أكثر الغرائز السياسية تهافتاً وانتهازية (الاستعمار مثالاً).
إيران دولة ادعت لنفسها رسالة الثورة الإسلامية، وخامنئي ليس فقط مرجعية السياسة الإيرانية فهو أيضا ولي أمر المسلمين، وذلك وصف رسمي لمكانته في إيران الثورة، ولذلك فإن حرباً بين العراق (الذي حمل رسالة قومية عربية) وإيران كانت حدثاً أتى في سياق يشجع على ذلك، فالمنطقة ازدحمت وقتها برسالتين تحملان نبرة عالية من المثالية، وتدعيان طموحات كبيرة، وإن كان العراق أجبر على التخلي عن رسالته، فإن ذلك لم يحدث مع الإيرانيين الذين استطاعوا أن يحتفظوا بها شكلياً إلى أن أغرتهم الظروف الإقليمية بإعادة توظيفها للحصول على حصة من (أطلال) البوابة الشرقية.
الدول العربية المحورية لا تمتلك الحجة الأخلاقية في مواجهة الرسالة الإيرانية، فالدول العربية تمسكت بالرسالة كأحد مظاهر وجود الدولة، وكأن الدولة في حد ذاتها ليست إلا (مسيرة) ناحية تحقيق هدف (السيادة) و(الغلبة)، وبينما زعمت الدول العربية تنويعات مختلفة على (أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة) فإنها وصلت إلى مرحلة من التردي والتبعية تليق بوضع أمة كاملة في مجمل (المضحك المبكي). دول ثرية ومتقدمة مثل فنلندا والنرويج لا تدعي لنفسها رسالة نحو العالم، ولا حتى نحو محيطها الجغرافي، هي تقدم نموذجا للمواطنة الصالحة في المجتمع الدولي بدون كثير من الجلبة أو الادعاء، بينما ادعت ليبيا القذافي مثلاً رسالةً على المستوى العربي، فلما وجدت ازدحاماً في أصحاب الرسالة بالمنطقة العربية يممت شطر أفريقيا ليستنزف القذافي ثروات بلاده في إرضاء طغمة من الرؤساء الأفارقة لمبايعته ملكاً للملوك.
الدولة في أوروبا تقوم أساساً على فكرة (المهمة) التي يقدمها النظام الديمقراطي المنتخب للمواطنين في إطار تعاقدي واضح ومحدد، وفي إيران توجد رسالة للولي الفقيه في مواجهة مهمة ثقيلة للرئيس روحاني، ومجرد قبول إيران بشروط الاتفاق والدخول في إطاره يعني إلى حد كبير خطوة للوراء من أصحاب الرسالة، لإتاحة المجال لمسؤولي المهمة، ومواطنو الجمهورية الإسلامية في إيران ينتظرون أن يترجم الاتفاق في صورة مزيد من الريالات التي تتدفق لجيوبهم، غير تلك التي أتت كعامل تحفيز للتضخم دون النمو. هل تستطيع إيران أن تعيش بدون رسالة؟ وهل كانت مسألة الرسالة في إيران مرتبطة أصلاً بمشاغلة الواقع المحلي عن الأوضاع المضطربة اقتصادياً، أم أن الرسالة كانت محركاً للوصول بالأوضاع إلى هذه المرحلة؟ إيران تتوجه إلى التفرغ لمهمة الدولة ولو على مضض، فتكلفة الرسالة لم تعد في متناولها مع مستويات أسعار النفط وتغير المعادلات التي تحكم الأسواق، وهي بحاجة إلى أسواق جديدة لمنتجاتها الزراعية، وتراجع الإنتاج الزراعي في سوريا والعراق يعطي الإيرانيين فرصة لتحقيق ذلك، ولكن هل تتفرغ الدول العربية في المقابل لمهماتها؟ فأي رسالة ستستدعي رسالة للمواجهة، وستعيد المشهد دائما إلى المربع الأول، وربما الخطوة الأولى في التخفف من الرسالة والالتحام بالمهمة يتمثل في القضاء على واقع التحريض الطائفي، ومختلف منتجاته من «داعش» إلى الحشد الشعبي، ومن هذه الزاوية يمكن أن يلوح بعض الضوء في الأفق، وعدا ذلك، فالاتفاق لن يعدو كونه مجرد جملة اعتراضية في تراجيديا الخراب الدائرة في المنطقة.

٭ كاتب أردني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية